القرآن محاولة لقراءة مغايرة 128

ضياء الشكرجي
2022 / 11 / 24

لِّلرِّجالِ نَصيبٌ مِّمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِّمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصيبًا مَّفروضًا (7) وَإِذا حَضَرَ القِسمَةَ أُلُوا القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينُ فَارزُقوهُم مِّنهُ وَقولوا لَهُم قَولًا مَّعروفًا (8) وَليَخشَ الَّذينَ لَو تَرَكوا مِن خَلفِهِم ذُرّيةً ضِعافًا خافوا عَلَيهِم فَليَتَّقُوا اللهَ وَليَقولوا قَولًا سَديدًا (9) إِنَّ الَّذينَ يَأكُلونَ أَموالَ اليَتامى ظُلمًا إِنَّما يَأكُلونَ في بُطونِهِم نارًا وَّسَيَصلَونَ سَعيرًا (10)
تبدأ الآية بتقرير أنْ «لِّلرِّجالِ نَصيبٌ مِّمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ»، هو طبعا نصف نصيب الرجال، فمساواة المرأة بالرجل حرام في الإسلام. في هذه الآيات وصايا ومنها فرائض واجبة في قضايا الإرث على النحو الإجمالي، وسيأتي تفصيل طويل عن أحكام الإرث، وكما نجد هنا تحذيرا لأولئك الذين يتزوجون بأرملات ذوات أطفال يتامى الأب، فتكون لهم الوصاية عليهم، وعلى ما ورثوه من آبائهم المتوفَّين، فيستغلون هذه الوصاية ويستخدون مواريث اليتامى الذين في كنفهم في شؤونهم الخاصة، بدلا من حفظها كأمانة حتى بلوغهم سن الرشد، ليسلموها إليهم، باستثناء ما اضطروا أن ينفقوا من تلك الأموال على أطفال زوجاتهم، لضيق حالهم، فتتوعده الآية الأخيرة، بأنهم سيُطعمون نارا في الآخرة وتصلى أجسادهم في السعير.
يوصيكُمُ اللهُ في أَولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ فَإِن كُنَّ نِساءً فَوقَ اثنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِن كانَت واحِدَةً فَلَهَا النِّصفُ وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِّنهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّم يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَّوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كانَ لَهُ إِخوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ يّوصي بِها أَو دَينٍ آباؤُكُم وَأَبناؤُكُم لا تَدرونَ أَيُّهُم أَقرَبُ لَكُم نَفعًا فَريضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا (11)
في هذه السورة نجد تفصيلا في هذه الآية وما بعدها لأحكام الإرث، ضمن ما يكاد يشمل كل الاحتمالات، على الأقل فيما هي العلاقات الأسرية آنذاك. ولا نريد أن نتوقف عند كل آية وكل جملة وكل حكم، لنرى كم هو موافق لموازين العدل، وكم هو على غير ذلك. لكن لنتوقف فقط عند مطلع هذه الآية: «يوصيكُمُ اللهُ في أَولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ»، فالذكر مفضل في القرآن على الأنثى، فالوارث الذكر يرث ضعف ما ترثه الوارثة الأنثى، وللرجل الحق بالزواج بأربعة أضعاف ما للمرأة، علاوة على العدد غير المحدود من ملك اليمين، وأنواع الزواج الأخرى، كزواج المتعة أو الزواج الموقت، كما عند الشيعة، وزواج المسيار وزواج المسفار وزواج في بيت أبيها، وغيرها عند السنة، وأخيرا استحدث تنظيم الدولة الإسلامية الذي عرف باسم (داعش) ما أسموه جهاد النكاح. نعرف إجابات المدافعين عن القرآن، وحساباتهم التي ينتهون بها إلى أن المرأة بالنتيجة مفضلة ماليا على الرجل، ذلك بأننا لو افترضنا بأن هناك شقيقا وشقيقة ورثا حسب ما تراه الشريعة الإسلامية، بحيث يكون للشقيق ضعف ما لشقيقته، ولنفرض أن كلاهما تزوجا، وكلاهما أنجبا أربعة أطفال، ولندع رخصة تعدد الزوجات للشقيق، فبهذه الحالة على الشقيق أن ينفق على نفسه وزوجته وأطفاله الأربعة، بينما شقيقته لا يجب عليها النفقة، فيكون ما ورثته لها وحدها، فتكون حصتها مما ورثا ما يعادل في مثالنا هذا ثلاثة أضعاف ما له. لكن في هذا الموضوع اختلفت المذاهب والفقهاء، فمنهم من جعل الوصاية على مال الزوجة بيد زوجها، ومنها ما برر أن حصتها نصف حصته، لأنهم يرونها كإنسان نصف قيمة الرجل، ومنهم من برر ذلك بكون القيمة الاقتصادية للمرأة هي نصف القيمة الاقتصادية للرجل، غير ملتفتين إلى تغير الزمان والظروف، بحيث أصبحت المرأة تنفق على الأسرة كما الرجل في الكثير من الحالات، وفي بعض الحالات تكون أصلا هي التي تنفق، لأي سبب يجعل الرجل بلا عمل، ثم عمم هؤلاء هذه القاعدة المدعاة بكون القيمة الاقتصادية للمرأة غيرها للرجل على الكثير من الحالات، كالدية وقصاص القاتل وغيرها. والقليل جدا من التنويريين قالوا إن جعل حصة الأنثى نصف حصة الذكر من الإرث، هو من قبيل جعل حصة لها، حيث كانت بعض القبائل العربية لا تورث المرأة أصلا، ومن هنا يقولون إن هذه الحصة لا يجب أن تكون ثابتة، ويمكن ضمن معطيات ما أن يتساوى الذكور والإناث في الإرث، لكن هذا يمثل رأيا شاذا، يرفضه الأغلبية الساحقة من المفسرين والفقهاء، ولا يتوافق مع القرآن. في الواقع، لم تكن هناك حاجة لهذا التفصيل في الإرث، بل كان يمكن الاقتصار على توخي أقصى المكن من العدل في الوصية، دون انحياز.
وَلَكُم نِصفُ ما تَرَكَ أَزواجُكُم إِن لَّم يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكنَ مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ يّوصينَ بِها أَو دَينٍ وَّلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكتُم إِن لَّم يَكُن لَّكُم وَلَدٌ فَإِن كانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكتُم مِّن بَعدِ وَصِيَّةٍ توصونَ بِها أَو دَينٍ وَّإِن كانَ رَجُلٌ يورَثُ كَلالَةً أَوِ امرَأَةٌ وَّلَهُ أَخٌ أَو أُختٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِّنهُمَا السُّدُسُ فَإِن كانوا أَكثَرَ مِن ذالِكَ فَهُم شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ يّوصى بِها أَو دَينٍ غَيرَ مُضارٍّ وَّصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَليمٌ حَليمٌ (12) تِلكَ حُدودُ اللهِ وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسولَهُ يُدخِلهُ جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها وَذالِكَ الفَوزُ العَظيمُ (13) وَمَن يَّعصِ اللهَ وَرَسولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدودَهُ يُدخِلهُ نارًا خالِدًا فيها وَلَهُ عَذابٌ مُّهينٌ (14)
الآية الأولى جاءت تكملة لما قبلها في تفصيل بقية أحكام الإرث، وبينا الرأي في ذلك. ولكن الآيتين التاليتين تعد من يلتزم بهذه الأحكام، والذي يكون بذلك قد أطاع الله ورسوله، وهي في الواقع طاعة الثاني دون الأول بالضرورة، فذلك «يُدخِلُهُ [اللهُ] جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ»، وأما من لم يلتزم بهذه الأحكام بل اجتهد في وصيته، حتى لو كانت أكثر عدلا من أحكام الإرث هذه، فهو بمثابة من «مَن عصَى اللهَ وَرَسولَهُ، وَتَعَدّى حُدودَهُ»، ولذلك فيستحق أن «يُدخِلَهُ [اللهُ] نارًا خالِدًا فيها وَلَهُ عَذابٌ مُّهينٌ». التطميع والترغيب من جهة، والتخويف والرعيب من جهة أخرى، هو ديدن مؤلف القرآن، حتى في القضايا غير ذات الأهمية، كصيد البر في الأشهر الحرم.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر