قطار آخن 33

علي دريوسي
2022 / 11 / 30

ـ اِدخل إلى الحمّام ريثما أعد لك سرير نومك، ستجد كل ما تحتاج إليه.

أطرق رأسه إلى الأرض خجلاً، مشى إلى غرفة الحمّام وهو يدندن بصوتٍ غير مسموع أغنية مصرية للمطرب الكبير "عبد الحليم حافظ":
"لو أني أعرف أن البحر عميق جداً ما أبحرت".
دخل غرفة نوم، اِستلقى على السرير، بالكاد استطاع فتح أَجْفانه الثقيلة، هطل في نوم عميق.
قامت المرأتان بتعصيب عينيه بقطعة قماش سوداء، ربطتا يديه وساقيه بحبالٍ قماشية إلى قوائم السرير.

ـ ما الذي تفعلانه معي بحق الله؟ هل وزعتما الكاميرات في الزوايا المناسبة؟
ـ أغمض عينيك ودع الحياة تدب في جسدك المرهق، دع نفسك تتغنَّج.
ـ اِفعلا ما شئتما بي لكن لا تقسيا عليّ فأنا مُتعب، سعيد وحزين أنا في الوقت ذاته، لم يعد يعنيني أي شيء، حريق وبئر عميق.

عندما استيقظ إبراهيم في صباح اليوم التالي، لم يكن مُوثَق اليدين أو الرجلين ولا أثر لعِصَابة سوداء على عينيه، نظر إلى المُنَبِّه على الطاولة الصغيرة بجوار السرير، الساعة السابعة والنصف صباحاً، كان قد مضى على نومه عشرين ساعة بالتمام والكمال، ضحك بنقاء ملء شِدْقَيْه، نهض، سحب البرداية، تناول منديلاً ورقياً، جفَّف به إطار النافذة الزجاجية المُتعرِّق، فتح النافذة، فتح الأباجور، كان الطقس صافياً، شعر بجوع خفيف، أشعل سيجارة غارغويل، مجّها بولعٍ كنبتةٍ تمُجُّ النَّدى، كنَّحلة تمُجُّ العسل، بلع ريقه، سمع موسيقى بطنه الخاوية، ضحك بعذوبة وهو يستذكر لحظات الفرح والخوف التي عاشها في أحلامه.
**

خرج من الغرفة إلى دورة المياه، رجع بعد قضى حاجاته، رائحة القهوة تعبق في أرجاء البيت قادمة من المطبخ.

ـ صباح الخير، هل نمتَ جيداً؟ القهوة وأنا بانتظارك.
ـ صباح الخير، نمت نومة أهل الكهف.
ـ هل حلمتَ جيداً؟
ـ ما حاجتي للأحلام، أعيش معكما أياماً ولا في الأحلام، أين هنيلوري؟ أما زالت نائمة؟
ـ لا أعتقد، سمعتها منذ قليل تتهاتف مع أمها باللغة الروسية.
ـ أنا جائع، ألديك ما يؤكل؟
ـ بالتأكيد، سأعد شيئاً للفطور، لكن الخبز منذ ما قبل البارحة، هل يزعجك الأمر؟ هل تساعدني؟
ـ الخبز القديم ليس قاسياً، غياب الخبز هو الأمر القاسي.
عندما جلسوا إلى مائدة الفطور كانت قد جاءت هنيلوري.
ـ صباح الخير معاً.
ـ صباح الخير هنيلوري.

أمسك إبراهيم شريحة خبز مُسَخّنة، مسح سطحها بقليل من الزبدة الهولندية، فرش فوقها طبقة من مربى الفراولة، عضّ عليها باشتهاء ثم حسا حسوة من فنجان قهوته.
عندما يجلس الشرقيّ إلى مائدة طعام على كرسي حول طاولة دائرية أو مربعة غالباً، أو على الأرض فيما يشبه المربع أو الدائرة غالباً، في كلتي الحالتين يجلس وكأنّه كيس من خيش يعبَّأ فيه الحبُّ، حبّ زيتون، عدس، برغل، فاصولياء أو ما شابه، وإذا امتلأ خُيّطَ أو أُخِذ للمعصرة.

**

ـ ماهي مخططاتكما؟ سألت هينلوري.
ـ لديّ ما يجب إنجازه في المدينة، بعدها سأسافر إلى مكتبي في آخن، هناك مواعيد لا أستطيع تأجيلها، وأنتِ؟
ـ يجب أن أسافر اليوم إلى برلين، سألتقي هناك بأمي، لقد وصلت البارحة قادمة من موسكو، سنزور معاً في الغد "مقبرة اليهود" في حي "فايسين-سي"، سنزور أيضاً مشروع النصب التذكاري للمحرقة النازية في وسط المدينة، على بعد مئات الأمتار من بوابة "براندنبرغ"، سأمضي معها بعض الوقت حتى الخميس، سأكون هنا يوم الجمعة.
ـ لكن أعمال بناء النصب التذكاري ـ كما تسميه ـ ما زالت في الطور الأول، لم ينته أكثر من ربعها بعد، قرأت أن التدشين الرسمي سيحدث في بدايات عام 2005، ما زال لديكما أكثر من سنتين قبل التدشين المُقدّس. قال إبراهيم منفعلاً.
ـ معلوماتك صحيحة، لكن أمي تمتلك بطاقة دخول مفتوحة في أي وقت.
ـ من أين تأتي أهمية هذا النصب؟
- إنه توثيق فني لستة ملايين يَهوديّ أوروبي قُتلوا على يد النظام الألماني النازي، إنه اعتراف واع من ألمانيا اليوم لأكبر وأبشع الجرائم التى ارتكبتها النازية، إنه التكريم لضحايا النازية، إنه انتصار للشعب اليَهوديّ العظيم.
ـ ما الذي يجعل والدتك تحوز على بطاقة الدخول الدائمة، ألمجرد أنّها يَهوديّة؟ أم هي عضو في المجلس المركزي لليهود الألمان؟
ـ أعتقد لا هذا ولا ذاك يا إبراهيم، أمي هي إنسانة رائعة وصديقة شخصية للمهندس المعماري الأمريكي "بيتر أيزنمان".
ـ "أيزنمان" رجل عبقري، من رواد العمارة التفكيكية، تصاميمه معقّدة، لا يُمكن فهمها من عامة الناس دون القراءة عنها قبل زيارة أماكن عرضها.
ـ لا تبالغي كثيراً.
ـ لا أبالغ، هذه حقيقة.
- هل تعرفين المعمارية البريطانية العراقية "زها حديد"؟
ـ لا، لا أعرفها، لا تعنيني، لم أسمع باسمها سابقاً.
ـ ألأنها ليست يَهوديّة مثل السيد "أيزنمان"؟
ـ لقد اِنْحَطَّ مستوى الحديث، أشعر بعدوانية كلماتك، من فضلك دعنا نتوقف عن هذه المُهَاتَرَة.
ـ عذراً، لم أقصد السخرية، وحده الفضول ما يدفعني للسؤال، لكني أطرحه أحياناً بطريقة جافة، لعل السبب يكمن في عدم إجادتي لمُنَمْنَمات اللغة.

ما الذي تعرفه عن اليهود؟ عن إسرائيل؟ عن شعبها؟ هل زرت بلدهم سابقاً؟ هل لك أصدقاء إسرائيليين؟ هل تتكلم لغتهم؟ هل قرأت أدبهم؟ هل تعرف كلمات نشيدهم الوطني؟ أنت تعيش في الغرب، إذاً أنت تعترف بشكل بَديهيّ وقانونيّ بحق إسرائيل في الوجود، دولة وشعب، وكذلك تعترف بحق فلسطين في الوجود، دولة وشعب، إذاً أنت من أنصار التعايش السلمي والإيجابي بين دولتين متجاورتين، إذاً أنت مع التداخل الثقافي والحضاري بين الشعبين حتى لو لم تعِ لذلك.

إذا كانت دولة إسرائيل غير ديموقراطية ومُعادية لشريحة بشرية في الشرق العربي قد تُعادل حوالي ستين بالمئة أو أكثر، فإنه ينبغي أيضاً على الشرقيّ المقيم في الغرب والمنتمي لهذه الشريحة مُعاداة دولة وشعب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والنمسا وغيرها من بلدان، وعدم التعاطي معهم وعدم العيش على أراضيهم والعمل في مؤسساتهم وحقولهم، لأن هذه الدول في الحقيقة أصدقاء حتى العظم مع الدولة الإسرائيلية ومع شعبها اليَهوديّ الخلّاق بنظرهم، ولأن معظم سكان هذه البلدان مُؤمن بالبنية السياسية الديموقراطية لدولة إسرائيل، لا يجوز أن يكون الصديق السياسي والإنساني لعدوك هو صديقك، ينبغي على الشرقي أن يفكر باتخاذ القرار المناسب كي يهدأ باله، أو ينبغي عليه الاهتمام بالوضع الداخلي لبلده والتوقف تكتيكياً عن الترويج لفكرة العدو، الكيان الصهيوني ومن ورائه الماسونية العالمية، العدو الذي لا يمكن الانتصار عليه إلا عن طريق العلم وتفكيك الأنظمة الاِستبدادية وبناء دول سياسية ديموقراطية وطنية في بلدان الشرق العربي المجاور لإسرائيل.
**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت