حديث الجبل والغابة 6

عذري مازغ
2022 / 11 / 25

في اليوم التالي، استيقظ عمر على صياح والدته وهي تنبهه بأن الظهيرة قد حلت، وقد أقترب ميحان مقدم الضيوف مما يتطلب أن يتركها لتجهيز البيت لاستقبالهم. تناول وجبة فطور صغيرة، ثم خرج يسأل عمن يرعى البقر، فعلم بأن ابن أخيه الصغير قد خرج يرعاها بمنطقة "أبراو إيزم". توجّه إلى تلك البقعة التي يحتفظ لها بذكريات طفولية عزيزة. كانت تلك المنطقة - التي تسمى عرين الأسد - تحيط بها غابة كثيفة. وهي عبارة عن حقل على شكل حصن فيه الكثير من الأحجار الجيرية. ويبدوا أنها كانت في العصور القديمة أشبه بالبحيرة، أو مبزلاً لمياه عين البلدة التي يستقي منها السكان و النابعة من جوف هذا العرين. في طريقه الى عرين الأسد ، تذكر عمر جارهم "علّا" الذي كان يقيم خيمته على الطريق بين البلدة والعرين. وكان له كلب خطير اسمه "بوزكزة" يمنع المرور. وقد توجب على أهل القرية المناداة على أهل الخيمة طلباً للمرور الآمن بالسؤال عما إذا كان الكلب طليقاً أم هو في رباطه. كان بوزكزة كلباً غداراً يتسلل من الخلف ليهاجم الناس وهم في غفلة منه. وكثيراً ما نهش عمراً في ساقه. وعندما بدأ عمر تعليمه بالمدينة، فقد تعلم بعض الفنون القتالية. وقتها، كانت شرائط "بروس لي" قد انتشرت، فراح بعض الشباب المراهق يقلد الكثير من حركاته، مما أذكى النزالات بينهم في أحياء المدينة. عندها تعلم عمر تقنية استعمال عصا "نونشاكو"، وهو ما أغراه بتجربتها على كلب الجار "علّا" أثناء زيارة للقرية في إحدى عطله. ولقد أتيحت له الفرصة يوماً عندما راح الكلب يتربص به من الخلف. انتظر عمر لحظة هجوم الكلب عليه ليباغته باستدارة مع ضربة فنية من عصاه طوّحت به أرضاً. ومن يومها صار الكلب يهابه، بل وأصبح هو الذي يخاف من عمر. ولما سأله في حينها أصدقاء الطفولة من الرعاة عن سر ذلك ، لم يخبرهم بالحقيقة. قال لهم بأنه ساحر مكين، يقرأ آية قرآنية من شأنها أن تجعل الكلاب تهرب منه. وحدث أن لقّن أحد أصدقاءه الصغار تلاوة آية قرآنية بذاتها وهو يقول له : "عندما يأتي الكلب، ردد هذه الآية ثلاث مرات فسينسحب من تلقاء نفسه". ذات يوم، نادته أخته لتناول سلة الغذاء، فترك ذلك الصبي لوحده وعاد للدار . توجه الصبي نحو الكلب "الواعر"، مصدِّقاً بان الآية الكريمة ستبعد عنه الكلب. ولكن الذي حصل هو أن الكلب كاد أن يفترسه لولا ألطاف أهل خيمة "علّا". ولما عاد أخبر الصبي عمراً بأن سحره غير فعال؛ فتعذر عمر إليه بكونه لم ينطق الكلام القرآني بشكل جيد.
ضحك عمر عندما تذكر تلك الحادثة. كانت الدراسة في الطفولة نوعاً من الشيطنة التي تجعلهم بها أكثر تطوراً وتقدما من هؤلاء الرعاة الرائعين.. حتى كبار السن، كانوا يقولون لهم: "لم تتعلموا في المدرسة إلا أعمال الشيطان". وحين يسمعون بإضرابات الطلبة، يقولون: "شبعوا خبزاً".
عندما وصل عمر إلى العرين، وجد الشجرة نفسها التي كان ابن عمته وابن عمه يعلقان في أعاليها "بنادرهما" - سلاح الولوج لرقص "أحيدوس" الجماعي في الأعراس. كانت تلك الشجرة العملاقة – مع بعض الأشجار فوق كدية صغيرة – قد فلتت من جشع لصوص المستثمرين. وجاء انفلاتها من فؤوس آكلي فاكهة الوقت بفضل ضمها لملكية أحد الفلاحين. أما الغابة الكثيفة التي يتذكرها عمر في العرين فقد نهبت بشكل جائر رهيب. لم يستفد أحد من السكان المحلين من نهب أشجار غابتهم الجميلة تلك بشيء؛ كما حرموا بعد تجريفها من رعي مواشيهم على أرضها وذلك حفاظاً على تجديد نمو الأشجار فيها. وفي الواقع، فقد ابتهج عمر وهو يجد أن الغابة قد استعادت ألقها بعد مرور أكثر من عشرين سنة أمضاها في الدراسة. إلا انها لم تمنحه ذلك السحر القديم الذي ألفه فيها: الكثير من الطيور هاجرت، كما اختفت الكثير من القطط والحيوانات النادرة مثل حيوان النيص الذي يملك أقداماً تشبه أقدام الأطفال خصوصا حين كان يتربص اثارها في الثلح.
ويتذكر عمر في ذلك العرين قصة تحدٍ قديم. كان النسر يعشعش فوق شجرة طويلة ذات جذع أملط لا تتفرع أغصانه إلا بعيداً عند القمة. ولأنه يشبه والدته - التي كانت الوحيدة في القرية التي تصعد شجرة الجوز الفارعة لجني ثمارها – فقد تحدته أخته أن يتسلق تلك الشجرة ليأتي بفراخ النسر. تسلق عمر جذع الشجرة، ولما اقترب من العش، هاجمه النسر بجناحيه العريضين. لم يكن قد شاهد في حياته نسراً عن قرب. صحيح أنه كان قد رآها وهي تحلق من بعيد أو حين تسرق فراخ الدجاج، محتفظة بمسافة حذر كافية من الإنسان. أما عند الاقتراب من عشها فإنها تستشري غير آبهة بأي خطر. ولقد شاهدها عن كثبت حين هاجمته، فتراجع عن مأربه. وهكذا فشل عمر في التحدي، وعاد نازلا وهو مجفولاً من النسر. أما أخته، فقد نسيت تحديها له وهي تراه يعود لها سالماً.
في عرين الأسد هذا، يتذكر عمر ذلك التأثير لعمه "مولاي" حين أقدم على تحطيم "بنديري" ابن عمه وابن عمته. كان البندير في حفلات العرس بالنسبة للشباب في ذلك الوقت هو هوية الحب التي يتقرب بها الذكور للإناث. ولقد أقدم عمر يوماً على حطيمهما بتأثير ثقافة "مولاي" الفقهية. كان ابن عمته وابن عمه يعتقدان أنهما قد وضعا "بنديريهما" في مكان آمن أعلى شجرة سامقة لا يصل قمتها إلا قرد متمرس، ونسيا أن ابن قريبهما عمر قد أمضى أياماً دون ان يشرب المياه بسبب تسلقه الأشجار التي ارتفتها دالية العنب تلك. صعد عمر الشجرة، وأنزل "البنديرين"، لعب وأخته بهما قليلاً، ثم مزقهما لكونهما عاراً. والعار في الامازيغية هو الحرام؛ هكذا كان يشرحها عمر كما ترسخت في ذهنه. كانت النساء يستمعن للأغاني من الإذاعة الامازيغية قبل أن تظهر مسجلات الصوت. وما كان الاستمتاع إليها مع الاطفال ليشكل أي مشكلة، لكنهم عندما يدخل أسد الأسرة الدار، والد عمر مثلا، يعمدون لإطفاء المذياع أثناء وجود الاطفال. أما عندما يكون الاستماع محصوراً بين البالغين وحدهم، فالأمر مستساغ وليس عاراً. يتذكر عمر حوار أخيه حمو مع عمه: كانوا في سيارة نقل، وكان المذياع يقدم الأغاني العربية؛ ولما قدموا أغنية لفنان أمازيغي، سارع عمه بإطفاء المذياع رغم أن حمو كان بالغ الرشد. سأله حمو:
ــ لماذا أطفأته؟
ــ عار؛ ووالدك معنا في السيارة.
ــ ليس عاراً، فمثله مثل الذي سبقه في الغناء بالعربية.
ــ هو عندنا عار!
ــ ليس الأمر كذلك؛ فالأول غنَّى عن الحب بالعربية ، والأغنية الأمازيغية بعده تغنّي عن الحب أيضاً. إذا كان الأمر عاراً، لانصرف ذلك على الإثنين.
ــ أنا أشعر في ذاتي بهذا التناقض.
ــ نعم، هو تناقض لأجل مسح هويتنا.
ثم راح حموا يشرح الخلفية التاريخية للأمر: أن تكون أغنية الحب عاراً فقط لأنها باللغة الأمازيغية، وليست عاراً بالعربية، فهذا ينطوي على الكيل بمكيالين.
ــ وماذا هناك؟
ــ المسألة بسيطة، لها علاقة بالظهير البربري زمن رفع شعار "اللطيف".
ــ كيف ؟
ــ عندما دخل الفرنسيون المغرب وجدوا أن المجتمع المغربي منقسم إلى قسمين: دولة المدينة ويحكمها الملك ورجال الدين، والمجتمع البدوي مثلنا المحتكم للقوانين الوضعية التي تسمى "أزلف". ولقد وجدوا أن أعراف الأزلف هي الأقرب إلى روح الديموقراطية المباشرة من أعراف المجتمع المديني.
ــ أزلف أغ لّان. لكن ماذا يعني المجتمع المديني؟
ــ نعم عندنا "أزلف اغ لّان"، لكن ما عاد الأمر كذلك.
ــ كيف؟
ــ لم نعد نحتكم في حل مشاكنا بأنفسنا ووفقاُ لتقاليدنا الجماعية. الآن المخزن هو الذي يحلها.
ــ لكننا قديماً كنا نحلها على خير ما يرام.
ــ أنظر مثلا نزاعات الملكية العقارية الآن؛ هذه ما بات بالإمكان حلها إلا بالقضاء المخزني.
ــ ولكننا قديما كنا نحلها.
ــ صحيح! قديما لم تكن تنشأ مثل هذه النزاعات إلا بين القبائل، وليس بين أفراد القبيلة الواحدة.
ــ مّاخ ؟(لماذا)
ــ قديما كان الملك جماعياً، والناس لا تتصارع حولها والآن كل فرد له ملكيته الخاصة ويتصارعون في من سيملك اكبر مساحة.
ــ "إيصحا واوال"! (صحيح الكلام). إذاً هذه الأغنية الأمازيغية ليست عاراً .
ــ مثلها مثل الأغاني الأخرى بالعربية.
يتذكر عمر هذا الحوار الذي حكاه له أخوه حمو حين كسر حاجز "العار" بين الأغنية الأمازيغية وأختها العربية. منذ ذاك الوقت أصبح البالغون يستمتعون بالأغاني الأمازيغية في الحب مع أطفالهم في أسرة عمر، ولم يعد فتح المذياع الأمازيغي يحسب عاراً في الأسرة.
تذكّر عمر كيف عبث هو وأخته ببنديري أبناء عمومتهما بتأثير تلك الثقافة التي جعلت كل ما له علاقة بالغناء بمنطقتهم "عاراً" أو أنها في أحسن الأحوال محرمة على الأطفال. وقتها كانت ظاهرة حمل المذياع إلى الجبل ظاهرة غريبة: رجال يلتقون في موضع أو كدية قريبة فوق البساتين لتبادل الأحاديث والاستمتاع بالأغاني من خلال مذياعهم بعيداً عن الأطفال. أما النساء، فكنَّ يجتمعن على نسج حصير أو زريبة، أو لقصع القمل في شعور رؤوس أطفالهن. وكانت لهن ثقافة خاصة في تفسير الأبيات الشعرية داخل كلمات الأغنية، كنوع من التنجيم بالأغنية: ترمي الفتاة "فالها" بالقول: "الفال فالي والكلام لكم" قبل أن تستمع للقول الذي سيأتي المغني على ذكره عبر المذياع. وحين ينطقه يبدأن بتفسيره بما يتناسب مع سعدها أو ما يخالف سعدها أو حظها المستقبلي. وكأنما في العمق يبدو الشيخ حكيماً بحيث أن مضمون "فال" الفتاة مرهون بما سيقوله ذلك الشيخ أو المغني على الرغم من أن تلك الأغنيات التي كانت تذيعها الإذاعة الأمازيغية بقيت هي نفسها طيلة اكثر من 30 سنة بشكل يمكن ان يتنبأ المرؤ بما سيقوله المغني بالاستدامة على سماع المذياع. لكن عمراً يُرجع هذا الأمر إلى الفهم الخاطئ عند النساء من جيل أمه وأخته - جيل التحول من ضرب "الفال" على أغاني أحيدوس التي قد تكون مبدعة إلى أغاني الإذاعة التي هي هي نفسها منذ الاستقلال: "كانت الأغنية داخل أحيدوس مبدعة، صادمة، وغير منتظرة لظروف تلقائيتها وأحوال قائلها، ويشبه إلقاؤها إجراء القرعة التي قد تصيب صاحب "الفال" بما يسعده أو بما يتعسه". يخمِّن عمر، أو هكذا كان يقول لأخته العاشقة التي تنتظر زوجاً من فم شيخ او شيخة المذياع.
وجد عمر في "أبراو إيزم" ابن أخيه يرعى بقراتهم القليلة، فأمره بأن يعود إلى المنزل ليلعب مع أقرانه، بعد أن قرر في قرارة نفسه بأن يهتم من الآن فصاعدا برعاية البقر بعد أن فقد أمله في الوظيفة الحكومية بعد سلسلة ترشحه الفاشل لمباريات التوظيف التي تتيحها بعض القطاعات العامة. لقد شعر بنوع من وخز الضمير عندما سمع شكوى أخيه قاسم أثناء حفلة الشلال: " أبي يريد تقييدي..! كلكم هربتم وبقيت أنا أرعى وأحرث لكم.." . كانت تلك الكلمات لأخيه - الذي اعتاد التعامل معه كإنسان بدوي متخلف - قوية ومعبِّرة رغم أنه لم يدخل المدرسة أو يتعلم. لقد كسرت فيه ذلك الموقف الساذج الذي غالباً ما كان يردده هو ويردده معه الطلبة من أصدقائه: "سعيد من لم يدرس، فجهله لا يتيح له التفكير في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.." لقد حطمت كلمات أخيه ذلك الاقرار الفج الذي رفع كشعار طلابي ذات يوم:
"خذوني إلى الأطلس وراء الأزمات؛
خذوني إلى حيث النوم والنسيان".
ليس هناك في هذا العالم إنسان ينام وينسى سواء كان دارساً أم كان أمياً.. والدليل هو تفجر قاسم في لحظة شرب، قاسم الخجول الذي يسبق كلامه ابتسامة عريضة وخجولة تكلم أمس بجرأة وبكلام قوي جعل عمراً يشعر بالذنب ويبحث منذ فتح عينيه في الصباح على أبقارهم ليساهم بشيء قليل مما حظي به هو حين كان يتابع دراسته.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر