قطار آخن 36

علي دريوسي
2022 / 12 / 9

عليك أن تعرف أنني لا أكره والديّ، أدركُ أنّ كل ما فعلاه، فعلاه بكامل وعيهما بهدف أن يفعلا الشيء الصحيح كما يتمنيان، كما يتمنى ويرغب كل الآباء والأمهات، إلا أنّ ما يفعله هؤلاء ليس صحيحاً في كل الأحيان، أنا الآن أم، هل تعلم أنني أم؟ نعم أنا أم وأستطيع القول بأنّ الإنسان وللأسف غير قادر على معرفة ذلك إلا في وقت متأخر نسبياً، إنّه أيضاً ببساطة زمن مختلف، إنّه وقت آخر، المهم أنني اليوم تصالحت مع ذاتي، وما حدث قد حدث وصار ينتمي إلى الماضي.

كنا في وقت ما نعيش في ظل علاقة تؤطرها الثقة المتبادلة بيننا، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال، الآن يجب ألا تُستغل هذه الثقة بأي شكل من الأشكال، كل إنسان منا يحتاج في حياته ببساطة إلى شخص يمكن الوثوق به، ويجب ألا يُساء استخدام هذا الولاء.

لم تكن طفولتي لطيفة على وجه اليقين، والسبب لا يكمن في فقداني لشيء ما، كان والديّ قد قرّرا أن يتربَّى أطفالهم بطريقة أفضل مما تربّيا هما عليها، من أجل هذا فعلا كل ما بوسعهما فعله، وفرا النقود حيث استطاعا إلى ذلك سبيلاً، كنت أرتدي غالباً ملابس ابنة عمي التي تكبرني سناً ولم أتذمر يوماً، كان أبي موظفاً حكومياً يعمل في بلدية المدينة يومياً من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الخامسة بعد الظهر، كانت أمي ممرضة، تعمل دائماً في الوردية الليلية من الساعة العاشرة مساءً وحتى السادسة صباحاً.

هل تعلم الآن ما الذي دفعني لاختيار زَيّ الممرضة في احتفالنا بعيد ميلاد هنيلوري؟

في الوقت الفاصل بين نهاية عمل أبي وبداية عمل أمي كان والديّ يديران مطعمهما الصغير، وبهذا كان كل شيء في البيت مُنَظَّماً قدر الإمكان، ففي كل ساعة هناك أحد الوالدين في البيت لإدارة أموره، لكن لم يكن لديهما وقتاً لأطفالهم، كان أهلي أهل غِرْبان، كان وقتهما مُكَرَّساً فقط للعمل، كان الشيء الوحيد المهم بالنسبة لهما هو جمع أكبر قدر من المال.

المال والجنس، إثنان لا ثالث لهما، حولهما ولأجلهما تدور طَاحُونَة الحياة في ألمانيا، هكذا نحن وهذا هو مجتمعنا الألماني.

لم يقومان بتربيتنا، كان علينا فقط أن نتحرك بطريقة ميكانيكية، لم تهتم والدتي إلّا بالصورة التي يمكن أن تُؤخذ عنا ظاهرياً في المجتمع، أما على الصعيد الداخلي فقد كان كل شيء فارغاً، كانت بحاجة لنجاحنا كي تلوي بنا عنق المجتمع، لُتظهر للناس من خلالنا أنّ كل شيء على خير ما يرام، لكن الأمر لم يكن هكذا أبداً.

كنت في الطفولة معزولة، كانت الإقامة الجبرية في البيت هي أسلوب التربية الطبيعي الذي مارسته أمي معي، كانت مدرسة الباليه هي مكان هروبي الوحيد، هناك استطعت إظهار إمكانياتي الكامنة، استطعت أنْ أطوّر نفسي وأنْ أزدهر قليلاً.

كانت عقوبات أهلي لنا متنوعة ولئيمة، طبعاً بهدف التربية والتوعية كما يبرّران، كان والدي يضربنا بانتظام لأسباب تافهة، يضربنا بيده، بخافق السجاد، بحزامه، بخرطوم المياه، يضربنا بكل ما تقع عليه يده، كان يهددنا أحياناً بكي أسفل أقدامنا بسفافيد شوي اللحم بعد أن يكون قد حمّاها على صوبا الحطب، وأحياناً أخرى كان يترجم تهديداته إلى أفعال.

كلما أهاننا أبي غطّت أمي قذاراته، كان أبي بطريركيا بامتياز، لم يكن يهتم إلا بسلطته، ليس لزوجته وأطفاله حق القول، وأنا لم أكن أحلم إلا بحبه، لم أكن أتوق إلا لاعترافه بي، داخلياً كنت مكسورة الخاطر كئيبة وبشكل مستمر ضعيفة، وهكذا ترعرعت مع أًخوين رائعين في عائلة كاملة التعصب والنفاق الاجتماعي، لكننا ظاهرياً كنا نمثل النمط السعيد للعائلة الألمانية من الطبقة المتوسطة.

حين تغتصبكَ سلطة الأهل تنسى من شدة الخوف أنّك من الثدييات الرئيسة عالية التطور، تظن نفسك أنّك من فصيلة الزواحف السلوية، في النهاية هم أهلي وأنا أحببتهما بجنون.
**

لكي يرتاح أهلي من أخي "نوربيرت" وضعاه في مدرسة داخلية، العنف الجسدي البربريّ الذي تربَّى ورُبّيَ عليه لم ينفع معه، في المدرسة الداخلية تحسَّر على مجافاة والديه، جافاه النوم في الليل ولا عجب في ذلك، "إذا قمت بتغيير وسادتك المُعْتَادة يصعب عليك النوم"، كما يقول المثل الياباني، صار يأتي أحياناً لزيارتنا فقط في الأعطال الرسمية، هذا كان وضع أخي، أخي سندي، الذي أفتخر به، أخي الذي ستلتقيه في لندن ولن تنساه أبداً أبداً.

أظنك يا إبراهيم نبيهاً بما فيه الكفاية كي تعلم أنّ نتائج التربية في الطفولة تنعكس حتى على ممارسة العادة السرية وعلى الحياة الجنسية بشكلٍ عام، وأعتقد أنّك قد توافقني الرأي بأنّ الكثير من المبدعين في مجالات متنوعة لم ينتموا إلى أسر فقيرة أو أسر أُسيءَ للتربية والطفولة فيها.

أما أنا فقد كان وضعي أفضل من وضع أخي "نوربيرت" بقليل، لقد عاملني والديّ مثل كلب عديم القيمة، لا أكثرَ ولا أقل، أليس مستهجناً أن يكون أقرب الناس إلينا أقدرهم على إذلالنا وإهانتنا، مع مرور الزمن يعتاد الإنسان على العنف والإهانة، لقد تعلمتُ بسرعة كيف أتمتع بحياتي وأعيش مقتنعة، تعلمتُ أن أشعر أنني بحالة جيدة جداً، ولأجل ذلك كان عليّ فقط أن أتبع القاعدة التي تقول: "أنت كلب أو قِطّ قميء وعليك أن تفعل ما يقوله لك سيدك ومربيك".

أن تكون كلباً خير لك من أن تُضيِّع وقتك في جدال لا فائدة تُرجى منه، الحياة أقصر مما نتخيَّلَ، لا يمكن للحمار أن يصير حصاناً ولا القط الأرقَط نمراً.

لم يكن عمري قد تجاوز السابعة حين سألت أمي عن وضع بطنها الذي تكوَّر فجأة، أخبرتني أنها ستنجب لنا مولوداً جديداً بعد حوالي ثلاثة أشهر، فرحت لقدوم أخي "رالف" رغم ملامح وجهه الغريبة، كان وجهه مستديراً كقرص، ذقنه صغيرة جداً، لسانه بارز خارج فمه وفي عينيه ميلان عرضي واضح، فيما بعد فهمت أنه مصاب بمتلازمة داون.

كنت في الحادية عشر من عمري حين علمت أن أمي ستموت قريباً، كانت تلك اللحظة من أقسى اللحظات في حياتي، يومها تخرّب العالم الذي كنت أعيش به، والأسوأ من مشاعري التي عشتها كانت حالة أبي ومشاعره، لم يستطع التخلّص من حالة ألمه وحزنه الشديدين، صار يشرب كثيراً، لم يعد يرغب في العيش، فيما مضى كان أبي بالنسبة لي رجلاً حقيقياً رغم قساوته وإهاناته، يعرف دائماً كيف يجد حلولاً للمشاكل التي تعترض طريقه، لم تتعبه الأزمات يوماً، كان قادراً على فعل أي شيء بطريقة ما.

على أي حال، كان عليّ فجأة مهمة رعاية هؤلاء الناس والاهتمام بأمورهم، وأقسم لك أنها لم تكن مهمةً سهلةً أبداً.

ما الذي قلته لك؟ اهتمام بالآخر!؟ شيء غير مفهوم، شيء يدعو للضحك الهستيري، فاقد الشيء لا يعطيه، لم يهتم أحد بي ذات يوم، بل لم ينتبه أحد لوجودي، فأنا لم أكن في المحصلة أكثر من كلب، لم يعلّمني أي شخص في وقت مضى أن أرعى شخصاً ما أو أهتم بشيء ما، فكيف لي أن أعتني بهم، أقصد أبي وأمي وأخي المعاق؟

في ذلك الوقت تحديداً، بدأ الجحيم بالنسبة لي، لكن بطبيعة الحال ورغم كل الأوجاع توجّب علينا احترام المظاهر الخارجية، كنت الكلب الغبي الذي عليه أن يصمت، كان عليّ أن أتحمل مسؤولية كل شيء في المنزل، نعم كل شيء، المدرسة والأهل والمرض والإدارة المالية واتخاذ القرارات الأسروية، إنّه لأمر كبير وثقيل في وقت مبكر للغاية بالنسبة لبنت في الحادية عشر من عمرها!

هل تشعر بالغثيان؟ أم ما زلت مهتماً بمتابعة بقية الحكاية؟ إذا فقدت الرغبة في القراءة يمكنك ببساطة أن تفعل ما تشاء، في كل الحالات أنا لن أعلم بالقرار الذي ستتخذه!
**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت