غذاء -حاميها حراميها- أو خدعة -الثورة الخضراء-

الطاهر المعز
2022 / 12 / 11

بدأت الشركات العابرة للقارات، منذ سنة 1970 تقريبًا، تتحدث عن "الثورة الخضراء"، واستخدمت هذا "الشّعار النّبيل" للهيمنة على الزراعة في البلدان الغنية، ثم بدأت هذه الشركات منذ العام 2000، الاستيلاء على الأراضي الخصبة في البلدان الفقيرة، كما أنشأت بعض الشركات متعددة الجنسيات مؤسسات أو منظمات غير حكومية تساعدها (باسم العمل الإنساني) على تضخيم أرباحها، باسم العمل الخَيْرِي، على حساب الفلاحين ومواطني الدول الفقيرة، وفقًا لإحدى الدّراسات التي نشرها معهد أوكلاند، سنة 2020.
يُعتَبَرُ الملياردير الأمريكي بيل غيتس من المروجين الرئيسيين لـ "الثورة الخضراء" في إفريقيا، ومن المُعْلِنِين إنه لا يمكن حل مشاكل الغذاء والزراعة الأفريقية إلا من خلال الابتكارات التكنولوجية، ولا سيما الكائنات المعدلة وراثيًا والأسمدة الكيماوية، ما جعل العديد من أعضاء حركات الفلاحين المؤيدين للفلاحة العُضْوِيّة يخوضون حملات ضد هذا الحل الزائف الذي يجمع بين خصخصة الأرض والبذور والاعتماد على المبيدات والأسمدة الصناعية، وفق نص نُشر في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 من قبل تحالف الحركات الفلاحية والحركات المدنية الأفريقية وبعض المنظمات الدّولية، ما يُؤَكّد التناقض بين رؤيتين متعارضتين للزراعة: إحداهما تستهدف الربح من خلال استثمارات مالية هائلة والأخرى تهدف تحقيق السيادة الغذائية.
استخدم بيل غيتس ثروته الكبيرة لتأسيس "مؤسسة بيل وميليندا غيتس" سنة 2000 التي تعاظَمَ تأثيرها بسرعة في القطاع الزراعي بأفريقيا، ويدعي بيل غيتس أنه يريد زيادة الإنتاجية الزراعية وحل مشاكل الجوع، من خلال الاستثمار في استخدام التقنيات الجديدة والبذور والأسمدة الاصطناعية، ولذلك أطْلَقَ سنة 2006، مشروع "التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا" (AGRA)، ل"إحداث ثورة" في الزراعة الأفريقية وتحويل المزارع العائلية الصغيرة إلى "شركات مزدهرة "، بالشراكة مع مؤسسة روكفلر التي كانت قد نهبت آسيا وأمريكا الجنوبية، بنهاية الحرب الثانية، باسم "الثورة الخضراء"، وَوَظّفَت المؤسستان الأمريكيّتان أُمَناء ومُدِيرِين يأتون من عالم الإدارة المالية والأعمال، ولا يعرفون أي شيء عن الزراعة، وبداية من سنة 2006، تم تأسيس تحالف من "المانحين": مؤسسات غيتس وروكفلر وإيكيا والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USaid)، وحكومات بريطانيا وألمانيا وسويسرا، إلخ، وجميعها (مؤسسات وحكومات) "غربية"، وخلال الفترة بين 2006 و 2021 ، تَلَقَّى التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA ، الذي كان رئيسه الحالي "المبعوث الخاص" للأمين العام للأمم المتحدة لقمة الأمم المتحدة لنظم الغذاء لعام 2021) أكثر من 1,2 مليار دولار، جاء ثلثاها من مؤسسة بيل غيتس، وباقي الأموال من الشركات الزراعية متعددة الجنسيات مثل نستله وبعض أهم شركات الكيماويات الزراعية في العالم، بما في ذلك سينجينتا وباير، وهما شركتان رئيسيتان تنتجان أنواعًا سامة من المبيدات الحشرية، المحظورة في أوروبا، ولكنها تباع في دول ومناطق أخرى من العالم ، بما في ذلك أفريقيا. يضغط هذا التّحالف ( على غرار ما تفعله يو إس آيد - USaid )، لدفع البلدان الأفريقية، التي يعيش حوالي 70% من سكانها من الزراعة، إلى استخدام البذور المهجنة والمعدلة وراثيًا (GMO)، وهي عقيمة - وتفرض إعادة شراء البذور كل مَوْسِم- وإلى استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية، للقضاء نهائيا على البذور التي ينتجها المزارعون ويتبادلونها فيما بينهم، ويمكن "استنساخها وإعادة إنتاجها، والتي لا تزال تُمثّل (سنة 2021) من 80% إلى 90% من البذور المزروعة في إفريقيا.
تنظم مبادرة أغرا "منتدى الثورة الخضراء الأفريقية" السنوي لمدة ثلاثة أيام بمشاركة رؤساء الدول والوزراء وكبار رجال الأعمال والاتحاد الأفريقي والبنك العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) والشركات متعددة الجنسيات وشركة ماكينزي الأمريكية للإستشارات.
تمكّن مؤسسو وقادة AGRA من خداع المزارعين في أحد عشر بلدًا أفريقيًا، ودفعوهم لاستخدام البذور الاصطناعية والمبيدات الحشرية والأسمدة من أجل "مضاعفة الإنتاج والمحاصيل والإيرادات – الدّخل- في أقل من خمسة عشر عامًا ..." ووعدوا الحكومات بالحد من الجوع بنسبة تزيد عن 50%، لكن هذا المشروع لم يُؤَدِّ سوى إلى تطوير أسواق للأسمدة الصناعية والبذور الحاصلة على براءات اختراع وما إلى ذلك.
لا يزال "التحالف من أجل الثورة الخضراء بإفريقيا – AGRA " في صراع مع التحالف من أجل السيادة الغذائية في أفريقيا (AFSA) ومع المزارعين ومنظمات المجتمع المدني بخمسين دولة أفريقية، وأطلقت العديد من منظمات المزارعين والفلاحين، سنة 2021، حملة تدعو AGRA ومموليها إلى "التوقف عن فرض الكيماويات والزراعة الصناعية على المجتمعات والمزارعين الأفارقة ... لأن AGRA لم تهدف أبدًا تحسين وضع صغار الفلاحين، ولم تُحقّق وعودها في زيادة المحاصيل ودَخْل المُزارعين وتحقيق الأمن الغذائي من الإنتاج المحلي وخفض نسبة الجوع الخ، بل أدّى تنفيذ مشروع "أغْرَا" إلى إثراء شركات الأسمدة متعددة الجنسيات بأرباح قياسية بالتوازي مع زيادة الجوع في إفريقيا، وفقًا لدراسة نشرها معهد (Southern African Faith Communities’ Environment Institute (SAFCEI ) عضو تحالف ( ASFA ) في السابع من أيلول/سبتمبر 2022
أدّى تطبيق مشروع مؤسسة غيتس ومؤسسة روكفلّر إلى استنزاف صغار المزارعين (بتواطؤ من الحكومات المحلية) وخسارة مدخراتهم والإستدانة لتسديد السّعر المرتفع للبذور المُعدّلة وراثيا والأسمدة الكيماوية، والتي لا تنتج غالبًا عوائد كبيرة، وأدى تطبيق هذه المشاريع إلى اندثار العديد من المحاصيل المغذية والمقاومة للمناخ مثل الدخن والذرة الرفيعة والبطاطا الحلوة، كما تؤكد العديد من الدراسات الاستقصائية المنشورة بين 2020 وأوائل 2022 ، من قبل مراكز البحوث أو الجامعات ، أن AGRA لم تسفر إلا عن نتائج هزيلة من حيث مكاسب الإنتاجية، بل كانت لها عواقب سلبية على تنوع المحاصيل الذي انخفض، وأدّى الاستخدام المكثف للكيماويات الزراعية إلى تدهور التربة، وانخفض إنتاج المحاصيل المحلية والمغذية والقادرة على التكيف مع المناخ، فازداد انعدام الأمن الغذائي بنسبة 31% في البلدان المعنية، في حين أنفقت الحكومات الأفريقية مبالغ كبيرة لدعم شراء الأسمدة الكيماوية والبذور التجارية التي من المفترض أن تزيد المحاصيل والإنتاجية...
كانت الأهداف التجارية والجري وراء تعظيم الأرباح، متخَفِّيَة وراء "الأهداف الإنسانية " التي يعرضها الملياردير بيل غيتس، للهيمنة على القطاع الزراعي الأفريقي، ف"الزراعة هي أكبر عمل تجاري في إفريقيا، وبحلول عام 2030، ستمثل الزراعة والأغذية الزراعية ألف مليار دولار - أي تريليون دولارا- في إفريقيا"، وفقًا لبيان رئيس مصرف التنمية الأفريقي (AfDB)، في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 ، وهو فرع من البنك العالمي الذي يدعم الزراعة الصناعية.
ما انفكّت الجمعيات والمزارعون الأفارقة ( وفي مناطق أخرى من العالم) تُعلن أن البذور المقاومة للمناخ موجودة بالفعل، ويتم تطويرها من قبل المزارعين ويتم تداولها من خلال أسواق البذور غير الرسمية، ولم تُؤَدِّ مبادرة AGRA سوى إلى خصخصة الأرض والبذور والموارد والمحاصيل، وإلى هيمنة الاحتكارات، وإلى انتشار عدم المساواة، وصعوبة الحصول على الغذاء الصّحّي...
يُقَدّم المزارعون في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية حلولاً مُبتكرة من التجارب التاريخية ومن واقعهم، فالزراعة الإيكولوجية ( العضوية) هي أفضل بديل للبذور ومبيدات الآفات والأسمدة الصناعية، وتُمَكِّن من المحافظة على البية ومن تَجَنُّب إتلاف التربة وإفقارها أو تعريض صحة المزارعين والمستهلكين للخطر. يكمن الحل في الاعتماد على خبرة المزارعين وعلى الممارسات الزراعية التي تحترم البيئة والموارد الطبيعية، بتكلفة ومدخلات منخفضة، لأن الزراعة يجب أن تلبي الاحتياجات الغذائية للمستهلكين والأسواق المحلية، وإنتاج محاصيل غذائية متنوعة تتكيف مع التضاريس، مع ضمان سبل عيش لائقة للمزارعين، وتعتمد الزراعة الإيكولوجية على شبكة من المنتجين والمستهلكين و القادة المنتخبين المحليين والمنظمات غير الحكومية ( المجتمع الأهلي) ومؤسسات البحث المحلية والدولية لدعم وتدريب المزارعين وتعزيز خبراتهم وإنتاجاتهم، فالزراعة الإيكولوجية تُمثل مستقبل القطاع الفلاحي، وفقًا لمقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في الغذاء ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت