نظرة على -بيت الجيران- - الحبشة

الطاهر المعز
2022 / 11 / 21

الحبشة، حالة حرب مستمرّة
تقديم
تُعتبر الحبشة من أجوار العرب في إفريقيا وهي منبع نهر النيل الذي يصب في السودان ومصر ولها خلافات معهما بشأن حصة كل بلد من مياهه، وهي مهد حضارة عريقة، ومهد المسيحيين الأقباط، منذ القرن الثاني عشر، وهي كذلك من مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية، أو الإتحاد الإفريقي الذي يقع مقرّه في العاصمة أديس أبابا، كما احتلت الحبشة أراضي أريتريا، سنة 1962، لتتمكن من الوصول إلى ساحل البحر الأحمر، وتمكنت الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا من افتكاك الإستقلال سنة 1991، ثم تحالفت مع النظام القائم في الحبشة بعد ذلك، لأسباب جيو- استراتيجية... كما تُعدّ الحبشة ثاني أكثر الدّول الإفريقية سكّانًا (بعد نيجيريا) بحوالي 120 مليون نسمة، غير أن الناتج المحلي الإجمالي ضعيف، ويبلغ حوالي 111 مليار دولارا، سنة 2021، وفق بيانات البنك العالمي.
يُعتبر نظام الحبشة وكذلك نظام أريتريا من أصدقاء الكيان الصهيوني (مثل بعض الأنظمة العربية)، رغم الدّعم الذي قدّمه التقدميون العرب للجبهة الشعبية لتحرير أريتريا وزعيمها "إيساياس أفوِرْكِي" الذي يترأس دولة أريتريا منذ الإستقلال، سنوات كفاحها المسلّح ضد الإحتلال الحبشي.
تَنوّع سكّان الحبشة الذين ينتمون إلى قَوْميات وأديان ولغات عديدة، منها الأورومو والأمْهَرَا والتيغراي وغيرها، ويُشكل هذا التنوع ثروة ثقافية، ولكنه يُسبّب كذلك بعض المشاكل، وصلت إلى النزاعات المُسلحة، ومنها نزاعان قائمان حاليا، تتناول هذه الفقرات أحدهما، بين الحكومة المركزية والجبهة الشعبية لتحرير تِغْرَايْ...
خلفيات حرب إقليم تيغراي
انطلقت المعارضة المسلحة لنظام حكم "منغستو هايلي ماريام" عند انتشار مجاعات متعددة، سنة 1988، أدّت إلى هلاك حوالي ثمانية ملايين نسمة، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي إحدى أكبر الفصائل المسلحة، وتنسّق عملها مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، التي كانت تحتلها الحبشة حتى انهيار الإتحاد السوفييتي ونظام "الدّيرغ" الذي يترأسه "منغستو هايلي ماريام"، بعد تحالف العديد من التنظيمات الإثيوبية المُسلحة، بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في مؤتمر السودان سنة 1988، لأنها كانت الأقوى عسكريا وتنظيميا، ثم تأكّدت رعاية الولايات المتحدة وبريطانيا لهذا التحالف الذي استولى على الحكم ونَصّبَ "تاميرت لاينه" رئيسًا للحكومة يوم 28 أيار/مايو 1991، وهو من قومية تيغراي، قبل أن يخلفه ميليس زيناوي ( من قومية تيغراي كذلك) من سنة 1995 إلى وفاته سنة 2012، وبذلك سيطر التحالف الذي تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على نظام الحكم بالحبشة طيلة عِقْدَيْن، قبل بروز الخلافات بين مصالح متناقضة، برزت في شكل صراع بين القوميات، أهمها التيغراي بحوالي 7% من العدد الإجمالي لسكان الحبشة، و"الأورومو" ( ينتمي ضابط المُخابرات، رئيس الحكومة الحالي "آبي أحمد" إلى الأورومو، لكنْ له مُخَطّطاتُهُ ومَصَالِحُه الخاصة) الذين قد تصل نسبتهم إلى نحو 40% من العدد الإجمالي لسكان البلاد، والذين احتدّت خلافاتهم مع الحكومة المركزية، سنة 2015، عندما منحت حكومة "ديسالين" أراضيهم لشركات رأسمالية أجنبية لإقامة منطقة صناعية ضخمة جنوب العاصمة أديس أبابا، فتحالفت جبهة تحرير أورومو مع قومية "الأمْهَرا" التي لها خلافات مع زعماء الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي...
تصاعد الخلاف تدريجيًا، بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ورئيس الحكومة "آبي أحمد" الذي أقال في السابع من حزيران يونيو 2020، عددًا من الضّبّاط السّامين التّغراي من مناصبهم (رُؤساء الأركان وجهاز الأمن والمخابرات...)، ما اعتبرته الجبهة استهدافًا مُباشرًا لها وللتوازن في توزيع المناصب الحكومية الإتحادية الساري منذ 1991، وبالمقابل عقد رئيس الحكومة اتفاقيات صلح مع حركات المُعارضة الأقل حجما وتأثيرًا، ومع حكومة أريتريا، وتمكّن من تأجيل الإنتخابات العامة، وقطعت الحكومة المركزية التحويلات المالية عن إقليم تغراي الذي عارض القرار ونظّم انتخابات شارك بها 2,7 مليون ناخب، وتعددت الخلافات التي أَفْضَتْ إلى اشتباكات مسلحة بنهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2020، وتجاوزت المعارك ونزوح السكان حدود الحبشة إلى السّودان وإلى أريتريا التي يُقاتل جيشها إلى جانب القوات الحكومية الحبشية المدعومة من مليشيات صومالية ومن دُوَيْلَة الإمارات، بالسلاح والعتاد والمال، ما يُهدّد "منطقة القرن الإفريقي بالكامل"، وفق تصريح الأمين العام للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، عند عودة الحرب إلى إقليم تيغراي الذي يعدّ حوالي ستة ملايين نسمة، كان ما لا يقل عن 10% منهم يعتمدون على المساعدات الغذائية، حين انطلاق الجولة الأخيرة من الحرب، بينما يواجه نحو سبعة ملايين شخص في مختلف أنحاء البلاد نقصاً في الغذاء، بحسب الأمم المتحدة، كما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، منتصف تشرين الأول/اكتوبر 2022، من "خروج الوضع عن السيطرة بعد بلوغ العنف والدمار مستويات مقلقة"، بينما لجأ عشرات الآلاف من الأشخاص إلى السودان وأريتريا التي تدعم حكومتها وجيشها الحكومة الإتحادية الحبشية، بسبب العداء التاريخي مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي...
استغلت الحكومة المركزية الحرب لتُسَرّع خطوات برنامجها الليبرالي، بدعم من الولايات المتحدة، ومنها خصخصة القطاع العام والتحرير الجُزْئِي لقطاع صرف العملات الأجنبية بهدف إغراء الشركات الأجنبية...
أصول الأزمة الحالية
اندلعت حرب أهلية بين الجيش الفيدرالي ومقاتلي منطقة تيغراي، من سنة 1974 (أثناء سقوط الإمبراطور هايلي سي لاسي) إلى العام 1991، تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي والنظام العسكري "التقدمي" بقيادة هايلي ميريام، ثم حكمت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) الحبشة منذ 1991، وهي ائتلاف من الأحزاب المتجمعة حول جبهة تحرير شعب تيغراي، التي خرجت منتصرة من الحرب الأهلية ضد النظام العسكري المعروف ب "الدِّرْغ"، الذي سقط في أعقاب سقوط الاتحاد السوفياتي، داعمه الرئيسي، وأسس النظام الجديد "فيدرالية عِرقية" (أو أثنية، أو متعددة القوميات) واندمجت أجهزة الدولة في تحالف الأحزاب الحاكمة التي أحكمتْ مراقبة السكان، واستمر هذا النظام بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) سبعة وعشرين عامًا واجتذب المستثمرين المحليين والأجانب، وظهرت فئة من الأثرياء من قومية تيغراي، فسيطرت على دوائر الأعمال وسهلت الاستثمار الأجنبي، بالتعاون مع أجهزة الدولة الفيدرالية التي انتهجت سياسة اقتصادية "كينزية"، مشوبة بخطاب وعبارات مستعارة من الماركسية، وتمكنت الدّولة من خلق بعض الصناعات وحافظت على النمو من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، ولكنها اتخذته ذريعةً لتبرير القمع والاعتداء على الحريات بـ "الأولويات والحاجة لتعبئة الناس من أجل التنمية".
أدّى هذا النظام إلى إلحاق الضّرر بالعديد من الفئات، وبسكان منطقة أوروميا (أكبر أقلية قومية في إثيوبيا، وهي ضعيفة التمثيل في السلطة) الذين احتجوا بشكل كبير، منذ سنة 2014، على مصادرة أراضيهم لبناء منطقة صناعية تشكل جزءًا من الامتداد للعاصمة الاتحادية أديس أبابا، وتوسّعت مطالب الأورومو لتتضمّن المطالبة بالعدالة الاجتماعية واحترام الحريات ووضع حد للقمع، وتسبب احتجاج الأورومو المستمر في أزمة سياسية مفتوحة داخل الحكومة، منذ سنة 2016، وفي نيسان/أبريل 2018، أدت المفاوضات الحزبية داخل الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية (الجبهة الحاكمة) إلى تعيين ضابط المخابرات العسكرية "أبي أحمد" في منصب رئيس الوزراء، فوَقَّع اتفاقية السلام مع إريتريا وأطلق سراح الآلاف من السجناء السياسيين وأذن بعودة المنفيين ... وعلى الصعيد الاقتصادي عجل بـ "التحرير" وشجع الاستثمار الأجنبي وطبّق وصفات اقتصادية ليبرالية لتحقيق النمو، وأعلن أن اندماج الإقتصاد المحلي في الأسواق الدولية من أولويات حكومته، وللتذكير فإنها ليست الحكومة الأولى التي تمجد الليبرالية الاقتصادية و"فوائد الاستثمار الدولي وتصدير السلع الزراعية"، فقد شرعت الحكومة التي تسيطر عليها الجبهة الشعبية لتحرير تيغري (عدو أبي أحمد الآن)، منذ بداية القرن الحادي والعشرين، في مصادرة الأراضي الخصبة لبيعها أو تأجيرها على المدى الطويل (من 25 إلى 99 عامًا) للمستثمرين المحليين أو الأجانب الذين يصدرون المحاصيل.
على الصعيد السياسي، أثارت محاولات زعزعة التوازن بين القوميات المختلفة والمصالح الاقتصادية والتجارية المتنوعة، مقاومةً وانقساماتٍ داخل السلطة الفيدرالية المتهمة بفرض السياسات المركزية المختلف عليها منذ ستينيات القرن العشرين، وكانت هذه الخلافات السياسية من أسباب سقوط الإمبراطورية بعد ثورة 1974 ...
كان وباء Covid-19 ذريعة جيدة لتأجيل الانتخابات العامة مرة أخرى ، لكن الجبهة الشعبية لتحرير تغراي - TPLF - نظمت انتخاباتها الخاصة في سبتمبر 2020 في إقليم تيغراي، والتي فسرتها السلطة المركزية على أنها استعراض للقوة ومحاولة انفصالية تهدد وحدة البلاد.
الحرب الأهلية وعواقبها
في ظل هذه البيئة السياسية والاقتصادية ، اندلع القتال مرة أخرى بين الجيش الاتحادي الإثيوبي وقوات تيغراي الخاصة ليلة 3/4 تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وفي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2021، دخلت القوات التيغراية مدينة ديسيه، في منطقة أمهرة على بعد 400 كيلومتر من أديس أبابا، ثم بلدة كومبولتشا الكبيرة المجاورة، فيما دعت الحكومة الفيدرالية إلى التعبئة العامة لتشكيل ميليشيات موالية لها، بدعم من جيش أريتريا الذي يُقاتل إلى جانب جيش الحكومة الإثيوبية ويقصف مواقع "قوات دفاع تيغراي" بطائرات بدون طيار تُرْكيّة مما تسبب في الكثير من الأضرار، فاضطر جيش تيغراي إلى تغيير تكتيكاته، باستخدام تقنيات حرب العصابات التي مكّنته، في حزيران/يونيو 2021، من شن هجوم مضاد واستعادة معدات المدفعية الثقيلة، لكن الحصار الذي فرضته الحكومة الفيدرالية تسبب في مجاعة لم يعد بمقدور سكان تيغراي تحملها...
تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية بإقليم تيغراي، وفي مقتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص، وقدرت المنظمات الإنسانية عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدات الغذائية الطارئة، في بداية سنة 2021، بخمسة ملايين شخص، وتُهدّد المجاعة 400 ألف شخص وفقًا للأمم المتحدة، بينما يدعو إعلام الحكومة الإتحادية إلى إبادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ومعاقبة شعب تيغراي ككل، ومنعت حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد الصحفيين والمنظمات الإنسانية من الوصول إلى أراضي تيغري الواقعة تحت الحصار الكامل، وارتكبت القوات المسلحة والميليشيات الموالية للحكومة مجازر بحق المدنيين، وقَدّرت دراسةٌ نشرتها جامعة غانت (بلجيكا) أن الحرب قد تسببت في وفاة ما بين 384000 و 600000 شخص، كما تسببت هذه الحرب في أزمة اقتصادية خطيرة، لكن الحكومة الإثيوبية تستفيد من دعم إيطاليا وتركيا وأوغندا وروسيا وإيران والإمارات، وغيرها، لأسباب تختلف من داعم إلى آخر.
دفعت الهزائم العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وحالة الطوارئ الإنسانية في تيغراي والصعوبات المالية للحكومة الفيدرالية الطرفين إلى التفاوض في جنوب إفريقيا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، بعد عامَيْنِ من الحرب، ووقَّعَ الطرفان (الجبهة الشعبية لتحرير تيغري والحكومة الفيدرالية) في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، في بريتوريا، اتفاقية وقف الأعمال العدائية التي من شأنها أن تفرج عن المساعدات الإنسانية وتريح السكان الذين يعانون من الحصار والمجاعة، ولكن لا يزال القتال مستمراً (يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2022) وتسبب في وقوع إصابات بين المدنيين في العديد من المناطق، حيث ترى الحكومة أنه يجب نزع سلاح ميليشيات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أولاً.
أضعفت المجاعة الدعم الشعبي لقوات تيغراي التابعة للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي خسرت عدة مدن مهمة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2022، مما أجبر قادتها على قبول شروط المفاوضات، من موقع ضُعْف، وتأمل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية أن تجذب الاتفاقية الاستثمارات والقروض الدولية، لكن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ليست القوة الوحيدة للمعارضة المسلحة، فقد احتلت جبهة تحرير أورومو (OLF) عدة بلدات في أواخر تشرين الأول/أكتوبر وأوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
استفادت الحكومة الفيدرالية من الدعم الهائل للجيش الإريتري الذي أصبح عنصرا أساسيا في هذه الحرب، وهي متهمة بارتكاب العديد من جرائم الحرب ولم يرد ذكر انسحابها صراحة في الاتفاقية، ومن المحتمل أن تشكل هذه المفاوضات خطوة أولى نحو تحالف مستقبلي بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية ضد قومية الأمهرة وإريتريا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت