الأنبياء ملوك المستضعفين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2022 / 12 / 16

قد ولدت نُبوة الأنبياء من رحم سلطة المتسلطين، كرد فعل مقاوم لثقل السلطة عليهم وأمل في الخلاص من أعبائها ومظالمها بحقهم. فالأديان هي بمثابة سلطة الفؤاد للسواد الأعظم من جماهير المستضعفين في مواجهة بطش واستغلال سلطة الحكم فيهم؛ أو هي مملكتهم المختارة في معارضة مملكة الملك وحاشيته المفروضة عليهم كرهاً. ولولا وجود السلطة قبلاً، ما وجد الدين بعداً. هكذا قد ولدت نبوة موسى من رحم عنفوان السلطة الفرعونية واضطهادها لبني إسرائيل وتنكيلها بهم. كما قد ولدت نبوة عيسى كذلك من رحم السلطة الرومانية، وفي معارضة ومقاومة دامية ضدها. غير أن نبوة محمد لم تولد كسابقتيها في معارضة ومقاومة ضد سلطة قائمة، ببساطة لأنه ما من سلطة أصلاً كانت قائمة هناك آنذاك. وهنا كانت المفارقة والإشكالية: هل يمكن أن تنشأ ’نُبوة‘ من دون ’سلطة‘ قبلاً؟!

كما حال العبد لا يمكن أن يحب سيده، كذلك المحكوم لن يحب أبداً حاكمه. وعلى هذا الأساس قد بنيت العلاقة الضدية بين السلطة من جهة والدين في المقابل. وكان لزاماً أن يكون الأنبياء، بصفتهم ملوك الجماهير المستضعفة وحملة لواء قلوبهم، على الطرف النقيض للسلطة دائماً. وتنشأ المعضلة حين لا يصطف النبي مع الأسياد والحكام فقط، بل يكون هو نفسه سيدهم وحاكمهم الأعظم.

لإبراز دوره كنبي ورمزاً للمضطهدين، قد عمدت الأدبيات الإسلامية في التضخيم والمبالغة في قسوة التعذيب الذي تعرض له محمد وأتباعه بمكة قبل هجرتهم إلى يثرب. ثم زادت على ذلك بالتهويل من عداوة الكافرين والمشركين والمنافقين وغيرهم للنبي والإسلام والمسلمين حتى بعد عودتهم لمكة فاتحين وتحولهم أنفسهم إلى أصحاب السلطة هناك بعدما كانوا مضطهدين ومعذبين في السابق. رغم ذلك، ظلت المدة التي قضاها الإسلام في المعارضة قبل الهجرة قصيرة بما لا يكفي لبناء وتأصيل ديناً للمظلومين كما حدث مع اليهودية والمسيحية. كما يمكن بسهولة تامة الطعن في الادعاء بمظلومية الإسلام حتى وهو في سدة السلطة.

’حروب الردة‘ فور وفاة النبي ربما قد حسمت الجدل حول ما إذا كان الإسلام كدين سيواصل الرحلة في صف الظالمين كممثلين للنخب الحاكمة أم المظلومين كممثلين لجماهير المحكومين العريضة، وحددت مستقبله كديانة سلطوية نخبوية بامتياز. منذ هذه اللحظة فصاعداً ما كان للإسلام كدين أن ينتشر إلا في ركاب وأعقاب السلطة، وحيثما وقفت السلطة توقف انتشاره. لهذا يُلاحق الإسلام كثيراً بالنقد أنه دين انتشر ’بحد السيف‘. بيد أن هذه هي الحقيقة، وسمة خاصة في الإسلام. فالإسلام لم يولد من رحم سلطة، التي لم تكن موجودة أصلاً. بل الحقيقة هي أن الإسلام والسلطة قد ولدا سوياً في اللحظة ذاتها، كل منهما أعان وأخذ بيد الآخر، وأي منهما لا يستطيع الحياة من دون الآخر- كأنهما توأم ملتصق.

لكن الأمر لم ولا يتوقف عند هذا الحد وتُحل الإشكالية ببساطة. إذ طالما وُجد سادة وجُد العبيد في المقابل؛ وطالما وُجدت سلطة وُجد دين ككيانين منفصلين لا يمكن أبداً أن يذوبا في بعضهما البعض بالكامل. في قول آخر، عندما يتحول البشر جميعهم إلى سادة على قدم المساواة التامة مع بعضهم البعض ومن دون أي عبيد على الإطلاق وسطهم ساعتها- وساعتها فقط- يمكن القول إن الدين قد ذاب بالكامل في السلطة وأصبحا شيئاً واحداً والشيء نفسه. لكن ذلك لم ولا يمكن أن يتحقق أبداً على أرض الواقع. كذلك، لم ولا يمكن أن يتحقق أبداً على أرض الواقع أن تتساوى النخب المسلمة الحاكمة أو تذوب بالكامل في الجماهير العريضة المسلمة المحكومة، حتى يتحول إسلام الطرفين المتضادين إلى إسلام واحد والإسلام نفسه كما يُدعى دائماً. ومعنى أن تظل الفوارق والحدود الفاصلة قائمة، أن تظل السلطة في طرف والدين في طرف مضاد آخر، ككيانين منفصلين ومتعارضين بالضرورة مهما كان الكثير الذي يجمع ويُشابه بينهما على السطح.

هل هذا يعنى أن هناك حتماً ولابد إسلامان لا إسلاماً واحداً، أحدهما رسمياً نخبوياً يعبر عن السلطة ومصالحها بينما الآخر غير رسمي وشعبي يعبر عن هموم وتطلعات السواد الأعظم من الجماهير المسلمة في معارضة النسخة الرسمية التي ترعاها الدولة؟

حوار مع فاطمة البلغيتي وعمر ازيكي - جمعية اطاك المغربية حول سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اجرت
حوار مع د. طلال الربيعي حول الطب النفسي واسباب الامراض النفسية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتحليلها، اجرت