قطار آخن 30

علي دريوسي
2022 / 11 / 18

لا لن أسقط مُنْهكاً في حفرة صنعتها لي نساء الكوكايين، لا لن تدوسني سيارة تلاحقني، لن تتطاير أسناني، لن ينسلخ جلد وجهي، لن تتصدّع أصابعي ولن أسمح لصحف المدينة أن تعنوّن صفحاتها الرئيسية "مات إبراهيم أبو النحس المتشائل غريباً والجاني ما زال مجهول الهوية".
ما السر الكامن في تَسَطُّح هذه المدينة؟ الاسْتِواء لا يحفِّزك على الخلق والإبداع، السطوح لا تساعدك على الاختفاء والتواري والهرب.

ستسعفني قدماي حتماً بالقفز إلى الرصيف الضيق، سأدخل إلى البناية.

أتقدمُ بخطى متعبة، اقتربُ من باب مدخل البناية الغارقة في البرد والنوم، أنظرُ إلى صناديق البريد الثمانية والموزعة في صفين متوازيين، أحاولُ قراءة أسماء الساكنين دون جدوى، النظارة المُلَوَّنة ببصمات أصابعي والضوء الخافت لا يساعدانني، لكنها تبدو أسماء مركّبة، لم أسأل سابينة حتى اللحظة عن اسم عائلتها، لم أنظر إلى صندوق بريدها ولا إلى اِسمها، لا بجانب مدخل البناية حيث تعيش ولا بجانب مدخل الطابق في مدينة آخن حيث تعمل في شركتها، لم أتجرَّأ أيضاً بدافع التهذيب أو الغباء الشرقي على سؤال هنيلوري عن اِسم عائلتها، لمّ لم أسألهما؟ هل عاملتهما ودون أن أدري بطريقة حضارية؟ هل بدأت أُتقن احترام خصوصيات الآخر كما شممتها في هذا الغرب؟ هل تعلمت هنا في الغرب الرأسمالي قاعدة سياسة احترام الآخر؟ أم تعلمتها وورثتها ودون أن أدري عن طريق البغدادي "أبو حيان التوحيدي"؟ أليس هو من قال لنا في كتاباته قبل ألف عام: "الصديق، آخر هو أنت"...

سأسأل الكلبتين الملطختين بالكوكايين عن كنيتهما العائلية في الوقت المناسب، أما الآن سأقرع الأجراس وكأني اللقيط "أحدب نوتردام"، سأوقظ النائمين ليفتحوا لي الأبواب، سأشرب لديهم قهوة سوداء، سأشكرهم وأتابع طريقي إلى صديقتي "مانويلا"، كم اشتقتك يا مصفاة أوجاعي.

سأخبر السكان الحقيقة، حقيقة اِنجراري خلف رائحة الكوكايين، سيتفهمون وضعي، للأوروبي خبرة عريقة في الرائحة، ربع مواطني الاتحاد الأوروبي جرّبوا تعاطي المخدرات غير المشروعة مرة واحدة على الأقل، القنب الهندي/الماريجوانا، الكوكايين وحبوب الهلوسة، ليأتي أمفيتامين في المرتبة الرابعة، فما بالكم بنسبة تعاطي المخدرات المشروعة؟
الألمان كالموسيقى، بعضهم يخاطب العقل والروح، والبعض الآخر يُحدث ضجيجاً فارغاً ومقيتاً.

قد يخرج أحد سكان العمارة مزهواً ببزته نافجاً عنفوانه ثم يتفلسف كحكيم:
ـ لا بأس، أفهمك جيداً، الوضع المؤلم للناس في بلدان الشرق يجعل هؤلاء الناس عرضة بشكل خاص لإدمان الكوكايين وعلى تلامس مع تهريبها والإتجار بها، وأنت واحد منهم، لا بأس.
قد توحوح واحدة من شدة البرد وهي تقول:
ـ اِذهب من هنا أيها الغريب، أنت غير حضاري، الشخصية الحضارية، هي أيضاً تلك التي لا تَتَلَبَّس بها ظواهر التعوّد والإدمان.
قد يعترضني عجوز صائحاً في وجهي بنزق:
ـ ألا تستطيع النوم ليلاً أيها الغريب؟
قد أجد نفسي أجيبه مصطنعاً الحنكة:
ـ لا أنام ليس لأني لا أستطيع النوم، بل لأنه ينبغي عليّ أن أعمل.
ـ ما هو عملك هذا أيها الغريب؟
ـ أشّم كوكايين وأصمّم أشكالاً هندسية للأَثْداء.
ـ تصاميمك فاشلة، اِذهب من هنا أيها الغريب.
ـ لن تكون كذلك، سأعرضها في متحف الفن الهزلي في فرانكفورت.
قد أقهقه بصوت كوكايينيّ وأركضُ فرحاً باتجاه مخرج البناية. حينها قد تُفتح أبواب الشقق كلها دفعة واحدة، سيقف كل سكان البناية أمام أبوابهم، بعضهم عراة والبعض الآخر بقمصان النوم، جميعهم أشباه هياكل.
سأستعيرُ حنجرة الساعاتي الإيطالي "جيوفاني توريانو" وأصرخ:
"كل كلب أسد في بيته"، عودوا للنوم.
سيزأر السكان مستعينين بسِّفْر الجامعة من العهد القديم:
"الكلب الحي خير من أسد ميت مثلك أيها المدمن الغريب".
نعم، أنا في هذه الساعات أسد ميت، أنا ـ في حالتي هذه ـ لست حتى مجرد ذبابة حيّة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت