الحرب التكنولوجية

الطاهر المعز
2022 / 12 / 15

الحرب الأمريكية على جبهة التكنولوجيا
اضطرت روسيا إلى إغلاق بعض مصانع السيارات عندما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حظراً على أشباه الموصلات والرقائق الدقيقة التي تحتاجها صناعة السيارات، كما تحتاج الصواريخ الروسية إلى رقائق ومعالجات دقيقة - وهي دوائر كهربائية متكاملة وصغيرة جدًا، تشكل وحدةَ مُعالَجَةِ المعلومات - تُرْشِدُ وتُصَحِّحُ مسارها، حتى تكون أكثر فاعلية، لِضَرْبِ أهداف مُحَدّدة في أوكرانيا،على سبيل المثال.
يُعَدُّ إنتاج المعالجات الدقيقة اليوم عملية صناعية معولمة، ولكن رغم العولمة، تُحافظ الولايات المتحدة على تصنيعها داخل أراضيها وفي مُسْتعمراتها أو في البُلْدان الواقعة تحت سيطرتها (يأتي ذكربعضها في فقرة لاحقة)، لتصنيع نماذج شرائح الذكاء الاصطناعي وبرامج الكمبيوتر وأتمتة التصميم ومعدات تصنيع أشباه الموصلات ومكونات المعدات، لتستمر هيمنة الولايات المتحدة على هذه التقنيات، ولتَتَمَكَّنَ من خَنْقِ القطاع التكنولوجي والصناعي الروسي والصيني، أو أي منافس أو خَصْم.
حققت الصين تقدمًا كبيرًا باستخدام التقنيات التي تمتلكها أو تسيطر عليها الولايات المتحدة، قبل أن تُعلن الإدارة الأمريكية، في الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 2022، حربًا تكنولوجية عالمية ضد الصين، وفرضت (بعد أيام قليلة من افتتاح المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني) قيودًا وضوابط على تصدير شرائح المعالجات الدقيقة، والآلات المستخدمة في حفر الدوائر على السيليكون وما إلى ذلك، وكان استيراد هذه المكونات خاضعًا للحصول على تصريح خاص لاستيرادها، وأوردت مجلة (New Left Review) معلومات مفصّلة بشأن الأهداف الكامنة وراء القرار.
إنها حرب للسيطرة على صناعة أشباه الموصلات والترانزستورات (جهاز أشباه الموصلات بثلاث وصلات قادرة على التضخيم والتصحيح) والرقائق الأساسية للتكنولوجيا والدوائر المتكاملة (الرقائق) الضرورية لتصنيع السيارات والهواتف والغسالات والتلفزيونات وأفران الميكروويف وكل ما تصنعه الصين التي تستهلك صناعاتها أكثر من 70% من منتجات أشباه الموصلات في العالم، ولكنها لا تنتج سوى تنتج 15% من أشباه الموصلات اللازمة للذكاء الاصطناعي أو أنظمة الأسلحة المتقدمة، ومن نقاط ضُعف الصين إنها تضطر لتوريدها، ولا شك أن الصين سوف تنجح في تصنيعها لكن الإجراءات الأمريكية تهدف إلى عرقلة وإبطاء التنمية الاقتصادية الصينية، كنموذج من أعمال الحرب الاقتصادية التي تُخلِّفُ عواقب جيوسياسية كبيرة، وفقًا لـ "فاينانشيال تايمز" بتاريخ 08/12/2022.
تتميز صناعة رقائق أشباه الموصلات بالهيكل الفريد للسوق وخصوصية سلسلة الإنتاج الخاصة بها التي تتميّز بتشَتُّتٍ جغرافيٍّ كبير، مع تركيز مالي شديد، حيث تعتمد ديناميكيات هذه الصناعة على التحسين المستمر للأداء والقدرة على إدارة الخوارزميات المعقدة بشكل متزايد مع تقليل استهلاك الطاقة، وزيادة عدد الترانزستورات اللازمة لتشغيل الدائرة المتكاملة، مع تقليل حجمها. إنها تقنية باهظة الثمن ومعقدة للغاية، وتتطلب تصنيع واستخدام اللّيزر وأجهزة بصرية دقيقة وحجارة الألماس النّقِيّة إلخ، ومن الضروري استثمار 20 مليار دولار لأنشاء وتسيير مصنع معالجات دقيقة (بالإضافة إلى اكتساب التكنولوجيا العالية) وهو ما يعادل المبلغ المطلوب لبناء حاملة طائرات، وتبلغ تكلفة أحدث طراز من طابعة الرقائق الدقيقة 300 مليون دولار، وسرعان ما يتم تجاوز تقنيات الرقائق الدقيقة بنماذج أكثر إحكاما وصغر حجمًا، الأمر الذي يتطلب استثمارات كبيرة وتجديدًا مستمرًا للمعدات والإجراءات التّقنية...
ما فَتِئَ الإستثمار يرتفع في الحوسبة الكمومية (quantum computing )، للسماح لشركات المكونات الإلكترونية بتصميم وتخطيط بُنية أشباه الموصلات، وعدم إنتاجها، وتسمى هذه العملية "fabless"، أي "بدون تصنيع"، ولكن لا يوجد سوى عدد قليل من الشركات الكبيرة التي يمكنها الاستثمار في هذا المجال مثل "Qualcomm" (تايوانية المَنْشَأ مع مصانع كبيرة في الصين) التي توظف أكثر من 45 ألف عامل وتُقدّر إيراداتها ب 35 مليار دولار، أو Nvidia التي توظف 22400 عامل بإيرادات قدرها 27 مليار دولار أو AMD التي تُشغّل 15 ألف موظف وتفوق إيراداتها 16 مليار دولار، فيما تحتكر شركة واحدة (ASM international) - ومقرها بهولندا- إنتاج الآلات التي "تطبع" هذه الرقائق الدقيقة المتقدمة، ويتم تنفيذ إنتاج الرقائق بواسطة عدد محدود من الشركات، كل منها متخصص في نوع معين من الرقائق، فتنتج شركة إنتل الأمريكية (التي لها مركز كبير في تل أبيب وسيتم نقله إلى الأراضي التي يُصادرها الإجتلال الصهيوني من فلسطينِيِّي النقب، جنوب فلسطين) تقريبا جميع المعالجات الحاسوبية الدقيقة، فيما استحوذت شركة ميكرون الأمريكية على الصناعة الإلكترونية اليابانية التي كانت في طليعة التقدم التقني في ثمانينيات القرن العشرين والتي دَمّرَتْها الولايات المتحدة عندما بدأت في زيادة حصتها في السوق الأمريكية.
يحتكر عملاقان إنتاجَ الأجهزةِ: شركة Samsung (كوريا الجنوبية) وشركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية (TSMC) التي توظف 51 ألف عامل، بإيرادات سنوية تتتجاوز 43 مليار دولار، وبأرباح تبلغ 16 مليار دولار (وهي نسبة عالية جدًّا من الأرباح)، وذلك بفضل إنتاج 90% من معظم إنتاج العالم، فيما توجد مصانع إنتاج الرقائق المتقدّمة في الولايات المتحدة وهولندا وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان وماليزيا، ولكن ليس في الصين. أما البنى التحتية التكنولوجية المطورة فتوجَدُ في ألمانيا أو بريطانيا العظمى أو دول أخرى عُضْو بحلف شمال الأطلسي أو حليفة للولايات المتحدة، مما يجعل العقوبات الأمريكية فعالة للغاية، لأن الولايات المتحدة تُريد مَنْعَ التقدم التكنولوجي الصيني الذي لم يتمكّن بَعْدُ ( ولا أي بلد في العالم منفردًا) من امتلاك الكفاءة التقنية أو الموارد لتطوير مثل هذه الأنظمة المعقدة التي تتطلّبُ كذلك مهندسين وباحثين وفنيين مدربين من ذوي الخبرات والكفاءة العالية.
توقعت الصين هذه "العقوبات" الأمريكية التي تخشاها، وحاولت الاستعداد لهذا الاحتمال فقامت بتجميع حجم هام من الرقائق واستثمار مبالغ كبيرة في تطوير الإنتاج التكنولوجي المحلي، وتنتج الشركة الصينية ( International Semiconductor Production Corporation (SIMC) اليوم رقائق أقل تطوراً من تلك الخاصة بشركات TSMC أو Samsung أو Intel، لأن الصين لا تستطيع الوصول إلى آلات عالية الجودة مقدمة من شركة ASML التي تحتكر صناعتها، ومنعتها الولايات المتحدة من تصديرها إلى الصّين.
تُؤَثِّرُ "العقوبات" الأمريكية ضد الصين وروسيا، على دول الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا التي طورت علاقاتها التجارية مع روسيا (استيراد الغاز الروسي) والصين، إذ قُدِّرَتْ قيمة التجارة بين ألمانيا والصين بنحو 264 مليار دولار سنويًا، وأعلنت الشركة المنتجة للمواد الكيميائية الألمانية BASG، في حزيران/يونيو 2022، عن استثمار عشرة مليارات دولارا في محطة طاقة جديدة في جنوب الصين، واستثمرت الصين 50 مليون دولار في محطة حاويات في ميناء هامبورغ ...
قد يُؤدِّي تَضَرُّر الإقتصاد وترَدّي نمط عيش المواطنين الأوروبيين، جراء تبعية حكوماتهم وتطبيق القرارات الأمريكية التي تَضُرُّ بمصالحهم، إلى حُدُوث انقسام بطي ومُحتَشَم في صفوف حلفاء الولايات المتحدة، وبسبب تزايد خسائر الإقتصاد الألماني والفرنسي، وشركات المحروقات الإيطالية (إيني) والفرنسية "توتال-إينرجي" وشركات السيارات الألمانية والفرنسية وغيرها...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت