آفاق تحصين التراث الثقافي المغربي والهوية والمجالية الثقافية

لحسن ايت الفقيه
2022 / 11 / 25

دعيت من لدن السيد رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف للمشاركة في ندوة حول الإعلام وخطوط التماس الثقافية بين البلدان المغاربية، أريد لها أن تنظم بمدينة الرشيدية بجنوب شرق المغرب صباح يوم السبت 26 من شهر نونبر من العام 2022. أعددت مداخلتي في وسعة من الزمان. في هذه الأثناء أخوض المعركة مطالبا بحقي في التقاعد لخطأ ما يوم كنت ملحقا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ 19 من شهر أكتوبر من العام 2022. وإن حالتي النفسية ضاغطة لا تسمح لي بالجلوس مطمئنا بين الناس. وكذلك قيل للسيد الرئيس، اتصل بي هاتفيا زوال يوم الخميس 24 من شهر نونبر من العام 2022 رأفة بي كما قال، وبالفعل فإن الذي يخوض المعركة ليس له أن يظهر نشيطا محاضرا. أفصحت لحضرته أن حياتي العادية مستمرة بسمتي باحثا مهتما بالتراث. ظرفي النفسي ضاغط بالفعل لكن نشاطي قائم. ولأني ابن أحواز سجلماسة من حيث هويتي الثقافية، وجدتني بعد انتظار مستحسنا الاعتذار لأن ظرفي النفسي غير ملائم والمقام. أبرقت اعتذارا في رسالة إليكترونية لحضرة منشط الندوة أني لن أحضر لظرفي النفسي، وكذلك حصل.
ولأن العهد أمانة في عنقي فإني مدعو لبث مداخلتي مدونة كتابا مصففا مبثوثا في موقعي بالحوار المتمدن الأغر. أجدد الاعتذار لكل الحاضرين في الندوة التي ضرب لها الموعد صباح يوم السبت بالرشيدية. مداخلتي «آفاق تحصين التراث الثقافي والهوية والمجالية» درءا للتداخل والتقاطع بين بلدان المغارب.
لما اقتُرحت متدخلا في الندوة المذكورة واجهتني صعوبةٌ بل صعوباتٌ أمام إشكاليات. وما كان لتلك المداخلة أن تستقيم، مادامت تطرح ثلاث إشكايات، إشكالية المجالية الثقافية بما هي وعاء الهوية الثقافية، وإشكالية الهوية الثقافية بما هي متصلة بالمجال المغلف ثقافيا، وإشكالية تحصين التراث الثقافي. كل الإشكالية محفف بإشكالية أخرى تتصل بوضع المجالية الثقافية بعد معاهدة لالة مغنية سنة 1845، وعقب الشنآن حول الحدود بالجنوب الشرقي المغربي.
وإلى جانب الإشكاليات الثلاث (الثلاثة) الصامدة أمام تحد جيوسياسي قد يراد به مواجهة الإشكالية بعد إقامة الحدود السياسية إثر معاهدة لالة مغنية، تطفو إشكالية التصنيف على السطح. كيف نمعلم تراثنا الثقافي في المجال. فهل نعتمد التصنيف الثقافي الأمازيغي القائم على ثقافة الدم، وعلى أساسه تُبنى الرموز؟ وعلى نعتمد الطرقية معيارا لتحديد الانتماء الثقافي؟ وهل نعتمد المركز والهامش المحيط به؟ في الواقع ليس لدي جواب مقنع، للطابع الإشكالي للموضوع، ومرد ذلك أني لا أعتقد أن الحدود السياسية قادرة على تقييد الثقافة. ورغم ذلك وجب البحث عن صيغة توافقية تناسب الجغرافية السياسية بعد ظهور دول قطرية في بساط المغرب الكبير.
ولأني ابن الهامش، وأعتز بموضعي الجغرافي، فإني أعانق مجدي وأقترب إليه كلما رجعت إلى الهامش لأخذ الأمثلة منه. فمعذرة مني لأهل المركز ولكل الحاضرين في الندوة.
العنصر الأول من مداخلتي، وهي في ثلاث عناصر، «المجالية الثقافية والهوية والتراث قبل ظهور التقسيـــــــــــم القطري لمعاهدة لالة مغنية».
المقصود بالتقسيم القطري تنزيل الحدود السياسية على المجال تحت رقابة الدولة. ومن المفيد نتناول المجال الثقافي قبل إلباسه اللباس السياسي بلون المغرب أو لون الجزائر، أو لون تونس. فالمجال الثقافي مقدم على المجال السياسي، وهو المبتدأ والمنتهي منه ننطلق ثم نعود إليه. ففي المجال الثقافي الهامشي ثلاث إشكاليات:
الإشكالية الأولى المجالية في حد ذاتها:
المجال في هوامش بلاد المغارب قائم تحديدُه على مبدأ السيادة وممارسة السلطة، أي: التحكم في الميدان. وهو أسلوب معتمد منذ عهد الممالك الأمازيغية في بلاد المغارب. وتجمع الآراء جعل المغرب المريني مرجعا للاستئناس والمغرب الزياني لبني عبد الواد مرجعا للاستئناس بالمغرب الأوسط (الجزائر). ويبقى اللباس الصنهاجي محددا أساسيا في المغرب الأدنى (تونس).
يجري تحديد المجال الهامشي بالدم والنار والماء، وكل مجال ممعلم، يكتسب لباسا ثقافيا. كيف ذلك؟
الدم أساس السيطرة على الأرض، بالمفهوم القديم أو مفهوم الهامش. وكل أرض غير مطهَّرة بالدم لن تكون مجالا لممارسة الطقوس الأمازيغية. وإن تطهير الأرض بالدم معناه السيطرة عليها بالقوة. وعلى أساس التحالف الحربي يقوم الزواج غير العشائري والاستفادة من المرعى.
ولنستشهد بالمادة 79 من عرف بودنيب بجنوب شرق المغرب التي تمنح الاستفادة من مجال بودنيب للذين يقاتلون إلى جانب سكان بودنيب. ولنستشهد بأيت حديدو بجبال الأطلس الكبير الشرقي وصلتهم بموضعي أقانوانين وإمي نتقات، وإلى وقت قريب لا يصلون فيها ولا يدفنون بها موتاهم لأنها أرض غير محررة بالدم.
ولقد فسر دو لا بورت دي فو (De la porte des veaux) إشكال اغتصاب قبيلة أرض قبيلة أخرى بمجال «واوزكيط» إلى انعدام العرقية وغياب الشعور بالقرابة الدموية خارج مجال الفرقة. استنتج «دو لافو» أن الشعور بوحدة الأرض جعل مفهوم المواطنة لدى الأمازيغ قريب من مفهوم الأوروبيين. ومعنى ذلك أن المجالية الأمازيغية دينامية قد تنمو وتتقلص، وبالعودة إلى الدينامية المجالية لدى الفيدراليات القبلية نلمس ذلك. ولن يسمح الحيز المخصص لهذه المداخلة بتفصيل القول في ذلك.
وفي إطار الاستفادة من المرعى في المجالية الثقافية لا يخول للقبيلة الحليفة الاستفادة من روث الحيوان (أمازير)، المادة 79 من عرف بودنيب، وكذا عرف ايت سدرات. فلا يحق للذين يترددون على مراعي بودنيب الاستفادة من روث الحيوان فهي مادة لصيقة بالأرض وكذلك الشأن بالنسبة لقبيلة ايت زكري التي تتردد على مراعي ايت سدرات، لا يحق لها الاستفادة من روث الحيوان فهي مادة لصيقة بأرض ايت سدرات.
إن المجال المسقي بثقافة الدم يشكل وحدة سوسيومجالية متجانسة (ايت حديدو بأسيف ملول)، أو وحدة سوسيومجالية غير متجانسة وليدة التحالف، ايت عطا، ايت ياف المان، ايت أومالو، ويعوض الزواج غير العشائري، هنا، أساس الدم.
ولما كانت الأرض عنصر أساسي في المجالية التقليدية فقد اهتدت قبيلة ايت يزدك إلى توزيع الأرض على عشائرها وفق القاعدة 40. والعدد 40 عدد سحري مقدر لدى الفيدراليات القبلية، ايت عطا، ذوي منيع، بني يزناسن، ايت واوزكيط «أيت الديوان، ايت أربعين، إيجماعن».
الإشكالية الثانية تتعلق بالهوية الثقافية:
الهوية الثقافية الأمازيغية تشمل اللغة بما هي وعاء الثقافة، ثم السمات الثقافية على وفق الوسط، كالتحصين والانغلاق والدفاع الذاتي، والمجالية الثقافية. وتندرج الهوية الثقافية الأمازيغية ضمن الإحساس الإثني والديني والارتباط بالأرض. ولأن المجال عنصر أساسي، ففي كل وحدة سوسيومجالية متجانسة نسق ثقافي متجانس يغشى طقوس الدم، وتصفيف الشعر لدى النساء والزي الخارجي ذا رموز توحي بانفتاح الجماعة أو انغلاقها، وتبطن معالم ثقافة الخوف، ورموز (تيعزيت، وتيبيرما) الشجاعة بالأمازيغية.
ولعل الوصف الذي أنشأه هنري تيراس للوطن لدى الأمازيغ منصب على العلاقة بين الإنسان والأرض. فعقب السيطرة على المجال بالقوة، أي: سقيُه بالدماء يتخذ المجال لباسا بيولوجيا بمنظور هنري تيراس. ومما يبين أن المجال جزء من الذات البيولوجية تغيير أسماء المواضع المسيطر عليها، أسرير «أسرير إلمشان»، تولال «حمل قصر سعد الله اسم ايت مومو». وتغشى الهوية الثقافية كذلك تصفيف شعر النساء والطقوس الاحتفالية والجنائزية وكل أنماط التقاليد الشفاهية بالوحدة السوسيومجالية المتجانسة، كل المجاليات تُكسى بالرمز. وحينما يجري تهجير قبيلة ما وإبعادها عن مجالها، تُحمل القبيلة المهجَّرة على احترام المجال الجديد الذي استوطنته، قبيلة ملوانة نموذجا. فالهوية الثقافية وظيفية، يمكن التخلي عنها. وأما المجالية الثقافية فلا يمكن التنازل عنها بالمرة لأن الدم أساسها.
ذاك هو الإشكال القائم في بلاد المغارب. ذلك أن الاحتلال الفرنسي لبلاد المغارب أحدث مجاليات مشوهة نحو المجالية الثقافية المسماة الساورة المفصولة عن محيطها بواد كير، والمجالية الثقافية الداورة البعيدة عن أصلها تافيلالت. فالساورة امتداد ثقافي لواد كير والداورة (توات) امتداد ثقافي لتافيلالت.
ومع التصوف الطرقي ظهرت مجاليات ثقافية أخرى، مجالية الزاوية الوزانية التي تمتد إلى توات ومجالية زاوية القنادسة الممتدة بحوض كير، وكلها مجاليات ثقافية مغربية، لأن لباسها الشادلي الجزولي نشأ في المغرب ولها امتدادها في الجزائر. وهناك زوايا في الصحراء التي احتلتها فرنسا، ولها امتداد في المغرب نحو زاوية سيدي زكري ب تبلبالت. يمتد نفوذها إلى مكناس وإزران قرب الصويرة. نزلت بها ايت يسفول سنة 1882 وأسسوا قصر الشرايعية. وهناك زاوية سيدي محمد بن عبد الرحمان السهلي سنة 1582م قرب بودنيب. وزاوية سيدي محمد بن أبي زيان القندوسي سنة 1686م، هاجر أسلافه من مراكش إلى القنادسة. اشتروا أرضا من قبيلة أولاد بوسنان من فيجيج. وللزاوية امتداد في واد كير.
الإشكالية الثالثة تتصل بالتراث الثقافي
وجب الإقرار أننا أهملنا تراثنا بشقيه المادي وغير المادي. وحتى الممارسة المتحفية لم نتقدم فيها كثيرا، لم نبلغ، بعد، مستوى إعداد المتاحف التفسيرية. لا نعرف نحن مواقع التحف. ننجز المتاحف بالمسروقات، كذلك يحصل في بلاد المغارب كلها. نسرق القطع الثقافية، أو نشتريها بما هي مسروق، لإعداد المتاحف، ونسرق القطع الثقافية لبيعها للأجانب، وفضلا عن ذلك نخرب مآثرنا الثقافية، ولا سلطة لدينا أحرص على الحماية.
ولعل ما يثلج الصدر أن المغرب أودع يوم 03 من شهر غشت الماضي صك الانضمام إلى اتفاقية (يونيدروا) التي تعود إلى سنة 1995. وتتعلق الاتفاقية بالممتلكات الثقافية المسروقة، أو المصدرة بطرق غير مشروعة. ولقد أودع المغرب صك الانضمام لدى الحكومة الإيطالية أن كانت منقطعة لحفظ الاتفاقية.
ويرى المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص أن الشروع في تنفيذ الاتفاقية موعده يوم الفاتح من شهر فبراير من السنة الموالية 2023، ويومئذ ستكون الاتفاقية ملزمة وفق المادة 12، الفقرة 3 من الاتفاقية. وقبل دخول عصر الصيانة والحماية كيف هو الوضع لدينا؟. كيف نتعامل مع تراثنا الثقافي؟ هل نحن أدرى بهويتنا الثقافية؟ ولقد استفحل تدمير التراث المادي الأمازيغي وإهماله، واستمرار طمس الرموز الأمازيغية وكسحها في المعمار على سبيل المثال، في الزاوية الجديدة، بأوفوس، وتينجداد، فضلا عن إهمال القصبات ذات الدلالة التاريخية.
العنصر الثاني من المداخلة سمته «المجالية الثقافية والهوية والتراث بعد إرساء التقسيـــــــــــم القطري لمعاهدة لالة مغنية».
منذ احتلال توات سنة 1900 جند ليوطي ثلة من الباحثين للقيام بالمسح الشامل للتراث الثقافي المغربي. ولأنه أكثر حرصا على تنشيط الآداء في الحفاظ على الهوية (التراث الأندلسي) فقد لقب بالمغربي. ومع استقلال الجزائر سنة 1962 طفا إشكال الصحراء الشرقية على السطح، وهو قائم وفق التصنيف المجالي الثقافي السالف الذكر. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل ألبست الوحدتان السوسيومجاليتان، توات والساورة لباسا جزائريا؟
الجواب بالنفي، إذ يعود معقل التراث الثقافي للوحدتين ولكل الوحدات بالصحراء الشرقية إلى الأصل المغربي ولو بوجهه الزناتي المتشابه بين المرينيين والزيانيين. فالإشكال المطروح في بداية المداخلة يعود إلى الواجهة في خاتمتها، فكيف يجري التصنيف أمام مخلفات الاستعمار الفرنسي الذي لا يعنيه الحفاظ على محتد الهويات الثقافية؟ إن هذا السؤال يجرنا إلى طرح سؤال آخر وهو عنصر أخير في المداخلة.
ما هي الإجراءات الاستعجالية الواجب القيام بها درءا للتوتر بين بلاد المغارب حول حيازة التراث الثقافي؟
يحسن القيام بالإجراءات التالية:
ـ تثمين التراث الثقافي وجعله موردا اقتصاديا في كل الوحدات السوسيومجالية المغربية.
ـ ترميم المواقع التاريخية وصيانها والاحتفاظ على الرموز الثقافية.
ـ اعتماد المتحفية التفسيرية وتجاوز المتحفية التقليدية.
ـ تشجيع الاعلام لرصد التراث الثقافة والانفتاح على الهوية الثقافية ذات أوجه متعددة.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر