قراءة في كتاب -الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر- لمؤلفه عبد الإله بلقزيز

صلاح الدين ياسين
2022 / 12 / 25

كتاب صدرت طبعته الأولى عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في العام 2008، من تأليف المفكر المغربي ذي المنزع القومي عبد الإله بلقزيز، والذي حاول من خلاله سبر أهم مسببات أوضاع الهشاشة والانسداد السياسي التي يعرفها الاجتماع العربي المعاصر، متوسلا بمقاربة نظرية غير انتقائية تزاوج بين نقد الدولة ونقد المجتمع. وهكذا فإن هذا العمل ما فتئ يكتسب راهنية ملحة في السياق العربي، لا سيما في ضوء تداعي فكرة الدولة الوطنية، وخروج العصبيات المتناحرة من قمقمها، في أعقاب الأحداث التي سميت إعلاميا ب "الربيع العربي". وباعتبار ما يشوب التعاطي مع مفهوم الدولة من فقر نظري صارخ في البيئة العربية، فقد كرس بلقزيز مدخلا نظريا لتناول المسائل النظرية المتصلة بالدولة، قبل أن ينبري لعرض أهم العوامل التي تفسر هشاشة الدولة والمجتمع العربيين:

تمهيد نظري حول مفهوم الدولة
يذهب المؤلف إلى أن الدولة تكاد تكون أعظم اختراع تمخض عن الفكر الإنساني الحديث، بما هي أداة لتنظيم وعقلنة المجتمع، وبالتالي حفظ وجوده وأمنه، إذ لا سبيل إلى تصور قيام مجتمع منظم حديث - كبديل عن الجماعات العضوية الأولية (القبيلة، الطائفة... إلخ) - إلا في كنف الدولة ومؤسساتها. وعليه تعد المواطنة من أبرز مرتكزات الدولة الحديثة، ذلك أن الأخيرة لا تعترف في تشريعاتها وقوانينها سوى بالأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات على أساس رابطة المواطنة، وليس من منطلق انتماءاتهم الفرعية (عرقية، دينية، طائفية... إلخ).
كما يميز بلقزيز بين الدولة ككيان تمثيلي مجرد ومحايد يدوم ولاء الجميع لها، والسلطة السياسية التي تبقى محل تنافس بين الهيئات والأحزاب السياسية. ومن ثم، فلئن كانت الدولة تتعالى فوق التمايزات السياسية والاجتماعية القائمة، وهي بذلك تصهر جميع المواطنين في بوتقتها ملزمة إياهم بالخضوع لإرادتها الممثلة في قوانينها والولاء لها، فإن السلطة السياسية ذات طبيعة متغيرة ومتحولة، دون أن يعني ذلك المساس باستمرارية الدولة ووجودها (فقد تتناوب على السلطة نخب سياسية وأيديولوجية مختلفة من ليبراليين ويساريين وقوميين...)، هذا ناهيك بأن السلطة أو الهيئة الحاكمة ذات السيادة لا تُعد في التعريف القانوني الكلاسيكي للدولة سوى ركن من أركانها الثلاثة الموضوعية، إلى جانب الإقليم الترابي ذي الحدود المتعينة، والشعب أو الأمة بمفهومها الحديث.
على أن احتكار العنف المشروع يُعتبر بدوره مقومًا أساسيًا للدولة الحديثة، فالعنف المشروع بوصفه حقا عاما يمارسه المجتمع ممثلا في الدولة التي تحتكره (وليس وقفا على فئة معينة)، تكمن وظيفته الأساسية في ضمان احترام وإنفاذ قوانين الدولة المجسدة للإرادة الجمعية للأمة من حيث هي مصدر السيادة، وهو، من الناحية النظرية، ليس قاعدة ملازمة للسياسة، بحيث لا يتم اللجوء إليه إلا عند الاقتضاء. وتأسيسا على ذلك، فإن الدولة لا تملك الاستمرار بالاستناد إلى العنف والقهر المادي فحسب، إذ لا بد من الشرعية الديمقراطية والدستورية المعبر عنها بقبول مجموع أو غالبية المواطنين بها.
وينتهي المؤلف إلى أن مختلف التقاليد النظرية في الفكر السياسي، التي افترضت إمكان انتفاء الحاجة إلى الدولة كإطار للتنظيم الاجتماعي، قد تَحَطمت على صخرة التجربة الواقعية، سواء تعلق الأمر بالفكر الماركسي، الذي يفترض قيام مجتمع شيوعي تتحقق فيه الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج، وبالتبعة تنعدم فيه الحاجة إلى الدولة (يشدد الكاتب على أن التجارب الاشتراكية التوتاليتارية قد آلت إلى تأليه الدولة بدلا من اعتبارها مجرد طور انتقالي في أفق تحقيق المجتمع الشيوعي)، أو ليبرالية القرن التاسع عشر الناقدة للدولة بدعوى طغيان الأغلبية على الفرد (من أبرز رموزها جون ستيوارت ميل ودو توكفيل)، أو التقليد النظري الفوضوي الذي يفترض مجتمعا بدون دولة بحكم ما للأخيرة من سلطان قهري على حرية الأفراد. وبالتالي، فإنه لا يسعنا إنكار الحاجة إلى الدولة بحسبانها الإطار الأمثل للتنظيم الاجتماعي.
عن معضلات الدولة العربية
يشير بلقزيز إلى أن الدولة العربية لم تكتمل صيرورتها التاريخية، إذ ما تزال عصية على استيعاب مقومات الدولة الحديثة ذات المنشأ الغربي، ولعل ذلك يعزى أساسا إلى ثقل الموروث التقليدي السلطاني، ومن جملة تعبيراته التكوين العصبوي للدولة العربية من حيث هي، في جوهرها، مجرد امتداد للجماعات العضوية التقليدية (طائفة، مذهب، قبيلة...)، ومن هنا استخدامها الدائم للعنف القهري، الذي يفسر في كونها مجرد أداة بأيدي نخبة محدودة أو فريق اجتماعي معين، مما يضطره إلى الاستخدام المفرط للقوة لقمع اعتراضات باقي الفئات الاجتماعية المحرومة من حقوق المواطنة والتمثيل السياسي.
وعليه فإن تكوين السواد الأعظم من المجتمعات العربية هو عصبوي بالأساس، ولا يمت بصلة إلى المجتمع المدني المنظم في الدولة الحديثة (والذي يقابله مفهوم المجتمع الأهلي التقليدي حيث تهيمن الجماعات العضوية الفرعية). وبالتالي ينصرف ولاء أعضاء المجتمع الأهلي أساسا إلى العصبيات السائدة (سواء كانت مذهبية أو طائفية أو قبلية...)، لا إلى الدولة ككيان تمثيلي جامع.
ومثلما يقر بلقزيز، فإن المجتمع لا يغدو عصبويا لمجرد طبيعته التعددية والفسيفسائية (أي تنوع تكويناته الاجتماعية)، وإنما يمسي كذلك حين تتحول الجماعات العضوية الفرعية (طائفة، قبيلة... إلخ) إلى كيانات ذات طبيعة مؤسساتية. ففي هذه الحال يسود التعليم الطائفي أو الديني عوضا عن التعليم المدني الحديث، وتقام المؤسسات السياسية والاجتماعية على أساس فرعي ينسف الهوية الوطنية الجامعة (مثلا أحزاب طائفية كما هو الحال في لبنان والعراق).
وعطفا على ما سبق، فإن السعي إلى تحجيم أدوار ووظائف الدولة الاجتماعية والاقتصادية، إما باسم مطالب المجتمع المدني، أو بتعلة الإصلاح الاقتصادي وفق المقاربة النيوليبرالية المتوحشة لهو من أهم المعضلات التي تواجه الدولة العربية، ما دام أن تلك المطالب قد تقود إلى نتيجة عكسية وهي إضعاف الدولة وتفتيت وحدة الكيان السياسي والاجتماعي، عوضا عن الحد من السلطة القهرية الاستبدادية. وعليه فإن الدولة الاجتماعية الضامنة للعيش الكريم (صحة، شغل، تعليم... إلخ)، ناهيك بجملة الحقوق السياسية والمدنية، هي السبيل الأمثل لنهوضها بوظيفة التوحيد الوطني، والحيلولة دون تفاقم النزعات الانقسامية والانفصالية، بحيث يوفر لها ذلك الدور مصداقية معنوية وأخلاقية توطد أواصر الانتماء الوطني.
ومن ناحية أخرى، يُعتبر استفحال الانقسام الثقافي (كنقيض للصراع الثقافي من حيث هو ظاهرة صحية في المجتمعات التعددية)، وبخاصة بين دعاة الأصالة والتقليد من جهة، ودعاة الحداثة والكونية من جهة أخرى، من أبرز تجليات هشاشة الدولة العربية، ولا أدل على ذلك من احتدام العنف الرمزي واللفظي في أوساط النخب العربية (ظواهر التكفير، التخوين، الإقصاء... إلخ). هذا بالرغم من حقيقة أن دولة ما بعد الاستقلال، وإنْ لم تحظ بقبول أيديولوجي، فإنها اكتسبت على الأقل شرعية سياسية واقعية كإطار ضروري للتنظيم الاجتماعي، في نظر طيف واسع من النخب الفكرية، التي كانت تطعن في شرعية وجودها بمبررات أيديولوجية متباينة (لا سيما النخب القومية والأصولية والماركسية).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت