سمعنا بوتشيللي فتنصرّنا

عادل صوما
2022 / 12 / 20

هناك ظاهرة غريبة تحدث في المنطقة الناطقة بالعربية هي استفحال الهوس الديني، لدرجة محاولة أسلمة سياح يزورون بلداً بشكل موقت، وقد شكا سائحون كثيرون بعد زيارة لمصر من اعطائهم كتيبات وقرآن مترجمين إلى لغتهم، وقالوا انهم جاءوا لمشاهدة الآثار، وأبدوا ضيقهم على اعتراضهم وعرض تبشير الإسلام عليهم. كما عقّب بشكل سلبي كبير علمانيون مسلمون على هذه الظاهرة، وقالوا انها تضر السياحة، تماما مثل التحرش بالسائحات الاجنبيات.
امتدت هذه الحملة إلى مونديال كأس العالم 2022، حيث حضر كبير دعاة آسيا ذاكر نايك الذي يزايد على المتزمتين الناطقين بالعربية، ويعتبر الموسيقى مثل الخمر يجب أن تُحرم، وهو أمر لم يرد في القرآن أو الأحاديث.
ورغم اتهام نايك بغسيل الأموال ووقوف إلهام محاضراته وفقهه وتفسيراته وراء تفجيرات عديدة في آسيا، إلا انه يملك محطة تلفزيونية أطلق عليها "السلام"، وجاء مع كاميراتها إلى مونديال قطر التي تبرأت ونفت دعوته، رغم تحرّيمه لعبة كرة القدم الاحترافية، لكن ذلك لم يمنع المُرقِع الكبير من توسيع رقعة شهرته واكتساب بعض الأموال الحلال من مناسبة عالمية كهذه.
سأل نايك بلغة إنكليزية ركيكة مشجعين مستدرَجين لمكان اقامته، أو مختارين من الطبقة الجاهلة التي تصاحب عادة فرق كرة القدم: يا سيد هل قرأت القرآن؟ فيرد المشجع بضحكة على لكنته الانكليزية، يتجاوزها نايك أحياناً إلى صلب الموضوع وهو التبشير، وقد يسأل المشجع هل تعلم أن القرآن ذكر "مثقال ذرة"؟ كيف عرف محمد من 1444 سنة بوجود الذرة؟ ثم يطلب من المشجع ترديد "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، التي يرددها المشجع وهو ما يزال يضحك أو يبتسم لأنه لا يفهم مغزى وجوده مع نايك أو ما يُقوله له أو ما يردده هو أصلاً وراءه!
يرسل نايك إلى كفلائه هذه المقاطع ليواصلوا تحويل دعمهم المالي له، وهي مقاطع هزلية يمكن بسهولة صناعة مثلها لأفغاني يسمع السوبرانو الكبير أندريا بوتشيللي وهو يغني بالإيطالية فيتنصّر بسبب إيقاع ما سمعه ولم يفهمه.
لا أعرف حقيقة كيف يصدق كفلاء نايك هذه المقاطع؟ أم هم يمولونه لنشاطاته التحريضية ويتغاضون في الوقت نفسه عن تلفيقاته المكشوفة لأي عاقل؟
تلامذة نايك
بعد هزيمة الارجنتين أمام السعودية، سجد الدراويش تلامذة نايك وغيره شكراً لله على انتصار السعودية، ولم يشكروا اللاعبين الذي سجلوا الأهداف، بل قال بعض دعاتهم بأن الله آزر السعودية، التي خرجت من الدور الأول بعدما لم يساندها الله بعد ذلك لسبب غير معروف، وآزر اسود الأطلس، الذين دفع فوزهم على إسبانيا إلى كتابة "المغرب تستعيد الأندلس" كعنوان رئيسي في "كويت نيوز"، كما استوحى معلق "رياضي" اسمه ميدو روح العنوان نفسه وقال: "الأندلس يعود لأصحابه". ما علاقة الأندلس بمبارة في قطر؟ أظن لا علاقة تاريخية أو رياضية، والأمر مجرد تحريض.
كما عزا أمثال هؤلاء هزيمة أسود الأطلسي أمام أحفاد شارل مارتل، بمؤامرة دولية أخرجت المغرب من كأس العالم، وسارعوا بكتابة عناوين تؤكد إعادة المباراة، رغم استحالة ذلك، والاكتفاء بشطب الحكم من التحكيم الدولي كما حدث مع الحكم التونسي الذي لم ير هدف "يد الله" الذي سجله مارادونا في شباك بريطانيا*.
لاعبون غربيون
لم تشر "كويت نيوز" أو ميدو إلى حقيقة لاعبي اسود الأطلس الذين تعلموا أصول لعبة كرة القدم الحديثة في الغرب، لأن معظم لاعبي الفريق يلعبون في أندية أوروبا أو كندا، ومدربهم الركراكي يدرب في أوروبا أيضاً، ولو كان مُدربا محليا ولاعبين محليين قد اشتركوا في مسابقة كأس العالم لما وصل المغرب بلياقة لاعبيه وخبرتهم لدور الثمانية في المسابقة.
إله الكرة
معظم لاعبي اسود الأطلس يلعبون كمحترفين في نواد أوروبية، يُمارس مشجعوها الرهان على نتائج المباريات، ورغم ذلك فإن زوجة أحد اللاعبين منقبة وزوجها يلعب كمحترف في إيطاليا، وتحضر معظم مبارياته والناس حولها يحتسون البيرة وترى عورة أفخاذ الرجال، وزوجها الذي قال عن فوز المغرب في مباراة المغرب/البرتغال "إذا اراد الله شيئا سيكون" يقبض مستحقاته أو معاشه من قمار المباريات، وهذه مجرد قطعة صغيرة داخل إطار كبير ساخر لإقحام الدين في الرياضة والله في نتائج المباريات، وعمل المؤمنين بعكس ما يقولون تماماً، إما للارتزاق أو لأن الشهرة والخبرة والمال في أندية الغرب. في كل الأحوال عدم إيمان بما يقولون ويبشرون به. انفصام في الشخصية.
ولكي يزيد الهزل في تكبير إطار الصورة الساخرة من اقحام الدين في الرياضة عالمياً، هُزمت المغرب من كرواتيا التي تحضر مبارياتها مَن وصفوها بأجمل مشجعة، وتذهب إلى المباراة وهي ترتدي ثوبا بألوان علم بلدها، يكشف جمال وحجم نهديها الكبيريّن بوضوح مثير، ولم يعترض دخولها مَن رفعوا شعار الحشمة في المباريات، ثم اكتملت سخرية إطار مونديال 2022 بتتويج الصحافة الرياضية العالمية "مِسّي" اللاعب الأرجنتيني إلهاً لكرة القدم، وهو لقب تتويج لم يتم اختراعه في تاريخ اللعبة مطلقاً حتى على مَن هم أعظم منه بكثير، وكأن اللقب يرد بشكل غير مباشر على مسألة الملائكة التي آزرت فرقاً ثم تركتها قبل النهائيات، بعدما أفسحوا المجال لإله اللعبة الذي آزر فريقه منذ البداية، وحتى بعد الهزيمة المفاجئة من السعودية، في الحصول على كأس العالم 2022 في نهاية المسابقة.
هل هزم "مِسّي" فريق الكافر ماكرون الذي احتلت دولته بعض دول الشرق الأوسط؟
سؤال آخر في الإطار الأكبر تجدون الإجابة عليه في مواقع تقحم الله والدين في كل شيء حتى الرياضة، ويجب أن يتحمّل كفلاؤها السخرية من ادعاءاتهم، أو ترقيع ما قالوا لأنهم آلهة الدنيا في أي مسابقة ترقيع. هم فتحوا الباب.

*قال علي بن ناصر في تصريحات لقناة "بي إن سبورتس" بعد عقود: "عندما هزت كرة مارادونا الشباك، كان لديّ شك أن الهدف غير صحيح، فنظرت على الفور لحكم الراية وكان بلغاري الجنسية وأنا عائد في طريقي لمنتصف الملعب.. فوجدته يتجه معي نحو دائرة المنتصف اعترافا منه بصحة الهدف، فأخذت برأيه على الفور".
عبارة ركيكة مهلهلة غير مقنعة لأن جميع مَن في المدرجات شاهدوا يد مارادونا وهي تلمس الكرة، ولم يشاهدها بن ناصر الذي كان على بعد خطوات منه، ناهيك عن قاعدة رياضية في كرة القدم تقول "الحكم سيد الملعب"، وهذا يفسر ركض حامل الراية معه.
ثم أضاف بن ناصر بطريقة توحي بأمر مريب: "على الرغم من خطأ هدف مارادونا (؟!) لكنني أتممت المباراة بأفضل صورة، وساهمت بصفة فنية في الهدف الثاني. فعندما تَحُكم مباراة لمارادونا لا يمكن أن تغمض عينك، لأن المدافعين حاولوا إسقاطه أكثر من مرة، لكنني كنت أمنحه الفرصة حتى تمكّن من هزّ الشباك وتسجيل الهدف الثاني في المرمى الذي أصبح أفضل هدف في تاريخ كأس العالم، وتم اختياره هدف القرن".
الأمر مريب لأن محاولة إسقاط مارادونا لو حدثت تستحق ضربة جزاء فوراً، لأن اللاعب في حال محاولة اسقاطه يمكنه ركل الكرة خارج المرمي لأنه فقد التوازن.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت