العراق هل سينقذ العالم؟/ -بابداد- بعد بابل وبغداد/2

عبدالامير الركابي
2022 / 11 / 25

صار كشف النقاب عن المؤجل المخبوء من الحقيقة المجتمعية ومآلاتها وازدواجها النوعي اليوم ضرورة وجودية، من المستحيل الامل باستمرار الحياة على كوكب الارض من دونها، ولست اجهل معنى ومايترتب على مثل هذا الاعلان، ومايفترض ان ينجم عنه من ردود فعل، مهما تكن، فانها لن تساوي حجم المسؤولية المترتبه على الجميع والواجبه حسب القدرة، هذا مع كل ماقد يبدو في الظاهر من جدب وحلكة، اظن انها مستحيلة التبديد، لانها اذ تخيم اليوم على ارض المنطلق اللاارضوي، والمنتهى التحولي الاكبر، فانها تقع على موضع له الياته المتراكمه ومحركاته ومسارات تراكميته المختزنه المحفورة في نسيج ابنائه وعقولهم وخلاياهم، فارض التحولية اللاارضوية ليست مثل غيرها من بقاع الارض، وقانون حياتها الدوراتي الانقطاعي، ونوع تفاعليتها التاريخية وتصيرها، تجعل المكان هنا متطابق ابتداء ومنتهى، بالطبيعه مع ما هو موجود لاجله، وفي غمرته، ومتشكل فيه.
وقد نحب اليوم ان نسال، لماذا كان الموقع الجنوبي في ارض السواد " لاارضويا"، ولماذا اختارت الغائية العليا مثل هذه الاستثنائية التي تقول بان المجتمعية هي ظاهرة مافوق ارضوية، هذا مسارها ومنتهاها، تنشا ابتداء غير قادرة لنقص ولادي في الوسائل الضرورية، على التحول والانتقال الى الاكوان الاخرى، مايفرض عليها طورا غير قصير من الانتظارية التفاعلية، الى ان ينقضي امد وزمن وسيلة الانتاج الارضوية / اليدوية، مع انبثاق الوسيلة العقلية الالية، بينما يكون العقل قد اكتسب بالدورات والانقطاعات، وغزارة مايراكمانه في الكينونة مقومات النطقية المؤجلة، فابناء العراق الذين هبوا في الاول من تشرين 2019مثلهم مثل من خاضوا ثورة العشرين اللاارضوية الحديثة الاولى، وثورة تموز 1958 اللااضوية الثانيه، يحسون، ويتفاعل بين جوانبهم شعور الثورة خارح انكسار الثورة الكامن في لانطقيتها ، ويوم صادفتهم كورونا وهم في عز الصعود الى الذرى غير الموعاة، صاروا بالاحرى امام احتدام المهمة الكبرى بصيغتها الداله على الكونية المستجدة، ليصبح ماهم في غمرته ابعد من الحصرية العراقية، وصارالمطلوب ليس مجرد "وطن"، فمحركات وجودهم التاريخيه الكونية المتعدية للكيانوية تاريخيا، حضرت اليوم ليصير الوطن هو العالم برمته.
هذا العالم الارضوي الذي يتهاوى تباعا، بينما العالم اللاارضوي مؤجل تحققا وادراكا، والانتقالة الكبرى المضمرة بناء عليه،تغرق بالدم على الطريق مابين الكينونة والتحقق الذي لم يغدو متاحا الى الساعه، فهل ارض "العيش على حافة الفناء" المجتمعية فوق الارضوية، برغم وسيلة الانتاج اليدوية الارضوية، قابلة لان توصف على انها نقطة التماس بين عالمين وكونين، الكون المرئي الذي نعيشه، والكون الذي نسير نحوه، منتقلين من الجسدية، وهل هي محكومة بالسير بين محطتين، اولى مؤجلة التحقق، واخيرة ينفتح عندها الباب الواصل بين الكون المرئي الارضوي، والكون الاخر غير المرئي، بين الجسدية الارضوية، والعقل المستقل المنفصل عنها.
ليست كل مواقع المعمورة مهياه ابتداء للانتقال الى "العالم الاخر" بذات الدرجة من الاستعداد، والكبنونة التاريخيه ليست محايدة عندما يتعلق الامر بالتحول العظيم، ومن وجدوا اولا وفي بداياتهم، لاارضويين، غير من ظلوا يعانون وطاة الارضوية وهيمنتها الثقيلة على مر دورات تاريخهم الطويل، المتقطع، ، لقد اقتضت الحكمه الكونية واشتراطات التصير الكوني، مثل هذا التفريق وتوزيع الادوار الضروري لسلامه عملية التفاعل والانتقال النهائي، خارج تبسيطات المساواتية الكاذبة، فالجسد موجود كوحده، اعضاءه تتكامل وظيفة مع اختلاف الادوار والمهمات، حين تتصل النهايات من جهة حالة انتهاء صلاحية، وخراب تدميري ارضوي، تقابلها من الجهة الاخرى ضرورة تحفيزيه تتاجج، اخذه باللاارضوية الى التحقق الانتقالي الكوني.
استطيع ان انبيء متحملا تبعات ماانا مصرح به، بان دخل من اليوم سيرورة الفناء، وان اسباب هذا الانتقال صارت هي المتحكمه الغالبة باجمالي العملية المجتمعية التاريخيه(1)، ولا امل بعد الان بان تفعل فعلها وسائل التنظيم الارضوية التقليدية، او تستطيع اعادة احياء مقومات الحياة كما كانت، فلا نظام دولي، ولا كينونة كيانويه "وطنية"، يمكن ان تكون بعد اليوم صالحة، كما ظلت من قبل كشكل تنظيمي وجودي ارضوي فاعل.
ويبدو انني ملزم بان انبي بقضية اخرى صارت على الابواب، تلك هي انتقال العراق من الابراهيمه النبوية الحدسية، الى التحققية، بمعنى الانتقالية من اشتراطات وهيمنه الارضوية الجسدية الحاجاتيه، الى العقلية، الامر الذي سيضعنا امام معضلة اخرى غاية في الصعوبة، مع ان اجتيازها ضرورة لابد منها، وهي، من الرواسخ التكوينيه، وهنا يتظافر الخاص بماهو ماض وضرورة في حينه مع المتغلب التوهمي الغربي الضخم، ذلك هو الابراهيمه بقراءاتها الثلاث الكبرى، مع مايمكن تخيله من نوع المجابهة التي يتوقع ان تنشا حتما معها، بما انها الاساس والمبتدأ الذي لايتوقع مطلقا ان يتنازل ويقبل، التحول الى الطور الثاني، او حتى مجرد قبول ومناقشه احتمالية، او امكانية وجود مثل هذا التتابع، بين حدسية نبوية الهامية، واخرى تاخذ بالدرجة الاولى بالمعطى العلّي السببي.
وقد يبدو من باب التوهم الان تصور احتمالات نشوء حركة ترفع لواء "الانتقال الى الابراهيمية الثانية التحققية"، هذا مع ان وجهة مثل هذه يمكن ان تحفز قوى ابراهيمة، ستجد فيها منطلقا لاستعادة مواقع مفقودة، مثل الفاتيكان، الذي سيجد نفسه مضطلعا بدور عملي وفعال، له بعد انقاذي على مستوى المعمورة، بالضد من عالم "التفاهة" المهيمن على اوربا والغرب، مع مواكبات جشع الراسماليه، وقد ياخذمثل هذا المنحى اشكالا اخرى رفضية، بالاخص على مستوى الاسلام وتياراته ومذاهبه، حيث التكلس اشد، والاعتقادية بداهية لاتخضع للمحاكمه، غير ان مستوى الايمانيه الجديد واضح هنا، والتفريق موضوعيا وسببيا بين شكلي تجسد تعبيري بحسب الظروف، وان هو اخذ وقتا وجهدا، الا انه على الارجح لن يعدم حالة من الانقلابية الضرورية في ارض المنشا، الامر الذي ستتكفل به الوقائع المعاشة، وضغط الظروف، والدلالة التي تواكبها.
وستكون الدعوة الى مركزية تحولية ابراهيمية للقراءات الثلاث من قبيل اللزوم لاجل حضور على مستوى المعمورة، من المتوقع ان يكون فعله غير عادي في بلد يزداد تازما داخليا، وميلا للعنف العشوائي مثل الولايات المتحدة الامريكيه، وكل هذه اشارات وتنبيهات الى الخطوط العامة، ومنها ربما تقليد اللقاء وفودا عند البداية، في ارض اللاارضوية، تحت شعار "بناء بيت الله الثالث" / بايباد" المدينه مابعد المدينه، والعتبة او الممر الواصل بين الارض والعالم الاخر.
ولن يقف الامر هنا، فثمه مالايمكن التغاضي عنه في السياق الذي تتشكل فيه "الاممية اللاارضوية التحولية"، والحديث جار عن قوة لايستهان بها، صارت اليوم في حالة اقرب للضياع والتراجع على الصعد كافة بغض النظر عن المكابرة، بالاخص بعد انهيار قلعتها الاتحاد السوفياتي، تلك هي متبقيات الشيوعية كحركه تحولية ارضوية محدودة هي الاخرى، ضمن ماكانت نشات ضمنه من اشتراطات، تجعل منها حركة فعل مؤقت، سابق على دخول البشرية الطور الراهن التحققي الانتقالي اللاارضوي، وقد فقدت مع الوقت وبالتجربة كل احتمال او امل بالتحقق الذي ظنه ماركس ولنين ممكنا، وحتى وشيكا، يلازم الانقلابية البرجوازية الراسمالية، وهنا ايضا يحضر شعار من نوع "الانتقال الى التحولية الثانيه"، بعدما ادت التحولية الارضوية الماركسية ماكانت معنية به، وقادرة عليه من حضور مضاد للافنائية الراسمالية. (2)
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد يكون كتاب الدكتور آلان دونو"نظام التفاهة" ( ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري/ دار سؤال للنشر والتوزيع/ بيروت/ الطبعة الأولى 2020) الصادر عام 2015 بلغته الاصل، من اهم الاشارات الدالة على مانلفت النظر اليه من حال ترد شامل، قد يكون ابعد خطرا من حيث السيرورة ومآلاتها بكثير، حتى بالمقارنه مع مايلاحظة واضع الكتاب الكندي، شديد الحساسية ثاقب النظر.
(2) النقطتان الاخيرتان المتعلقتان بالابراهيمه النبوية وبشيوعية ماركس تحتاجان لوقفات خاصة، سنقوم بها لاحقا.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر