السلطة والثروة والدين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2022 / 11 / 25

ثلاثي انتشر في الجسد السياسي العربي وينخر في العظم حتى النخاع، ليُبقي المجتمعات تتألم من أعراض بطش السلطة وجشع الثروة وتغييب الدين للعقل. هذه حقيقة. دول الإقليم تتصدر قائمة العالم في مؤشرات الاستبداد والفساد وضعف البحث والإنتاج العلمي. مرض مزمن نتوارثه أباً عن جد من آلاف السنين ويقف حجر عثرة بيننا وبين الانخراط المثمر مع بقية بلدان العالم، المتقدم أو النامي أو حتى المتأخر منها. حتى أنه ينزع منا القدرة على استكشاف ذواتنا واستغلال طاقاتنا المحدودة، لأنه يُنهك قوانا ويشل تفكيرنا ويتركنا هزال غير قادرين على شيء نافع. غير أن السلطة والثروة والدين وجدت في الأصل ضمن الجماعة البشرية لأغراض نهضتها ورفعتها. لماذا هي عندنا على وجه الخصوص سبباً رئيسياً للضعف والانحطاط؟!

هذا الثلاثي لا ينشأ إلا وسط مجتمع من الناس، وهو حاصل ضرب قوى وأموال ومعتقدات أعضائه. ولكي يُفَعَّل، لابد من تجسيده أو تمثيله أو احتكاره في شخص طبيعي أو مجموعة منهم، لأنه شخص اعتباري لا يملك الكيان الفيزيائي المستقل بمعزل عن أعضاء المجتمع. وكلما كبرت الجماعة، زادت الحاجة أكثر لتنظيم مجهودات أعضائها للحد من الصراعات فيما بينهم ولتعظيم العائد الكلي لمساعيهم مجتمعين. وفي ذلك مصلحة عامة، أو منفعة لكل واحد منهم. الشخص أو الجهة التي تتعهد تنظيم الجماعة للحد من الصراعات وتعظيم العائد الكلي تُسمى ’السُلطة‘؛ و’الثروة‘ هي العائد الكلي لمجهودات الجماعة بعد تنظيم نشاطاتها والحد من التضارب والصراع فيما بين أفرادها، أو ما يُصطلح عليه ’الناتج القومي الإجمالي‘؛ و’الدين‘ هو كل منتج فكري يهدف إلى تبرير تعليمات وتصرفات السلطة لاستمالة أفراد الجماعة للانصياع لها طواعية وليس إلزاماً بحجة أن في ذلك منفعة شخصية أكيدة لهم.

الفوضى عدو الجماعة اللدود، يفتت لحمتها ويبعثرها في عصبيات وخلايا متناحرة يمكنها الفتك بوجود الجماعة ذاته. لهذا ينجذب فرد الجماعة غريزياً باتجاه القوة، العنصر القادر على فرض النظام والحفاظ على حياة الجماعة من التحلل في الفوضى. كل من يُفلح من أعضاء الجماعة في تحشيد القدر الأعظم من هذا العنصر الحاسم في حياة الجماعة، القوة، تحت سيطرته يصبح هو صاحب ’السلطة‘. ولكي تتوسع السلطة وتسود على القسم الأعظم من أرض الجماعة ومواردها وأصولها تحتاج إلى من يدعمها، من يدفع نفقات بسط السيادة ومحاربة الفوضى وإنفاذ النظام. هنا يأتي دور ’الثروة‘، لأنها المستفيد الأكبر في الحالتين- من تحالفها مع السلطة التي تملك حصراً الحق لتوزيع امتيازات استغلال موارد وأصول الجماعة، وكذلك من حفظ النظام والأمن وسط الجماعة الذي سيمكنها من الاستثمار في هذه الموارد والأصول بغرض كسب ومراكمة المزيد من الثروة. بيد أن تحالف السلطة والثروة معاً لتحقيق أغراضهما المتبادلة لا يكفي وحده لاستدامة أي منهما أو كلاهما معاً سوى لفترة وجيزة من الزمن. ولضمان الاستدامة، لابد من استدراج الجمهور الأوسع- أفراد الجماعة- إلى داخل قواعد اللعبة. هنا تحديداً تحضر وظيفة ’الدين‘، الذي من جهة يبرر تعليمات وتصرفات السلطة لرأي عامة الجماعة، ومن الجهة الأخرى يغويهم ويواسيهم للرضا بالحال والوضع القائم، النظام الذي فرضته السلطة.

الجماعة لا تنشأ إلا على نظام، الذي من دونه يفنى وجودها في الفوضى. وتعد السلطة والثروة والدين عناصر أساسية وضرورية لفرض النظام واستدامته. هكذا يمكن بسهولة حشر الجماعة في مأزق لا تُحسد عليه إذا ما خُيرَت بين ’النظام‘ (مرادف الحياة) وبين ’الفوضى (مرادف الفناء). لكن وضع حياة الجماعة (النظام) في كفة وفنائها (الفوضى) في الكفة الأخرى يستلزم من العناصر التكوينية للنظام (السلطة والثروة والدين) أن تكون متحدة وعلى قلب رجل واحد في مساومتها تلك إزاء جمهور الجماعة. يمكن أن يتحقق هذا الوضع في حالتين: 1- أن تكون كل (أو معظم) العناصر الثلاثة مجسدة أو ممثلة أو محتكرة في شخص واحد (طبيعي أو اعتباري)، وهو من أسميه "السلثردي" الذي رغم وجوده الثقافي حتى الزمن الحاضر لا يزور التاريخ الفعلي سوى نادراً؛ و 2- أن تكون العناصر الثلاثة متصلة أو قريبة أكثر من اللازم من بعضها البعض رغم توزيعها بين عدة أشخاص (طبيعية أو اعتبارية)، وهو الوضع الأقرب إلى الواقع في بلداننا. ونلاحظ أنه حين يصطف ثلاثي السلطة والثروة والدين في جانب وجمهور الجماعة في الجانب الآخر، ينشأ ما يسمى ’سوء الاستخدام‘، الذي يشوه السلطة إلى ’استبداد‘ والثروة إلى ’فساد‘ والدين إلى ’تغييب‘.

لا شك أننا كمجتمعات لا يزال يطلع منا النفس، لكن بصعوبة. وهذا دليل على أن الوجه المشوه للسلطة والثروة والدين (الاستبداد والجشع والتغييب) لم يستحكم فينا بعد حتى منتهاه، وإلا كان الجمود قد أكلنا وسلمنا الروح وعدمنا الإرادة والرغبة في البقاء والتغيير. في المقابل، نحن أيضاً كمجتمعات لا ننعم بالنظام والاستقرار كما ينبغي، بل تعمنا الأزمات والصراعات والاضطرابات والحروب الأهلية والانقلابات العسكرية من وقت قصير لآخر، بما يحرم أي نظام مهما كان من إحكام سيطرته وبسطها على نحو مستدام. وفي هذا دليل آخر على ضعف الثلاثية كذلك في وجهها الغريزي، وعجزها عن بسط سيطرتها وفرض النظام والحفاظ على الوضع القائم كما تتمناه. في النهاية، كلا وجهي الثلاثية الغريزي والمشوه يعاني، مثلنا كمجتمعات، من الضعف والهزال.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر