مرايا الغياب/ أمينة5

محمود شقير
2022 / 11 / 25

8

ليتها كانت هناك في الزرقاء، لكي تضحك مني وأنا أذهب إلى عرس لا أعرف من أهله أحداً. التشابه بين الشوارع والأحياء، أو ربما ضعف رسوخ المدينة في ذاكرتي، قادني إلى عرس لم أكن أقصده. سلمت على أهل العرس وجلست، وبعد دقائق سألت: أين محمد؟ (أقصد العريس). قال لي عدد من أقاربه بصوت واحد: إنه عند العروس. ولم أفرط في طرح الأسئلة، ولم يسألني أحد أي سؤال.
كان العريس هو محمد أبو الوفا العائد من بيروت بعد خروج المقاومة الفلسطينية منها. دعاني إلى عرسه فذهبت إليه. وصف لي الحي والبيت وذهبت. وتصادف أن كان عرس آخر في الحي. وفيما بعد تأكد محمد من أنني ذهبت خطأ إلى العرس الآخر، حينما سألني عن شكل علبة الحلوى التي قدمها لي أهل العرس، فإذا هي مختلفة عما كان يقدمه هو وأهله لمن يأتون إلى عرسه. فليتها كانت هناك، لكي تعرف ما فعلته المدينة بي، ولكي تضحك قليلاً.
وليتها كانت هناك لكي تضحك وأنا أقود موكب الخطوبة إلى بيت عمي خطأ. انطلق الموكب من مدينة صويلح حيث يقيم أهل زوجتي. انطلق الموكب إلى مدينة الزرقاء ووجهته بيت عمي، وذلك لكي يخطب أخو زوجتي، ابنة عمي القادمة من الكويت قبل أشهر معدودات. وكان يتعين علي أن أقود سيارتي في مقدمة الموكب لكي تتبعني بقية السيارات الذاهبة إلى حفل الخطوبة. دخلنا الزرقاء، وهناك وقع الالتباس. فأنا لا أعرف سوى طريق واحد يقود إلى بيت عمي. وقد التبس علي الشارع الفرعي الذي يتعين علي أن أدخل نحوه من الشارع الرئيس ذي الاتجاهين. لم أنعطف نحو اليسار في اللحظة المطلوبة، ما اضطرني إلى مواصلة السير ومن خلفي الموكب كله، في الشارع الرئيس إلى منتهاه. كان الشارع مزدحماً بالسيارات، ولم ينتبه أحد في الموكب إلى أنني ارتكبت خطأ إلا حينما انعطفت بسيارتي عند آخر الشارع وعدت في الاتجاه الآخر من الشارع نفسه، إلى حيث كنا عند مدخل المدينة.
وصلنا بيت عمي متأخرين نصف ساعة عن الموعد المحدد بسبب هذا الخطأ غير المقصود. وكانت مادة الحديث أثناء اجتماعنا في البيت، هي هذا الخطأ الذي قاد إلى هذا التأخير، ومن المسؤول عن ذلك؟ أنا بطبيعة الحال. فليتها كانت هناك لكي ترى كيف تهزأ مني هذه المدينة.
وليتها كانت هناك، لكي تبكي قليلاً على عمي الذي مات في الزرقاء ودفن في مقبرتها. العم غادر القدس أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. دفعته لقمة العيش إلى مغادرة المدينة هو وأسرته. عمل ممرضاً في مستشفى أريحا الحكومي بضع سنوات، ثم سافر إلى الكويت ليعمل في مهنة التمريض سنوات طويلة. بعد تلك السنوات، عاد ليقضي شيخوخته في الزرقاء بعد أن أصبح له فيها بيت وأولاد وأحفاد.
حينما مات، لم تكن أمينة هناك.
9
كانت بنتاً مميزة بين البنات.
لم أعد أذكر متى رأيتها ترتدي الحذاء لأول مرة في حياتها. لم أعد أذكر أمي وهي تحممها ومن ثم تمشط لها شعرها. أمي نفسها لم تعد تذكر سوى القليل من تفاصيل طفولتها (قالت إنها كانت طفلة جميلة، فيها من ملامح أبيها الشيء الكثير. قالت إنها منذ أن أصبحت بنتاً بالغة، علمتها كل شيء يتعلق بتدبير المنزل: كيف تكنس البلاط وتغسل الملابس، كيف تطبخ طعاماً للأسرة، وكيف تعجن الطحين ومن ثم تخبزه على الصاج. قالت إنها كانت بنتاً معدّلة). تتوقف فجأة عن الاسترسال في الحديث، وتستغرب لأنني أسألها عنها. تتطير لاعتقادها أن السؤال عن فتاة ميتة ينطوي على محاذير وشرور. كانت لها صورة جاثمة فوق خزانة الملابس في غرفة أبي التي درجنا على اعتبارها غرفة نومه، وعلى اعتبارها في الوقت نفسه الغرفة التي نستقبل فيها الضيوف. الصورة بقيت زمناً بعد وفاتها، ننظر إليها بشكل عرضي، نقول شيئاً ما عنها، وقد لا نقول شيئاً ونكتفي بالنظر.
لم أعد أتذكرها وهي تضحك، لم أعد أتذكرها وهي تبكي. لا أتذكر يومها الأول في المدرسة، لا أتذكر حقيبتها المدرسية ولا كتبها، لا أتذكر جلوسها على بلاط الغرفة وهي تنسخ درس القراءة في دفترها، لا أتذكر خطها، لا أتذكر واحدة من شهاداتها المدرسية. إنها مكرسة، بقرار غير معلن منا، للنسيان.
أخي الطبيب الذي يصغرها بسبع سنوات، قال إنها أخذته معها إلى القدس، في رحلة مدرسية إلى المدينة لحضور فيلم سينمائي تعرضه سينما الحمراء، عن خالد بن الوليد (كيف رأت أختي المدينة آنذاك؟ كيف شعرت وهي تنزل من الحافلة في ساحة باب العمود؟ وهي تمشي في شارع السلطان سليمان، وعلى أرصفته يسير خلق كثيرون؟ كيف شعرت وهي تدخل شارع صلاح الدين؟ وهي تدخل صالة السينما وتجلس لتشاهد الفيلم المقصود؟ وهل كانت تلك رحلتها الأولى إلى المدينة؟ أم سبقتها رحلة أخرى أو رحلتان؟ أجزم أن عدد المرات التي زارت فيها أختي المدينة، لم تزد عن رحلتين أو ثلاث رحلات. أقول رحلات لأن شوقها للقدوم إلى المدينة يعادل أن يكون قدومها إليها في كل مرة، يساوي رحلة كاملة الصفات. وأنا أعرف رحلة أخرى من رحلاتها غير رحلة السينما هذه. إنها الرحلة مع بنات صفها إلى مصور في المدينة، لكي يلتقط لها ولهن صوراً شخصية طلبتها المدرسة منهن. أختي أحضرت صورتها وكانت مسرورة كأنها منحت حياة إضافية. أظهرت الصورة وجهها مكسواً ببهاء يجعلها أنضج مما يفصح عنه عمرها، وأظهرت عينيها وفيهما ضوء خاطف يدلل على طموح وذكاء. ولا أذكر أنني طلبت منها أن تروي لي انطباعها عن المدينة. فما الداعي إلى ذلك وأنا لا أحب أن تكثر أختي من ترددها عليها). قال أخي إنه فرح لهذه الرحلة التي ما كانت لتتم لولا أخته التلميذة، وهو ما زال يتذكرها باستمتاع حتى اليوم. أمي لا تتذكر شيئاً ولا تضيف شيئاً، أو ربما تتطير من إعادة فتح الصفحة من جديد.
يتبع...

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر