ديانة التوحيد

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2022 / 12 / 14

كان محمد ابن عبد الله أُميًا، لكنه كان تاجرًا. ومن سفرياته عبر الأماكن والأقوام المتباعدة لابد أن عيناه وأذناه قد سجلت من المشاهد الحية ما قد تعجز عن تصويره أطنان الكتب. وهو لا يزال في ريعان الشباب، تزوج من سيدة تكبره في العمر ضعفًا، وفي الثراء والنفوذ أضعافًا مضاعفة. ثم أقدم في الخمسين على الزواج من بنت السادسة، ليدخل بها بعد أن تبلغ التاسعة. كسائر أبناء عصره، ما كانت يعوزه هيجان الغريزة. لكنه، كما يستدل من ترحاله وزواجه المنضبط الأول، برهن أنه كان أعظمهم جميعًا في الفطنة والبصيرة وضبط الغرائز والقدرة على الحلم. إن الشخص يحلم عادةً بما يفتقده بشدة. فماذا كان ينقص محمد لدرجة أن يحلم به، ويضحي من أجله بملذات أزهى سنين شبابه؟!

في ذلك الزمان، كانت شبه الجزيرة العربية تضم براً صحراويًا موفور المساحة لكن شحيح السكان، وساحل على النقيض يمتد شمالاً وجنوباً، حيث الكثافات السكانية والحضارات والعمران منذ آلاف السنين. في هذا البر الصحراوي الشاسع تقع مكة، أم القرى التي ولد بها محمد. وحيث لم تنشأ زراعة أو صناعة بالنسب المؤهلة لإعالة حضارة كنظيراتها إلى الشمال والجنوب، كان أمام مكة من أجل البقاء خيارين أساسيين: التجارة والغزو. كلما انتعشت التجارة وفاضت بمردود يكفي لتلبية احتياجات أهلها من أجل البقاء، لا يضطرون إلى تحمل كلفة الإغارة على الجيران. لكن، كلما اضطربت الحركة التجارية- وكثيراً ما فعلت لأسباب عديدة- وجدوا أنفسهم مضطرين لحمل السلاح وسرقة زادهم بدمائها. وقد نشأت الحياة ودارت عجلتها في مكة فوق هذين العمودين الرئيسيين: التجارة والغزو.

كان محمد تاجراً يجوب الجزيرة من شمالها إلى جنوبها، في رحلتي الشتاء والصيف، إياباً وذهاباً طوال مدة اشتغاله بالتجارة. ولابد أنه من مطالعاته وسط شعوب الساحل شمالاً وجنوباً قد عرف بفطنته الفطرية ومن تجاربه الحية ما الذي بالضبط كان ينقص شعبه البدوي في قلب الصحراء. هناك تعيش قبائل بدوية متشابهة يجمع بينها الشيء الكثير من خصائص هذه البيئة القاحلة الوعرة، لكن تعمها الفوضى وينقصها النظام الموحد. لقد أدى بها التفكك إلى أن يكون لكل قبيلة زعيمها الخاص، ومعتقدها الخاص، واقتصادها الخاص ومصالحها الخاصة، الأمر الذي أدى بدوره إلى دائرة سرمدية من التناحر والصراع والسلب والنهب المتبادل. كان أسلوب الحياة القبلي فوضى عارمة، خطر يهدد التجارة ويهدد الحياة ذاتها. ولأنه كان شاهد عيان على أساليب العيش والتنظيم المتحضرة في أبهى صورها شمالاً وجنوباً، فليس من الصعب استنتاج أن تتسرب إلى مخيلة مثل هذا الشاب الطموح أمنية استنساخ التجربة إلى وطنه الأم.

كان قلب الجزيرة البدوي مترعًا بالآلهة والمعتقدات والأديان وما كان بحاجة إلى دين جديد يُضاف إلى الأكثر من اللازم القائم. وما ادعى محمد نفسه أنهم آتيهم بدين جديد. كانت دعوته لهم هي أن يعودوا إلى ’ماضي‘ الأجداد- ماضي متخيل حيث كانوا متحدين تحت مظلة عبادة إله واحد أحد. حتى هذا الإله الموحد لم يكن جديداً عليهم، بل هو ذاته الإله الذي يعبدونه هم جميعاً لكن كل منهم بطريقته الخاصة. حتى لم يطلب تغيير العادات والتقاليد والطقوس والشعائر الدينية الأساسية القائمة. بل طلب فقط ’توحيدها‘. وفي عملية التوحيد، كانت هناك بالضرورة تسويات ومواءمات وحلول وسط تراعي توقعات جمهور الأغلبية. هكذا، على سبيل المثال، بقيت الكعبة والحجر الأسود والحج والطواف أساسيات مستمرة مع الاستغناء فقط عن فرعيات كانت تميز القبائل وتفرقها عن بعضها البعض. كما استمرت معظم العبادات من صلاة وصوم وتضحية وصدقة وخلافه كما كانت قائمة من قبل، لكن بعد دمجها وتوحيدها في صيغة موحدة لا يمكن لأي قبيلة بعينها أن تدعي ملكيتها لها. كل قبيلة ستجد شيئاً مألوفًا من دينها الخاص في الدين المشترك، لكن ما من قبيلة يمكنها أن تدعي أن هذا الدين الموحد هو نفسه دينها الخاص.

كان حلم محمد التوحيد- توحيد قبائل وطنه المتفرقة والمتناحرة. هذا على وجه التحديد ما كان ينقص وطنه، خاصة بالمقارنة مع شعوب السواحل المتحضرة شمالاً وجنوباً. هذه القبائل كانت تمارس من الأديان أضعاف ما هو سائد وسط تلك الشعوب المتحضرة، لكنها في الوقت ذاته لم تحظى بشيء من وحدتها وتنظيمها وعمرانها ورخائها وحضارتها. ومما لا شك فيه أنه لا يعيب الشخص أن يحلم لوطنه تقدماً رأته عيناه وسط شعوب أخرى. لكن، من جهة أخرى، هل ذلك يربو إلى حلم سياسي، أم ديني- أم كلاهما معاً؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت