قطار آخن 39

علي دريوسي
2022 / 12 / 15

كبر ابني وشارف على دخول المدرسة، حينها علمت أن الوقت قد حان لأتخذ قراراً نهائياً بشأن زوجي كرمى للأولاد، تردّدت قليلاً، لكن عندما بدأ أخي وزوجته إقناعي بتخليص الأطفال ونفسي منه عادت القوة إليّ والثقة بنفسي على اتخاذ القرار، علمت بأنه لا خيار آخر أمامي، رغم أني لم أنوِ يوماً أن أخلّصهم من أبيهم، أي أن أتخذ قراراً بالنيابة عنهم، قراراً قد لا يريدونه، لقد كانت معركة حقيقية بالنسبة لي.

استأجرت شقة صغيرة، جهزتها بأبسط ما يمكن وسكنتها مع أولادي، كنت سعيدة بغض النظر عمّا بدا عليه الأمر في ذلك الوقت، قرّرت رفع دعوى الطلاق وانتهى الأمر، كنت متأكدة من حصولي على حريتي في أقل من سنتين، جاء الحظ دفعة واحدة، توفي أحد أعمامي تاركاً لي مبلغاً محترماً من المال، كان كافياً لدفع أتعاب قضية الطلاق بالإضافة لشراء الأثاث الجديد للشقة، ثم حصلت على مبلغ آخر من أخي في موسكو.

احتجت بعدها إلى وقت ليس بقصير لأتخلّص من ظل هذا الرجل في حياتي، عرفت وقتها أن الزمن وحده سيقرّر كيف سيستجيب أولادي لسلوكي معهم وقراري بالانفصال عن أبيهم!

كانت قراراتي في تلك المرحلة صارمة، لقد امتنعت عن دعوة أي رجل حتى لو كان صديقاً إلى بيتي! ليس لأنني لا أرغب أن يكون أحد في ضيافتي، ليس لأنني خفت من الوقوع في مشاكل أخرى بل لأننا، أطفالي وأنا، جهزنا البيت لأشخاص ثلاثة فقط، لقد تحول البيت أخيراً إلى مكان آمن، أصبح الملاذ ضد غدر الزمن ومفاجآته السيئة، كان البيت في تلك اللحظة لنا للمرة الأولى ولم أرغب بمشاركة أي شخص آخر لنا.

ما فعلته بزوجي لم يمر دون عقاب، بعد الانفصال توقفت كل مساعداته لي وللأولاد، لم أعد أحصل على أي مال منه، أنا لا أحتاج نقوده، الحال سيمشي بطريقة ما ناهيك عن قدرتي على العمل، لقد كنت على أتم الاستعداد للنضال من أجل البقاء، بدأت بالعمل من أجل إعالة نفسي وتربية أولادي، ولأبقى على قيد الحياة كنت أقوم بثلاثة أعمال تافهة في الوقت ذاته، في السابق كان زوجي هو المسؤول عن تأمين المال وكنت أنا المسؤولة عن إدارة الأسرة وتأمين متطلبات الحياة اليومية.

تنقلت بين الكثير من الأعمال القذرة والبسيطة التي لا يكسب فيها الأنسان شيئاً يذكر، أعمال لا تشبهني فعلاً، عملت في تنظيف مراحيض الشركات، في البيوت، في مجال العناية بالنظافة الشخصية لكبار السن، عملت في مقاسم مراكز اتصالات متواضعة، كان المهم بالنسبة لي أن لا يعاني أطفالي مما عانيته في طفولتي، فكرة أن يتم استغلالهم يوماً ما في أماكن عمل تافهة كانت ترعبني.

كنت أعمل من الصباح وحتى المساء، في تلك الأيام أردت فقط أن أنام، أن أنام لسنتين على الأقل ودفعة واحدة! أعود إلى البيت متعبة، يرن جرس التلفون، تلاحقني كلماته الساخرة الحاقدة، اتهاماته التي لا تنتهي فيما يتعلق بعدم قدرتي على ترتيب أموري وأمور أطفالي، بعدم قدرتي على تنظيم وقتي، وبأنني نادراً ما اهتميت بزوجي أو سهرت على رعايته، اتهمني بالخيانة وبأنني أعاقبه من خلال اِستئجاري للشقة، أضغط عليه وأحرمه من أطفاله.

كنت أسعد إنسانة في العالم عندما وصلني نبأ موت زوجي الورقيّ في الحادي والعشرين من شهر تشرين الثاني، كان مسافراً في رحلة عمل على متن خطوط "بان أمريكان" العالمية، تم تفجير طائرة الركاب الأميركية بوينغ 747 أثناء تحليقها فوق مدينة "دمفريز وغالواي" الأسكتلندية غربي إنجلترا. قالوا بأنّ الزعيم الليبي "معمر القذافي" هو من أعطى الأمر. مات جميع من كان على متن الطائرة، مائتان وتسعة وخمسون شخصاً قُتلوا إثر هذا التفجير، مات أيضاً أحد عشر إنساناً من سكان القرية حيث سقطت أشلاء الطائرة.

**

بعد أن اِندفس زوجي حصلتُ على كمية من المال ليست بالقليلة عن طريق شركات التأمين، تَنَفَّست الصُّعداء، في الوقت نفسه كان هناك ما يحركني باتجاه الدراسة الجامعية، باتجاه الهروب مع أولادي إلى ألمانيا الغربية، من جهة تمنيت أن أبدأ حياتي من جديد وأن أرمم نفسي المتعبة وأضمد جروحها، ومن جهة أخرى تمنيت أن أعطي الأولاد الإمكانيات والمساحات لإطلاق العنان لمشاعرهم بدل كبتها والعيش في متاهات صراعاتها.

في نهاية عام 1988 استطعنا الهروب والوصول بأمان إلى القسم الغربي.

كانت مسؤولية الاهتمام بالأطفال وتعليمهم وتربيتهم كبيرة، فاقت قدراتي وتصوراتي وأحلامي في الدراسة الجامعية، تكلفة التربية والرعاية الطبيعية للطفل في ألمانيا منذ ولادته وحتى إكماله الثامنة عشر من العمر عالية جداً.

كنت قادرة في كل لحظة أن أتخلى عن كل شيء، حتى عن الأمومة، من أجل سعادة أطفالي.

اتفقت مع أخي، ابن أمي وأبي، الأمير "حسن أدليرهورست"، على إعطائه وزوجته الدكتورة "هناء شابر" ولداي لتربيتهما والاعتناء بهما وتمويل دراستهما، في موسكو قام أخي وزوجته بتسجيلهما رسمياً ومنحهما الاسم العائلي:
"عفيف أدليرهورست" و"عفيفة أدليرهورست".
بعد ذلك أرسلاهما إلى مدرسة داخلية للأطفال اليهود في مدينة "باث" الإنكليزية.

طالما سألت نفسي عما إذا كنت أتصرف بالشكل الصحيح!؟ هل ما قمت بفعله هو الصواب؟ كنت على يقين واحد أن النتائج لن نحصدها إلا في وقت متأخر، وما زلت على يقين أن كل شخص، رجل كان أو امرأة، لا يستطيع فهم أو تفهم حالتي أو قراري هذا، هو شخص لا يستحق أن أمضي معه ولو دقائق قصيرة من عمري.

العزيز إبراهيم،
إبني اليوم هو أحد المالكين الكبار لسلسلة فنادق ومطاعم "عفيف"، أما إبنتي فهي أحد كبار المساهمين في مؤسسة "عفيفة" للتأمينات العامة في العالم.
ما رأيك بنجاحهما الكبير وهما في عمر الورود؟
ألا تتمنى لنفسك مثل هذا النجاح؟
**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت