الفكر - الكهنوتى - وذكرى ال 74 للميثاق العالمى لحقوق الانسان

منى نوال حلمى
2022 / 12 / 10

الفكر " الكهنوتى " والميثاق العالمى لحقوق الانسان
----------------------------------------------------------

بالطبع من أجل كأس العالم ، سينسى العالم الاحتفال اللائق بيوم 10 ديسمبر ، الذى يوافق هذا العام الذكرى ال74 لاصدار واعتماد الميثاق العالم لحقوق الانسان 1948 .
ترجع أهمية هذا الميثاق أنه يترجم خير وأبدع مشاركات العقول العالمية فى مجالات القانون والثقافة والأديان ، وأنه يضع منهاجا عالميا لحماية حقوق الكرامة والحرية والسلام والترفيه والخصوصية والتعبير عن الرأى وغيرها للأفراد فى جميع البلاد ، ولكل الشعوب .
كانت اليانور روزفلت 11 أكتوبر 1874 - 7 نوفمبر 1962 ، هى رئيسة اللجنة العالمية لصياغة ميثاق حقوق الانسان ، والذى تضمن 30 مادة للحرية والكرامة الانسانية . ويرجع الفضل الى هانسا ميهتا - الهند - 3 يوليو 1897 - 4 أبريل 1995 ، فى تغيير الفقرة التى تقول : " وُلد جميع الرجال أحرارا " .. الى " وُلد جميع البشر أحرارا " ، حتى يتخلص الميثاق العالمى لحقوق الانسان ، من اللغة الذكورية ، التى تقهر النساء - نصف العالم - حتى فى اللغة المصاغ بها . وهذا فخر كبير ، وشرف ، لامرأة هندية ، لا تُذكر كثيرا . ان اليانور روزفلت ، باعتبارها كانت السيدة الأولى للولايات المتحدة الأميركية ، من عام 1933حتى عام 1945 ، كان لابد أن تحظى بمزيد من الاهتمام وتسليط الضوء عليها ، أكثر من أى عضو أو عضوة أخرى ، فى هذا الحدث التاريخى العالمى الهام ،
ورغم كل الأهداف النبيلة ، التى تتضمنها ال 30مادة فى هذا الميثاق ، الا أن هناك بعض الدول التى امتنعت عن التصويت عليه ، مثل السعودية ، واتحاد جنوب أفريقيا ، وأوكرانيا .
بعد 74 عاما من اعتماد الميثاق العالمى لحقوق الانسان ، لا يمكننا بأى حال من الأحوال ، أن نشعر بالرضا الكامل ، أو نزعم أن ال 30 مادة من الميثاق ، مفعلة فى جميع دول العالم ، بشكل ناجز ، عاجل ، أو أن الميثاق قد أنهى مهمته على أكمل وجه ، رغم أنه تُرجم الى أكثر من 500 لغة .
لكننا نقول أنه أيقظ العقول والنفوس ، وأرسى وعيا جديدا ، وتكلم عن ضرورات انسانية كحد أدنى على العالم تحقيقها والالتزام بها ، وكان مرجعا يهدد الانتهاكات قبل أن تقع ، وكان الهاما للبشر نساء ورجالا ، أفرادا وجماعات ، وهم يتخيلون عالما أعدل وأجمل وأكثر سلاما وأمنا ونبلا .
وليست صدفة أن ضمن منْ شارك فى وضع هذا الميثاق ، اناس من خلفيات ثقافية مرموقة عالمية . كان يمكن للميثاق باعتباره الزاما يشبه أو هو بالفعل " قانون عالمى " ، أن يكتفى بخبرات فى مجال القانون . ولكن استضاف نساء ورجالا ، فى مجال الثقافة والأديان أيضا ، بالدرجة نفسها من الأهمية ، والأولوية .
وهذا فى رأيى له دلالات هامة . أولا ، أن حقوق الانسان متشابكة الأبعاد ، متداخلة المجالات ، ولا يمكن فصلها ، أو التركيز على واحدة دون الأخرى . ثانيا ، أن القانون ، والثقافة والدين ، وهم الثلاثة قضايا التى اهتم بها الميثاق ، هى التى تصنع فى النهاية كل شئ فى حياة المجتمع . كل شئ ثقافة . والثقافة ترجع فى جزء كبير منها ، الى الموروثات الدينية .
ثم يأتى دور القانون ، فى الفصل بين الثقافة والدين ، وضمان ألا يتعديان أو ينتهكان على حقوق الانسان ، مهما بلغت قوتهما أو سطوتهما .
القضايا الثقافية ، والقضايا الدينية ، دائما وابدا ، " ضفيرة " واحدة ، وفى بعض الأحيان وهى ليست قليلة ، لا نستطيع معرفة من منهما الخصلة الأولى فى الضفيرة ، الا باعادة قراءة التاريخ ، وايجاد رابط بين أشياء يقال أنها غير مرتبطة ، وباعادة تشغيل العقل ، وتأمل تجارب البشر فى أماكن مختلفة الأزمنة .
من هذا المنطلق ، سأتكلم عن الفكر " الكهنوتى " الذى أصبحنا نعانى منه بشدة فى بلادنا .
الفكر الكهنوتى ، كما أعتقد ، ليس فى الأديان ، مثلما يظن الكثيرون . انه " ثقافة " فى المقام الأول ، وتتخذ فى أوقات معينة ، أشكالا وصورا ، لها الجذر نفسه وأقصد به " الوصاية " على البشر .. الوصاية التى جرمها الميثاق العالمى لحقوق الانسان بكل وضوح ، ويقظة ، وعدم تهاون .
فى وقتنا المعاصر ، مثلما نعاني من الإرهاب تحت ستار، «الديـن» توجد ظاهرة أخـرى موازية هي الإرهاب تحت ستار «الثقافة». مثلما هناك جماعـات تـقـوم بتكفير البعض، والمطالبة بإهدار دمه، وتصفيته جسديا باسم الدين . هناك «شلل» تقوم بتكفير البعض فكريا، وإهدار دمـه إعلاميا، وتصفيته أدبيا باسم الثقافة.
مثلما هناك جماعات تدعى امتلاك الحقيقة الدينية، نجد جماعـات تدعى امتلاك الحقيقة الثقافية.
الأولى : تزعم أحتكار تفسير الدين، والحكم على المؤمنين والمؤمنات.
والثانية : تحتكر تفسير الثقافة والفن والأدب والحكم على المفكرين والمفكرات.
امتلأت حياتنا الثقافيـة بـ «الكهنة» أغلبهم من الذكور، الذيـن يسترزقون لقمة العيش من " التفقه" في تصنيف الأدباء والأديبات، ونقد المبدعـين والمبدعات. ولديهم قائمة اغتيالات معنوية، لكل منْ لا يؤدى طقوس الطاعة والولاء، ولكل منْ يتعفف عن تقديم القرابين.
ولديهم أيضا، قائمة اتهامات جاهزة للانقضاض على كل أديب، أوأديبة، مبدع أو مبدعة، أثبت وجوده من خارج عباءتهم، وليس في حاجة إلى رضاهم وبركتهم وشفاعتهم.
والكارثة أن هؤلاء «الكهنة» الذين نصبوا أنفسهم «آلهـة» الثقافة والفكر والإبداع والنقد ، يعرفون الطريق أكثر من غيرهم إلى وسائل الإعـلام، خاصة المرئية ، ووسائل التواصل الاجتماعى . وبالتالي هم ينجحون في اختراق الرأي العام ، وإفساد الذوق الثقافي.
إن كهنة «الأديان» يحشون أدمغة الناس بما ينسجم مع تفسيراتهم الشخصية للدين، ومصالحهم السياسية الخاصة ، وأمزجتهم وأسلوب تربيتهم ، وعلاقتهم بالمرأة والفن. وكهنـة «الثقافة» يحشون أدمغة الناس ، بمنْ يدعم رؤيتهم الخاصة للثقافة والإبداع .
وكما يقف أصحاب الإرهاب الديني طبقة عازلة بين الناس وجوهرالدين الحقيقي، الذى يشترك مع كل الأفكار الوضعية العادلة ، يحجب أصحاب الإرهاب الثقافي عـن النـاس بـجـدار سميـك معنى الثقافة الحقيقية وجوهر الإبداع الأصيل.
إن كهنة «الثقافة» وكهنة «الأديان» يدعمان بعضهما البعض. وهما ظاهرتان يفرزهما مناخ واحـد وترسخهما منظومة واحدة ، أو لنقل إنهما وجهان لعملة واحدة، وإن كنا نرى أن كهنة «الثقافة» هـم الأكثر خطورة . فاستمرار الإرهاب الديني ، مرهون بسيادة الفكر الواحـد والتعصب لرؤى فكرية محددة تفرض حصارها وسيطرتها . وهذا بالتحديد ما يرسخه كهنة «الثقافة» . هم يزرعـون بـذور «التعصب» الفكـرى ، و«التزمت» الإبداعي، كأسلوب حياة ونمط للتفكير.
حركة الحياة، وإن أصابها بعض التراجع، هي دائمـا نحو الارتقاء، ولذلك فإن أصحاب المؤسسات «الكهنوتية» وأنصار الفكر «الكهنوتي» في الدين والثقافة على حد سواء، هم إلى زوال.
حركة الحياة ، وان انتكست أو تكاسلت ، فهى كالشلالات لا أحد يوقفها ، أو يفسد تدفقها .
حقيقة بديهية تاريخية ، تؤكد أن الميثاق العالمى لحقوق الانسان ، سوف يجد المزيد من التقدم ، والتفعيل ، والازدهار .
--------------------------------------------------------------------

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا