فليسقطْ حُكم الرِّدة المُجرم !

أحمد إدريس
2022 / 11 / 25

« القرآن لا يُفسِّر نفسَه بِنَفسِه، و الإسلام لا يُطبِّق نفسَه بِنَفسِه، و إنما يَتِم ذلك من خلال المسلمين. و ما أَسْوَأَ ما فعل المسلمون بالإسلام… و الإسلام لا يتنافى مع روح العصر، أي عصر، في كل ما هو إنساني سمح و عادل. » (فرج فودة رحمه الله، أحد ضحايا حكم الردة)

مِن أين أتى و كيف استقر في الوعي العام و العقل الجَمعي لِمَن يُسمَّون بالمسلمين، الإعتقادُ الوهميُّ بالصفاء الكامل و المُطلق لِمَجموع ما وَرِثوه تحت مُسمَّى الإسلام ؟ فلطالما سمِعتُ على لسان الأئمة و الوُعاظ أن النبي تركنا على مَحجَّة بيضاء لَيْلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، لكنْ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ أﺠﺪ أنهم أوَّلُ مَن حاد عن نهج النبي الذي ما زالوا حتى يومنا هذا ينسبون إليه هذه المقولة المُنكَرة : « مَن بدَّل دينه فاقتلوه. » وَضْع مثل هذا الكلام على لِسان الرسول هو أفظعُ إساءةٍ له على الإطلاق.

و الله ما أساء أحد في الدنيا لِسُمعة و شخصية الرسول، كالأمة المحسوبة عليه، بدءاً بأفراد منها أَطلَقوا على أنفُسِهم لَقبَ ورثة الرسول : أليس فيكم إذاً رجل رشيد، يا فقهاء و أئمة هذا الدين ؟ أبو جهل هو مَن عذَّب إمرأة بِوَحْشية بالغة ثُم قتلها لأنها بدَّلت دينَها، كما اضطهد و آذى و تفنَّن في التنكيل بآخرين مِن بني قومِه لأنهم أيضاً - بِكامل إرادتِهم و وعيهم و اختِيارهم - قرَّروا الإرتدادَ عن مِلَّة وَرِثوها عن آبائِهم و اعتناقَ فلسفةِ حياة جديدة، الشخص المذكور و أشباهه هم فقط مَن يَصدُر مِنهم أمر بالفتك كهذا. مقولة تهدِمُ و تنسِفُ كماً هائلاً مِن آيات القرآن البَيِّنات، لَعَلَّ في مُقدِّمتها هذه : « لا إكراه في الدين »، و مع ذلك تُنسب حتى اليوم للذي جاءنا بالقرآن الكريم. ماذا لو قرَّر الغرب تطبيق هذا الحديث - الغير نبوي بالتأكيد - بإعدام أبنائه الذين يدخلون في الإسلام ؟ حرية المُعتقَد قد استقرَّت في ضمير العالَم و نحن ما زلنا في خصومة مع حرية المُعتقَد.

و لكنْ يجدر التنبيه إلى أنني في هذا الصدد لا أتحدث عن حرية الإزدراء جهاراً نهاراً للأديان و سب مُعتقدات أو مُقدَّسات أي كان، أرفض هذا الفعل الذي هو بعيد كل البعد عن الفكر النقدي الصحيح، و لأنه يُضِر بالتعايش السِّلمي بين مُختلِف مُكوِّنات المجتمعات البشرية يَجِب على الدول التصدي له و مُعاقبتُه من دون قتل أي كان…

الفكر النقدي الذي أتبنَّاه و أدعو إليه لا علاقة له بالسب و الشتم للأشخاص، أو السُّخرية الجارحة من مُعتقدات و ثقافات الناس ؛ بل يعمل بصدق و بلباقة و حكمة و لكنْ دون وَجَل على تصحيح ما أراه غير صائب، و تُعبِّر عنه هذه المقولة لفيلسوف عظيم : « من المفيد في كل الشؤون أن تقوم، من حين لآخر، بِوَضع علامة استفهام على الأشياء التي طالما اعتبرتَها من المُسلَّمات » (برتراند راسل). لن يَعقِل من مشايخنا و عموم المتديِّنين عندنا هذه المقولة الفذة، و يرى بركتها و أنها بمثابة وحيٍ إلهي، إلاَّ أولئك الذين فقِهوا و استَوْعبوا تماماً مُراد هذه الآية القرآنية : « وَ إِذَا قِيلَ لَهُم : "اتَّبِعُوا ما أَنزَلَ الله"، قَالُوا : "بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا". أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لَا يَهْتَدُون ؟ » مُنزِّل القرآن يُؤكِّد و يقول : « لا إكراه في الدين »، و هم يقولون : « مَن بدَّل دينه فَقتلُه علينا فرض. » و بروح طيِّبة و نِيَّة صادقة خالصة أسأل، بعد التأكيد على أني لستُ من هُوَّاة الإستفزاز الأرعن و لا إلقاء الأحكام جُزافاً و بشكل اعتباطي من غير تفكير طويل و دراسة وَافِيَة للموضوع الذي أتحدث بشأنه، أسأل كل المُتشبِّثين لغاية الآن بحُكم الرِّدة : هل في هذه المسألة الخطيرة جداً أنتم تتَّبِعون ما أنزل الله ؟ إن كان ما يمنَعُكم من الإقرار بالخطأ هو الكِبر فَيا لَلْمصيبة !

بَيْد أني أود أنْ أضيف بأنَّ ما أنزل الله ليس محصوراً في صفحات قرآن الله و كُلِّ ما تحويه الكتبُ المُقدَّسة كافة : آيات الخالق مبثوثة في الآفاق، في الأنفس، و في كل شيء على الإطلاق. و الخالق يخاطب كل واحد فينا بغير انقطاع عبر فطرته و ضميره و، كما أخبر القرآن، « لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي… » لذا أتساءل و أنا في غاية الإندهاش : كيف تجرَّأ بعض شيوخ السلف على إعلان باب الإجتهاد في أمور الدين مُغلَقاً إلى نهاية الدنيا، كيف تجرَّأ بعض شيوخ السلف و الخلف على اعتبار التفكير الحر طريقاً شِبه مُؤكَّد إلى الكفر ؟

يقولون و يُردِّدون إن قرآننا يشيد بالعقل، بينما هم في الواقع لا يقيمون وزناً للعقل. لقد لاحظت أمراً آلمني كثيراً و ما عُدت أُطيق السُّكوتَ عنه : القرآن فتح أبْوَابَ التفكير الحر و التعبُّد بإعمال العقل على مِصراعيها، و جمهور المُلقَّبين عندنا بأهل العلم ما ادَّخروا وُسعاً في سبيل إغلاقها. جزء كبير من شغل هذه الطبقة هو إنشاء و صناعة الأصنام الفكرية أي إنتاجُ أفكار يُضفون عليها قداسة زائفة دون أن يروا في ذلك نقضاً للتوحيد. لهذا ما عادوا هُداةً للتي هي أَقْوَم و لا دُعاةً إلى دين قويم. لقد غاب عن أذهانهم ما يلي : الدين القويم و هو الذي يُوائِم الفِطرة و لا يصدِم الضمير و قبل كل شيء يُعين الحياة و يُحسِّنُها و يُخفف مِن قسوَتها، و يُعلِّم المخلوق الآدمِيَّ كيف يكون إنساناً بجدارة و مستحِقاً بالفعل أن يُسمَّى إنساناً، لا يُمكِن أن يستغني عن المُراجعة النقدية الدائمة و التصحيح المُستمر للتَّصوُّرات و الدعائم الفِكريَّة التي يقوم عليها. و هذا يقتضي عدمَ تصنيم أي فكرة هي نِتاج جهد بشري في محاولة فهم النصوص المُؤسِّسة للدين.

سُمعة الإسلام ساءت إلى أبعد حد بين الأنام : الحقيقة بهذا الصدد صارخة، و مهما كانت مؤلمة علينا الإصغاءُ إلى ندائها القوي المُلح بعقولنا، و بقلوبنا كذلك دون مُكابرة أو مُماطلة أو تضييع لِمَزيد مِن الوقت، إن كُنا بالفعل عُشاقاً للحقيقة. لا مَفرَّ لِمشايخِنا و سائر مرجعياتِنا مِن مواجهة هذه الحقيقة، فتلك هي الخُطوة الأولى للوصول إلى رؤية هادية تعينُنا على تَجاوُز أزمات الحاضر و تنير لهذه الأمة الشاردة في بيداء الحياة طريق المستقبل، لا مَفرَّ لنا جميعاً مِن مُباشرة أو مُواصلة البحث عن الحقيقة… إنها فريضة يُحتِّمها واقع الأمة و هذا العالَم، و توجبها ضرورة تجديد بل إنقاذ هذا الدين. كفى تبديداً للطاقات و إهداراً للأوقات في غير طائل، كفى جدلاً عقيماً لا فائدة تُرجى منه، كفى سَعْياً و جَرْياً وراء أشياء ليست أكثر مِن سراب. فَمِنْ غير إعادةِ نظر و إصلاحٍ جذري للمنظومة الفِكرية و القِيَمية لهذا الدين، و بَوَادِرُ ما سأُعلِنه تلوح في الأفق، فإنه سيأتي لا محالة يوم لا أخالُه بعيداً يخرج فيه الناس أفواجاً مِن هذا الدين : رِدَّة على نطاق واسع لن يُجدي في مُواجهتها حُكم الرِّدة !

حُكم الرِّدة هو في حد ذاته رِدَّة كُبرى : حُكم لا أساس له على الإطلاق في تعاليم السماء، و لأجل شَرْعَنَتِه اختُلِقت مقولات نُسبت للرسول ! نبيُّنا رحمة مُهداة و قد أُرسل ليُتمِّم مكارم الأخلاق، كما ورد في الحديث الشريف الذي يحفظه الكبار و الصغار عندنا، لا ليُشرِّع لبني البشر مثل هذه الإستباحة للأرواح. وظيفتُه هي التذكير و النُّصح و التبليغُ عن الله، الله الذي ما خوَّلَه أي سُلطة على ضمائر العباد : « فَذكِّر إنما أنت مذكِّر، لَسْتَ عليهم بمُسيْطر » (قرآن). إلى متى ستظل هذه الأمة المُنتحرة يومياً أسيرة ثقافة الموت، التي أنتجها عندنا و يرعاها و يدافع عنها بضراوة قتلة العقل ؟

و بعد ذلك نجد هؤلاء السادة يَصِمون بالكفر كل مَن يكفر بالأباطيل التي يَزعُمون أنها تعاليم إلهيَّة. أكيداً تركنا نبيُّنا على محجَّة بيضاء ليلُها كنهارها و فعلاً نحن مَدينون له للأبد، فما أنجزه كان رحمة للعالَمين و بركة على الخلائق أجمعين، و لكنَّ شيوخ الدجل و الخبل أحالوا نهارَنا ليلاً أخشى أن نقبع في ظلامه للأبد : بكل تأكيد الأوهام التي تسكن مُخيِّلاتِكم و التي تتوارثونها جيلاً بعد جيل، يا مَن حوَّلتُم ديناً ناصعاً كوجه النهار إلى مَسبَّة في الكثير مِن بلاد و بقاع هذه الدنيا - الدنيا التي أصبحنا فيها أضْيَع مِن الأيتام في مأدُبة اللئام و غيرَ جديرين بأي احترام -، هي سبب هزيمتنا الحضارية و ها هي تودي بأمتنا إلى الفناء شيئاً فشيئاً… بصراحة : أليس مُزعجاً و مُخجلاً لأمتنا المُقتنِعة لِحَد الآن بأنها مُفضَّلة للأبد على العالَمين أن عبارة "دمه حلال" لا تُصادَف اليوم إلاَّ في كتابات و مواقع إلكترونية و خِطابات يُطلِق عليها أصحابُها وصف "إسلامية" ؟ الأمور اسْتَفحلت و ما عاد يُطاق هذا الإنحراف بل الضلال الذي ذهب إلى أبعد الحدود. لم نعُد نستطيع التحمُّل أكثر فالذي يحدث الآن - بل منذ أمد - يُسمع الأصم و يُحيي الموتى و يُنطق الصخر : أمتنا مريضة للغاية و علينا ألاَّ نغفل أو ننسى أن في جسدها مُضغة، إذا صلَحتْ صلح كِيانها كله، و إذا فسدتْ فسد كِيانها كله، يقيناً و دون أدنى شك فهمُها و تصوُّرها العام للدين هو هذه المُضغة.

ورد في الأثر : « مَن تساوى يوماه فهو مغبون. » و مِن جهتي أقول : « مَن تساوى يوماه، خاصة فيما يتعلق بدرجة الوعي و أسلوب التفكير، فَوَا أسفي عليه… » أمتنا تتخبط فعلاً في قدر هائل من الأزمات و المشاكل، و للأسف غفلنا في غَمْرَتها عن حقيقة في غاية البداهة : المشاكل لا يُمكن حلُّها باستخدام نفس طريقة التفكير التي أَوْقعت في هذه المشاكل. قناعتي أنه لا مَناص من تمحيص دقيق لمفاهيمنا السائدة و قِيَمنا الرائجة التي تمارس في الغالب دوراً مُضلِّلاً للكثيرين و تُسهم إلى حد كبير في تزييف وعي عموم الأمة… نحن إذاً بحاجة إلى إصلاح فكري، في المجال الديني بالدرجة الأولى. قطعاً و بالضرورة لا محيد عن مراجعة جادة و جذرية و إعادة نظر في عدد كبير من المفاهيم و الأفكار و المعاني الراسخة في أذهاننا و ذلك في إطارِ عمليةِ تقويمٍ و تجديدٍ كاملٍ شاملٍ لموروثنا الديني.

« إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفُسهم » (قرآن). أوَّل ما يَجِب أن نعمل على تغييره، بِحزمٍ، هو طريقةُ تفكيرنا و نظرتُنا للعالَم. تنصلح الأمور و الأحوال عندما تنصلح العقول و الأفكار. هذا بطبيعة الحال لا يكفي - فلا بد أيضاً أن تنصلح الضمائر و النفوس - و لكنه أكثر من ضروري. فَمِن غير إصلاح فكري جاد و جذري، مُحال أن تنصلح أحوال البلاد و العباد. إصلاح التفكير و تصحيح التصورات هو أساس البناء الحضاري السليم للأمة. هكذا يُبنى الإنسان السوي المستقيم، الذي يَبني حضارة الرحمة الشاملة : « و ما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين » (قرآن). أُطلِقُها، إذاً، مُجلجِلة : لا للحَجْر على عقول البشر و مصادرة حُرية الفكر و التعبير بإسم الدين ! لا لمنطق الوِصاية الفكرية بدعوى محاربة الردة لأنه لا إكراه في الدين !

فاللهم انصر أمتنا على جُملة من التصوُّرات و الأفكار و المُعتقدات، التي لا أساس لها من الصحة و التي أصفها دون تردُّد بالشريرة، فقد أبعدتها عن سماحة و سَعة آفاق و الرحمة الشاملة لدين الإسلام : مجموعة من التصوُّرات و المُعتقدات التي نتَوارثُها على مر الأجيال و التي يستحيل أن يقوم عليها مجتمع سوي… نعم هذه الأمة في حاجة ماسَّة إلى ثورة، الوحيدة التي ستأتيها بربيعِ إقلاعٍ حضاري جديد، الوحيدة التي سَتُمكِّنها من مُواجهة تحدِّيات العصر الراهن باقتدار و تحقيق حضورها الفاعل و الواعي و المُؤثِّر إيجابياً في العالَم، الوحيدة التي بدونها فإن قِطار الزمن سَيُخلِّفها وَراءَه، ثورة في الأفكار التي بداخل العقول. ثورة تُصالحنا مع كُل الوجود : مع الخلق، مع أنفسنا، مع العصر، مع الحياة، مع الدنيا، مع غيرنا، مع الخالق… هذا لن يُفضي طبعاً إلى نهاية شتَّى أنواع المشاكل و النزاعات و التحديات في حياة الأمة سواء كانت أسبابُها داخلية أو خارجية، لكنه سيُفضي إلى تحوُّل نَوْعي بل جِذري في التعامل معها و يكونُ ذلك بأسلوب حضاري راقٍ مدعومٍ بروحانية عالية و أصيلة. إذ يبدو أنَّ النزاعات و الخلافات، هنا في هذه الدنيا، باقية و مُستمرة إلى اليوم الآخِر…

أقول للفُقهاء و مشايخ الأمة بِكُل مَوَدة و احتِرام و لكِنْ دون مُوَاربة : الوضع الحالي لأمتنا يقتضي و يستلزم منكم وقفةً شجاعة و مُصارحةً أمينة. و أنْ تستمعوا إلى الأصوات الناصحة أو الناقدة و لا تصُمُّوا عنها الآذان كما هي عادتُكم للأسف. أحداث بالغة الخطورة و في غاية المأساوية ليس مُمكناً حصرُها فضلاً عن تَعدادِها و شلاَّلات دماء لا تتوقَّف هنا إلا لِتثُور هناك و ما دفعكم ذلك كلُّه إلى مراجعة نقدية جادَّة و عميقة لِتعاليم و تَصَوُّرات قد أثبتت التَّجرِبة العملية أنَّها قتَّالة… ما أبرَعكم في الحديث النظري عن أهمِّية العقل، و أنكم كزعماء و قادة دينيين مع حريته و تُدينون إهمالَه أو الحَجْرَ عليه، فاسمحوا لي أن أُذكِّركم بِأولى مزايا مَن له عقل : العاقل لا يعاند بل يتقبَّل الحقيقة، يتحمَّل مسؤوليَّته و لا يتعصَّب لنفسه مُستعملاً أسلوب اللف و الدَّوَران، يعترف بأخطائه عِوَض التنكر لها أو التملُّص منها أو محاولةِ تبريرها، و يستلهم منها الدروس و العِبر.

ما يسعى له التنويريون الصادقون المُخلصون - و هم كُثر - تُلخِّصه مقولة في منتهى الروعة لمفكر أصيل : « لا بد من إعادة تقديم الدين في أصوله النقية، و بلغة عالَمية عصرية تخاطب الكل في كل مكان، و ليس بلغة طائفية مُنغلقة مُتعصبة. لا بد من تقديم الدين في روحه و جَوهرِيَّته و ليس في شكليَّاته : الدين كتوحيد و خُلق و مسؤولية و عمل بالدرجة الأولى، الدين كحُب و وعي كَوْني و علم و تقديس للخير و الجمال » (مصطفى محمود، "نار تحت الرماد"، 1979). مقولة أخرى لعالِم أزهري عالي القدر تلخِّص جيداً ما نذرت له نفسي و أسعى للمُساهمة في تحقيقه : « إن التصوُّر الصحيح للدين قبل مُمارسته و تطبيقه هو الخطوة الأولى على طريق النهوض بالمجتمع الإنساني. » (عطية صقر، "نعم الإسلام هو الحل، و لكن أين الطريق ؟"، 1990)

ذلك هو حجر الأساس لأي مشروع تحرُّري نهضوي حقيقي في أوطاننا و ضمانُ إسهامنا الفعَّال في بناء حضارة الخير و الحب و السلام التي تهنأ في ظلها جميع مخلوقات الله. و عليه فإني أهتف بحرارة أننا في حاجة مُلحة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة شاملة فردية و جماعية لِمَقولاتنا الفكرية المتوارَثة و لأنماط تفكيرنا و أساليب حكمنا على الأمور و حلِّنا لمشاكلنا و لأدوات تحليلنا و تفسيرنا للوقائع و الأحداث و لِطُرق تعاملنا مع العالَم. هذا من شأنه أن يُوَسع أُفق النظر إلى الأمور كما أنه يُكسبنا قدرة أكبر على التفاعل مع الآخرين و الإنفتاح على ثقافاتهم و الإستفادة منها و من دروس و خبرات التجربة الإنسانية الطويلة بشكل عام. كل ذلك من أجل أن نكون في مستوى الإستجابة الإيجابية لا لأهواء و إنما لمُقتضيات العصر. و لكي ندخل التاريخ من جديد.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر