قطار آخن 32

علي دريوسي
2022 / 11 / 25

دخل إبراهيم إلى قسم الشرطة مهرولاً علّه يسترد أنفاسه المتقطعة، اِلتقى اِمرأتين ورجلاً.
ـ صباح الخير سيداتي سادتي.
ـ قل ما لديك، كلّنا آذان صاغية.
ـ هل ترغبون رؤية بطاقتي الشخصية أولاً؟
ـ تكلم أيها السيد!
ـ أتنتظرون أن يصل كلامي إلى قلوبكم كي تردوا التحية؟

لا لن أتكلم، لم يعد لي مراق، أريد أن أتابع ركضي وهروبي، الشرقي الفقير لن يتوقف عن الركض، لا أحد يمنعنه ولا أحد يهتم لأمره، هذا قدرنا.

الشرطة هنا لا ترد على التحية بلغة الكلمات إنما بلغة العيون، الشرطة هنا تُصْغي أكثر مما تتكلم، الإصغاء فنٌ.

الشرطة هناك، في الشرق، تستجوب ولا تسمع، ترد على التحية بالعصا، تهاجمك، تضربك، تكسر رأسك، تهشم عظامك وتدوس كرامتك وهي تضحك.
"من طال لِّسانه عظم بلاؤُه، اللِّسان هناك ليس للنطق بل للبلع".

ها أنا أقفُ أمامكم بشحمي ولحمي كطفلٍ ضائعٍ، كطفلٍ جائعٍ، كطفلٍ هاربٍ من معلمته، كطفلٍ عائدٍ إلى حُضْنِ أمه، قادمٌ إليكم وكلني ثقة بأنكم ستعيدونني إلى معلمتي، حاملاً جسدي المُتعب على كتفي، ممسكاً بعصافيرِ بطني التي أتعبتني زقزقاتها.
لم أتوقعْ أنْ ألجأَ إليكم، لم يخطرْ ببالي يوماً أنْ اضْطَرَّ لحمايتكم.

لا تردون التحية بل تنظرون إلى وجهي الخائب المُلاحق بنشوةِ من وجد عملاً ينشغل به، هل ماتت أحاسيسكم؟ أستغرب صمتكم وحياديتكم.
لأن ـ كما تفضّل السَّيِّد يَسوع ـ يدخُلَ الجملُ من ثَقبِ الإِبرة أَيسَرُ ألف مرة من أن يفهم الشرقي طرائق تفكيركم وأشكال الحياة في مجتمعكم.
وأنتَ في طريقك إلى مدينة دورتموند اِذهب إلى كنيسة "سان بونيفاتيوس" الكاثوليكية، لترى بأم عينك كيف يسعى الجَمَل ليخرج من ثقب إبرة.
هل أنتم رجال القانون أم رجال حماية نساء الكوكايين في هذه المدينة؟

لماذا تنظرون إليّ بعيون باردة يا سادة؟ لماذا لا تصدقون حكايتي مع الكوكايين؟ لماذا لا تعتقلون من يحاول اِغتصاب روحي؟ أشعر بنظراتكم الساخرة وكأنكم تحسدونني على سذاجتي، حسناً سأطيعكم كما كنت أطيع أمي بنظراتها الباردة، سأطيعكم وأعودُ جائعاً ظمآناً إلى معلمتي سابينه.

ـ دَخنتُ كثيراً في الأيام الأخيرة!
ـ ما الغرابة في ذلك؟
ـ دعتني امرأة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في شقتها.
ـ كن سعيداً أنّ هناك من يرغب مُجالستك.
ـ جلسنا تحت خَميلةِ الكوكايين.
ـ أين مشكلتك؟ لا وقت لدينا نُضَيّعُه مع هلوساتك.
ـ لا أفهم غاياتكم، لا أحد يفهمكم!
ـ أيُّها الشرقيون لا تقربوا الكوكايين وأَنْتُم حَيَارى، حتى تعلموا ما تفعلون.
ـ أنا هنا كي أقول لكم إنّ نساء السيارة البيضاء يرغّبن باِختطافي! أنا هنا كي تنقذوا ما تبقى مني، كي تعيدوا لي كرامتي.
ـ أنتَ تنظرُ إلينا بمنظارٍ عتيق، هذه ليست مهمتنا، أنتَ تعيش اليوم في ألمانيا الاِتحادية لا في ألمانية الشرقية، زمن الاِستبداد والقمع ولّى، أنتَ إنسان حُرّ في بلدٍ حُرّ، لك الحق أنْ تفعل وتعيش كما تشاء، هل سرقتكَ النساء؟ هل ضربنك؟ هل عذبنك؟
ـ لا، لم يحدث شيئاً من هذا القبيل، مازال كل شيء في حوزتي.
ـ اِذهب من هنا أيها الهائم على وجهك، كن شاكراً لنساءٍ لاطفنك، هذا نادراً ما يحدث في هذا البلد، تعلّم ألّا تلجأ للشرطة في المستقبل إلّا بعد حدوث جريمة.
ـ لكنني خائف من سيارة بيضاء تلاحقني!
ـ لا تخف، أنت تتوّهم فقط، ما زلت تعيش حالة الكوكايين، لا أحد يلاحقكَ، لا أحد يهتم بشأنك، اِذهب للنوم والراحة، كل شيء سيتحسَّن!
ـ هل أنتم واثقون؟
ـ أرسلنا من يبحث عن سيارة بيضاء، لمْ نجدْ لها أثَراً، إنها مجرد أخْيِلَة يظنُّها الإنسان وقائع في حين أنها اختلاق ذهنيّ مرضيّ، بدأ صبرنا ينفذ.
ـ وداعاً أيها السادة، شكراً لوقتكم الثمين. أين الطريق إلى محطة القطار؟
رد الشرطي الذي كان يكتب كل شيء على لوحة المفاتيح الرقيقة التي أمامه، بالأصابع العشرة وبسرعة فائقة ودون أن ينظر إلى ما يكتب بل إلى وجه إبراهيم، يكتب دون أن يعرف حتى اِسمه:
ـ وداعاً، انتبه إلى نفسك.
"في الكأس الأخيرة تكمن النشوة، هذا بيت الحِكمة".

قالت الشرطيتان وكأنّ لهما رأس واحد:
ـ فكر ملّياً أيها الشرقيّ الكئيب بما يجعلك تُزهر في الحياة واِتبعه.
ما الذي يجعلني أُزْهر؟
سأل إبراهيم، كبش فداء حكايتنا، نفسه ومضى خارجاً من قسم الشرطة باتجاه الشارع، ملأ رئتيه بالهواء، الدَوَاء المُنْعِش، كانت المدينة هادئة، لا أثر للمطر فيها، الشمس مُشرقة والحياة تتجدّد، أمأم:
حقاً ما الذي يجعلني أُزْهر؟
"ربما العطالة والعادة فقط ما يمنعاني أن أكون على بينةٍ من الجديد في داخلي، ربما الكوكايين وحده ما يعيقني عن شعوري بالإزهار".
**


وقف إبراهيم عند إشارة مرور، الضوء أحمر، يحلو اِنتظار الضوء الأخضر في الشوارع المزدحمة، يحلو أكثر إذا بادلتك النظرات اِمرأة حلوة تقف في الطرف المقابل، وضع يده اليسرى على وجهه، تَحَسَّسَ ذَقَنه الناتئ، كلّم نفسه: سأحلق ذَقَني حالما أصل غرفتي في آخن، سأحلقها وبجانبي كأس شاي أسود.

رأى لافتة زرقاء كُتب عليها بالأبيض "بانهوف مدينة مورس" وسهماً يُشير إلى اِتجاه محطة القطار، توقف لبرهة، أشعل سيجارة غارغويل، سحب دخانها بعمق وتابع سيره.

وصل إلى محطة القطار، الحركة قليلة في هذا الوقت فالساعة قد شارفت على العاشرة، من ذهب إلى عمله ذهب أبكر من هذا الوقت بكثير، لم يتبق هنا إلا العاطلين عن العمل بإرادتهم ومن هم في عمر التقاعد، بحث بعينيه المتعبتين عن دورات المياه، أفرغ أمعاءه، غسل يديه ووجهه، أخرج من حقيبته غياراته الداخلية، منشفة، معجون أسنان وفرشاة، نظّف أسنانه، بدّل ملابسه الداخلية، وضع قليلاً من الجيل على شعره وخرج يبحث عن كافيتريا المحطة، طلب فنجان قهوة كبير وقطعتي كراوسون، من كرسيه اِستطاع أن يتابع مواعيد رحلات القطارات، شَرِقَ بالقهوة وفتات الكراوسون حين عَلِمَ بأنّه سينتظر في المحطة قرابة الساعتين قبل أن يحين موعد رحلة قطاره المسافر إلى آخن، بسبب أعطال طارئة في سكة الحديد، تأفَّف ونهض من جلسته، شعر بآلام خفيفة في ظهره حمل حقيبته وكوب قهوته وخرج إلى الشمس.

مدّ أصابعه إلى علبة غارغويل ، العلبة فارغة، رماها في سلة المهملات، تَذكَّر أنّ سابينه قد حشرت في جيوبه أكثر من علبتين، وجد علبة ثانية، فتحها بتلذذ، وضع سيجارة بين شفتيه، جاءه همساً من خلفه، "دو أرشلوخ"، سحبت السيجارة من شفتيه، رمتها، شدته من قميصه، رضعت شفتيه، براحة يدها اليسرى حضنتْ خصيتيه المنتبجتين بشبقٍ:
ـ أكرهكَ، جَنْنَّتَني.

اِستَنشَقَ الهواء الخارج من أنفها، تشمَّم رائحتها، اِستيقظ، تمتم:
ـ تأخرتِ، اشتقتكِ!

وضعتْ رأسه بين كفيها، نظرتْ إلى عينيه وقالت:
ـ حبيبي، ما تزال تحت تأثير كوكاكيين الأمس، لا تقلق، كل شيء سيعود إلى طبيعته، ثق بي.
أجابها كالمسرنم إلى حتفه:
ـ أثقُ بك!
ـ الكوكايين يجعلك حراً.
ـ ...
ـ تعال معي حبيبي، هنيلوري تنتظرنا في السيارة، لا نرغب أنْ نضيّعكَ!

ما إنْ وصلا إلى السيارة البيضاء، حتى فُتِح الباب ونزلت منها هنيلوري، اِبتسمت بعصبية وقالت نصف ممازحة:
ـ أتعبتنا في عيد ميلادي، اِصعد إلى السيارة وكن عاقلاً.

الرجل الذي يجلس خلف المقود بكرشه الكبير ونظارته السوداء، بذقنه الخرنوبية وشعر رأسه الحليق، بالأقراط المتدلية من أذنيه، ظلّ صامتاً كرجل لا يسمع، لا يتكلم ولا يرى! وصلوا إلى بيت سابينه، نزلوا من السيارة البيضاء، لم يتحرك الرجل السائق من مقعده، فتح نافذة مقعده وقال بألمانية ركيكة شبه ساخرة:
ـ "لدى كل إنسان أسبابه ليعتقد أن بإمكانه تعلم الطيران كما المشي"، سلام عليكم حبيبي، لا تحاول الطيران في المستقبل.
**

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر