تأملات خارج النص

قصي الصافي
2022 / 11 / 25

نقد قراءة د.صادق أطيمش لكتاب نهاية الايمان تأليف سام هاريس

يجب ان أشير في البداية الى أن احتراماً جماً أكنه للدكتور صادق أطيمش، فقد ظل دوماً أميناً لنهجه التقدمي ومواقفه الوطنية، إلا اني فوجئت بسلسلة تأملاته لنصوص سام هاريس باحتفائية تعطي انطباعاً للقارئ بان كتاب (نهاية الايمان) يمكن أن يَكون مرجعاً هاماً تنهل منه مجتمعاتنا في مسيرة التنوير و الإصلاح الديني. في الوقت الذي اتفق فيه تماماً مع كل تحليلات وتأملات د. صادق، الا انها جاءت خارج نصوص الكتاب، وكأنها إسقاطات عقلانيه علمية مناقضة لما يروج له سام هاريس المهووس برهاب الاسلام وكراهيته للعرب ودعمه غير المحدود للعنف الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وذلك واضح في جميع كتاباته و لقاءاته و البودكاست الذي يقدمه على الانترنيت، وقد نجح هاريس في تحقيق شعبيه واسعة في أوساط اليمين المتطرف وخاصة حركات اليمين المسيحي ( Christian right) ، ومنظمات القوميين البيض (white nationalist)، وكانت افكار سام هاريس العنصرية هدفاً دائماً للنقد اللاذع من قبل اليساريين والليبراليين في الاوساط الثقافية في اميركا واوربا.

الخوض في تفصيلات الحلقات الست من تأملات د.صادق بحاجة الى صفحات مطولة لتبيان ان قراءته جاءت معاكسة بل تجميلاً غير مقصود لبشاعة النصوص الهاريسية، ولذا سأكتفي بالقليل من المقاطع و أكرس المساحة الأكبر للتعريف بأفكار وتوجهات سام هاريس ومواقفه السياسية، ليتضح للقارئ استحالة انسجام تأويلات د. صادق لنصوص الكتاب مع توجهات ومواقف المؤلف.

يوضح لنا د.صادق في أكثر من مكان التوظيف السياسي للدين والذي انتج سلسلة من الحروب وأحداث العنف عبر التاريخ، فيشير الى الحروب الصليبية، والحركة الصهيونيه التي استغل مؤسسها (وقد كان ملحداً بالمناسبة) نصوص التوراة، ثم يعرج على حملة الدكتاتور الإيمانية ودورها في تكريس الطائفيه والتعصب، و استغلال الدين من قبل الاسلام السياسي و المليشيات الارهابية بعد الاحتلال. تحدث أيضاً عن تغول السلطة الدينية الاستغبائية للاحزاب السياسية و تفوقها على السلطات الدينية المسؤولة عن الارشاد الديني وفق النصائح والتعاليم الصحيحة وليس بالتجهيل والخرافات والأساطير الكاذبه، ويمكن ان أضيف أن المؤسسة الدينية المسؤولة عن الارشاد هي ايضاً تعمد الى التجهيل و أسطرة الدين لضمان هيمنتها على اتباعها وتعزيز سلطتها على المجتمع. ويعزو د. صادق التعصب الديني الى الجهل وقصور برامج التعليم وعدم القدرة على التناغم مع التطور الحضاري والحداثة، ويدعو الى الاصلاح الديني، اي انه يشاطر اوليفيه روا في وجهة نظره بكتابه (الجهل المقدس ) والقائلة: "في ظل الحداثة تنشطر المجتمعات الدينية الى أكثرية لا تمارس ما يرد في النصوص الدينية حرفياً و تنسجم رغم ايمانها الديني بصيغة توفيقية مع معطيات الحياة المعاصرة، و أقلية تنسحب خارج مجتمع الحداثة احتجاجاً فتمارس الارهاب في محاولة يائسة للعودة بالتأريخ الى الوراء."

أغلبية الشعب الامريكي على سبيل المثال تؤمن بالمسيحية -دون الالتزام بحرفية النصوص- دون أن يشكل إيمانهم عائقاً لتطور المجتمع ولا إنسلاخاً لهذه الملايين عن مجتمعهم المعاصر.

كما ذكرت في المقدمة باني أتفق تماماً مع تلك التحليلات العلمية، ولكن سام هاريس الذي يعرضه د.صادق كداعية للاصلاح الديني غير سام هاريس الحقيقي الذي يصر على ان المؤمنين بالدين وخاصة المسلمين منهم، حتى اذا ما افترضنا تجاوزهم حرفية النصوص و انسجامهم مع الحياة المعاصرة واحترامهم للقوانين في المجتمعات الحديثة، أنما يشكلون خطراً على الحضارة الأوربية مالم يتم استئصال الايمان الديني تماماً من رؤوسهم و تنقيتها من اي شائبة ايمانية، بحيث نصل الى مجتمع (المدينة العلمية الفاضلة) مجتمع خالٍ من المؤمنين باي دين ولا حيز فيه لغير المنطق العلمي الخالص. تلك الفكرة الطوباوية - النقيضه لابسط مبادئ الإبستمولوجيا- و المنافية أيضاً لجوهر الديمقراطية التي تتيح للفرد حق الإيمان بما يريد، بل حقه بالتمسك حتى بجهله، تلك الفكرة هي الركن الاساسي الذي تأسست عليه حركة الملحدين الجدد، وكان هاريس من مؤسسيها الى جانب كريستوفر هيجنز و دوكنز، الحركة التي وصفها تشومسكي بانها دين بحد ذاتها رغم عدم وجود فرض الصلوات فيها، فهي تستبدل الله كمطلق بالعلم الذي لا يعرف الاطلاق أصلاً.
وفي مقابلة مع الكاتب كريس هجز سئل عن حركة الملحدين الجدد فكان جوابه: " كان أمراً صادماً لي كيف وظف هؤلاء العلمانية والعلم لتسويغ الشوفينية والتعصب والكراهية العنصرية مما تعودنا ان نسمعه في خطاب اليمين المسيحي" وقال أيضاً " هؤلاء اصوليون بلباس علماني".

في تأمل د. صادق للنص الخامس الذي يرى فيه هاريس ان للمؤمنين المعتدلين دوراً اساسياً في تقديم التسهيلات الثقافية للتعصب الديني، يبتعد الدكتور صادق عن معنى النص حين يشير الى تكاتف السلط السياسية والدينية في تجهيل الشعوب وتكريس التعصب، ثم يستعين بمعاجم اللغه عن معنى الحجاب فيخلص الى ان الحجاب هو مجرد تمييز بين غطاء رأس الرجل وغطاء رأس المرأة تحت أشعة الشمس الحارقة في الجزيرة العربيه، وإن الآية جاءت لحماية النساء من تحرش الرجال، وإن الفقهاء وشيوخ الدين قدموا تأويلات وتفسيرات لجعل الحجاب بالجلباب أو البرقع فرضاً دينياً واجباً... الخ. إلا ان هاريس وفي كل كتاباته وتصريحاته يذهب الى غير ذلك، فهو ينفي ان يكون هناك اعتدال ديني يعتد به، وينتقد اليساريين و اللبراليين في تمييزهم بين المؤمن الراديكالي المتطرف والمؤمن المعتدل المنسجم مع الحداثة. بل أن تفسير الدكتور صادق للآية المتعلقة بالحجاب سيدرجه في لائحة اتهام هاريس على انه ضمن من يقدم تسهيلات ثقافية للتعصب الديني بتفسيره العقلاني للنص.
في معظم مقابلاته يحلو لهاريس الادعاء بان 80% من المسلمين (أكثر من مليار) ممن يظهرون الاعتدال مستعدون للجهاد حتى الموت من أجل ما يعتقدونه دفاعاً عن دينهم وهم يرون أن الديمقراطية والحريه في المجتمعات الغربية كفر يجب محاربته، وبتعبيره هم مشاريع مؤجلة للأرهاب أو قنابل موقوته. ( علما انه حسب استفتاء غالوب نسبة 93% من المؤمنين المسلمين يدينون الارهاب ويمارسون الدين باعتدال مقابل 7% يتبنون مواقف دينية راديكالية وغالباً لأسباب سياسية ، وقد اتضح في الاستفتاء نفسه أن معظم المسلمين -بما فيهم الراديكاليبين- معجبون بالديمقراطية الغربية)، ( دراسة صادرة عن البنتاغون عام2004 تؤكد أيضاً ان المسلمين لا يكرهون الديمقراطية والحريه في الغرب وانما يبغضون السياسة الخارجية للغرب)

مما يثير الاستغراب أن النص أدناه لم يستوقف الدكتور صادق رغم خطورته، فقد كتب هاريس ببرودة دم في ص 124 من كتابه:

(ماذا سنفعل اذا كان النظام الإسلامي الذي تدمع عيناه بمجرد ذكر الجنة، يمتلك أسلحة نووية بعيدة المدى؟ اننا لو رجعنا للتأريخ فلن نستطيع التأكد من مواقع الرؤوس النووية الحربية المعتدية أو ما حالة تأهبها، وايضا لن نكون قادرين على الاعتماد على أسلحتنا التقليدية لتدميرها. في مثل هذه الحالة يبدو ان الشيء الوحيد الذي سيضمن بقاءنا هو ضربه نووية استباقية من جانبنا. من نافل القول ان هذه تبدو جريمة لا يمكن تصورها، اذ انها ستقتل عشرات الملايين من المدنيين الابرياء في يوم واحد، ولكنها خيارنا الوحيد اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما يؤمن به الإسلاميون )... هَكذا اذن!؟؟

طالما ان قتل عشرات الملايين ببرود هي لعبة افتراضات لدى هاريس المهووس برهاب الإسلام، لنشترك معه في لعبة الافتراض هذه، فلو كان هاريس صاحب القرار في الضغط على ازرار بدء الهجوم النووي، ولنفترض ايضاً أنه قد وضع على طاولته تقرير ملفق على غرار تقرير اسلحة الدمار الشامل التي زعموا امتلاكها من قبل دكتاتور العراق، واذا كان التقرير الملفق الجديد يزعم ان ايران أو اي دولة اسلاميه قد توصلت الى تصنيع السلاح النووي والصواريخ العابرة للقارات، فهل سيكون قتل عشرات الملايين من الابرياء يد هاريس مجرد خطأ غير مقصود؟؟؟ ألم تسقط الولايات المتحدة قنابلها النووية على اليابان بزعم أن لاخيار سوى ذلك لانهاء الحرب وحقن الدماء؟ وقد كشفت الوثائق لاحقاً أن اليابان قد قررت أصلاً استسلامها عبر الوسيط السوفيتي وقد أعلمت اميركا بذلك قبل أيام عديده من هجماتها النوويه؟؟

لم يستوقف الدكتور صادق ايضاً ادعاء هاريس في الكتاب ان اسرائيل تلتزم باعلى معايير حقوق الانسان و تحرص على سلامة المدنيين قدر الامكان على عكس العرب الذين يحاولون قتل أكبر عدد من المدنيين و يستخدمون الاطفال كدروع بشرية ٠... الخ
بالطبع سام هاريس غير آبه بتسوية قرى ومدن لبنان مع الارض بالقنابل وقتل آلاف المدنيين عام2006 و قصف غزه المستمر و قمع الانتفاضة باعنف الوسائل.
أدان تقرير منظمة العفو الدوليه 2008 جرائم الحرب التي اقترفها الجيش الأسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين واستخدام الجيش الاطفال دروعا بشرية، وأشار التقرير ايضاً الى ان البعثة لم تجد اي دليل على استخدام المقاتلين الفلسطينين للمدنيين كدروع، ولا ما تدعيه اسرائيل باستخدام المساجد والمستشفيات كمَخازن للأسلحة. وقد اصدرت منظمة حقوق الانسان الاسرائيلية بيت سيلم تقريرها مؤخراً صنفت فيه اسرائيل كدولة فصل عنصري وأدانت العنف المفرط ضد المدنيين، كما اصدرت لجنه من الامم المتحدة تقريراًً مماثلاً.

تجنباً للاسهاب سأمر بعجالة على بعض ما يروج له سام هاريس في كتاباته وتصريحاته ومعظمها ليست بحاجة لتعليق إلا انها تشي بجلاء إن لبوس العلمانية و الإلحاد الذي يدعيه ليس سوى تغطيه لدور سياسي يميني وكراهية للعرب والمسلمين، وليس نقداً علمياً أو فلسفياً للدين .

- حربنا على العراق حرب دينية.
- في العراق لا نحارب الارهاب بل الاسلام.
- غضب المسلمين من السياسة الخارجية الامريكيه والبريطانية منشأه ثيو لوجي( ديني)، فالمسلم يرى الامر تدنيساً اذا ما أطاح الكفار بطاغية و احتل ارضهم بغض النظر عن حسن نوايا الكفار و شرور الطاغية!! ( رحّب معظم الشعب العراقي بسقوط الطاغية ولكننا لم نلمس النوايا الحسنة سوى في خراب بلادنا و المحاصصة وهيمنه الاحزاب الدينية ونهب الثروات )
- يجب فرض رقابة في المطارات وكل الاماكن ليس على المسلمين فقط بل على كل من يشك بانه مسلم.
- الفاشيين الاوربين هم للأسف وحدهم من يعرف خطر الإسلام وكيفيه التعامل معه. ( هنيئاً لداعية التنوير والعلمانية بتطابق نهجه مع الفاشيين الجدد)
- مالم يدرك اللبراليون أن عشرات الملايين!! من المسلمين هم أكثر رعباً من ديك تشيني، فانهم ليسو ا قادرين على حماية الحضارة الأوربية.
- في مقاله بعنوان دفاعاً عن التعذيب يتناسى تشدقه بالديمقراطية فيقول صراحة أن التعذيب والايهام بالغرق( waterboarding ) في بعض الاحيان ضروري و مبرر أخلاقياً.
- في أكثر من مقال ومقابلة يجرد اي مقاومة في الاراضي المحتلة من البعد الوطني ويعزو دوافع اي فعل مقاوم الى الواجب الديني وكراهية اليهود! ويتساءل متظاهراً بالسذاجة وربما بشئ من السذاجة : أليس من السهل ان ندرك ان سهولة التضحية بالنفس في عمليه انتحارية منشأها ديني يأمر به الاسلام، ويسأل أيضاً لماذا لم ينتحر أي مسيحي من أجل فلسطين.
رغم أني لاأعير كثير الاهتمام بالرد من زاوية دينية ولكن من المثبت ان الانتحار محرم في الإسلام، ولكن هل يعلم هاريس ان 400 عمليه انتحارية نفذها أعضاء فى النمور الحمر وهم بوذيون، ألم يسمع بالعمليات الانتحارية التي نفذها مجموعة من الطيارين الشباب غير المدربين من السلاح الجوي الألماني ضد الحلفاء وهم مسيحيون أو ربما ملحدون، وهل يعلم ان من العمليات الاستشهادية التي نفذتها المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل كان بينهم مسيحيون وعدد من الملحدين.

قصي الصافي

المراجع:
- The End of Faith, Religion, Terror and future of Reason by Sam Harris
- Mondoeiss june 25 2012 by Theodore sayeed
- Sam Harris, the New atheists, and anti- Muslim animus by Glen Greenwold
- samharris.org
- Moral landscape by Sam Harris
- Bombing our illusions by Sam Harris, Huffington post oct 10, 2005
- Mired in a religious war by sam Harris, The washington times Dec 1, 2004
- The End of faith review by John perkins.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر