كتاب -سوسيولوجيا النخب-: دليلك لفهم ظاهرة النخبوية ومرتكزاتها النظرية

صلاح الدين ياسين
2022 / 11 / 13

كتاب "سوسيولوجيا النخب (النخبة المغربية أنموذجا)"، من تأليف الباحث والناقد المغربي جميل حمداوي، وهو بمنزلة دراسة بحثية تنصرف إلى الإحاطة بدلالات مفهوم النخبة وتأصيله نظريًا، فضلا عن رصد وجود وتمثلات النخب داخل المجتمع المغربي. وكما يشير المؤلف، فإن واقع وجود نخب سياسية ومجتمعية ليس معطى جديدا، بل هو ظاهرة قديمة قدم الوجود البشري ذاته، فقد عرفت المجتمعات البدائية بدورها وجود نخب مؤثرة، من قبيل رؤساء القبائل، والسحرة، والكهنة، والمصارعين... إلخ.

ماهية النخبة السياسية
تحيل كلمة "نخبة" من زاوية التعريف اللغوي إلى الاختيار والانتقاء والاصطفاء. أما من الناحية الاصطلاحية، فهي ترمز إلى "صفوة أو أقلية من الناس والأفراد المتميزين عن باقي فئات المجتمع، إما بفضل حسبهم، أو نسبهم، أو جاههم، أو قوتهم العسكرية، أو عامل الثروة المادية... إلخ". غير أن مفهوم النخبة عرفا تحولا ملفتا بالتوازي مع انبثاق منظومة الحداثة السياسية، إذ أمسى يدل على صفوة من الأفراد المتميزين بفضل كفاءاتهم ومواهبهم ومؤهلاتهم الخاصة والموضوعية (العلم، الذكاء، النبوغ...).
على أن التمثلات والإسقاطات المرتبطة بمفهوم النخبة لا تقتصر فقط على الحقل الثقافي الغربي، بل تطال أيضا الثقافة العربية والإسلامية، إذ يقابل مفهوم النخبة أو القلة أو الصفوة أوصاف ظلت متداولة على امتداد فترات تاريخية متعاقبة، على غرار العامة، والرعاع، والسوقة، والغوغاء، والدهماء. هذا في حين اقترن مفهوم النخبة عند اليونان - في أثينا إبان القرن الخامس ق.م - بالجمال والروعة والإتقان (فنون الهندسة المعمارية كمثال)، بينما التصق مفهوم النخبة بالمواطَنة في الثقافة الرومانية، بفعل ابتكار الرومان للقانون المدني، الذي جعل من العقد شريعة المتعاقدين.
إلى جانب النخبة السياسية، ثمة أصناف متنوعة من النخب، كالنخب العسكرية، والاقتصادية، والفكرية، والفنية، والرياضية. ويكمن الفارق الأساسي بين النخبة السياسية وسائر النخب الأخرى، في حقيقة أن الأولى تمارس تأثيرًا غير محدود بالنظر لامتلاكها وسائل السلطة والقرار، حيث تضبط التوجهات العامة والأساسية للمجتمع، على عكس باقي أصناف النخب التي ينحصر تأثيرها في مجال نفوذها الخاص. وفي تقديري، فإن هذا التمييز الصارم الذي أورده المؤلف لا ينبغي أن يُؤخذ على إطلاقه، فالنخب الفكرية والمثقفة يمكن لها، إذا ما تهيأت الظروف، أن تؤثر في النظام السياسي أو الاجتماعي السائد، وقل الشيء ذاته عن تأثير الرأسمال (نخبة اقتصادية) في دوائر صنع القرار السياسي.
مقاربات نظرية بشأن النخبة السياسية
يعد فيلفريدو باريتو (1848-1923)، عالم الاجتماع السياسي الإيطالي، أبرز من اهتم بدراسة مفهوم النخبة، بل يمكن اعتباره مؤسس التقليد النظري حول النخبة السياسية. لا يجد باريتو غضاضة في التصريح بنزوعه النخبوي الصريح، فهو مقتنع باللامساواة الاجتماعية، ذلك أن المساواة، في نظره، لا تعدو كونها فكرة طوباوية، لكون أن البشر خُلقوا غير متساوين وبمواهب متفاوتة، ومن هنا يجهر بعدائه لكل من الماركسية والديمقراطية التي لا تستقيم بدون مساواة. وتبعا لذلك، ينظر صاحبنا إلى النخبة بوصفها ضمانة لا غنى عنها لاستقرار وتوازن المجتمعات، بما تملكه من قدرات ومؤهلات خاصة، خلافا لفئة عامة الناس التي يطبعها الاندفاع والتهور وغياب التفكير والتخطيط العقلاني.
وإلى جانب ذلك، يشير باريتو إلى أن "الصفوة قابلة للانحلال"، فلا مجال للحديث عن نخب دائمة ومستقرة، ذلك أن وجود نخب حاكمة يفترض حتمًا قيام نخب معارضة تتطلع لإزاحتها، من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. وبرأي النخبوي الإيطالي، يصدق هذا الحكم بشكل خاص على النخب الأرستقراطية، فالتاريخ بنظره "مقبرة الأرستقراطيات"، وهذا يُعزى، أساسًا، إلى الطابع المغلق للنخبة الأرستقراطية، المرتكزة على الامتيازات الموروثة لا على المؤهلات والكفاءات الخاصة، مما يجعل انهيارها أمرا محتوما، بالنظر إلى وجود أفراد من ذوي الكفاءة يتعطشون لإزاحتها. وفي هذا الصدد، ليس خافيًا دفاع باريتو عن الطبقة البرجوازية باعتبارها النخبة المؤهلة والقادرة على حفظ التوازن والاستقرار الاجتماعي.
أما رايت ميلز (1916-1962)، السوسيولوجي الأمريكي، فقد انكب على دراسة النخب في ضوء المقترب المؤسساتي، استنادا إلى نموذج الولايات المتحدة الأمريكية، إذ خلص إلى أن هذا البلد تهيمن عليه ثلاث نخب رئيسية، وهي النخبة السياسية، والنخبة العسكرية، والنخبة الاقتصادية، فيما يبدو السواد الأعظم من المجتمع الأمريكي مغيبا عن المشاركة في صنع القرارات والسياسات المهمة. وبرأي ميلز، تستمد النخب قوتها من طابعها المؤسساتي، وبالرغم من أنها تبدو ظاهريا متعددة ومتنافرة، فإن ما يميزها هو تماسكها ووحدة مصيرها بحكم مصالحها المترابطة.
هذا في حين تناول المفكر الإيطالي غايتانو موسكا (1858-1941) موضوع النخب انطلاقا من مقترب تنظيمي، إذ يرى أن النخبة لا تستمد قوتها من بنيتها المؤسساتية، مثلما أقر ميلز، وإنما أساسا من تماسكها التنظيمي، بفعل صغر حجمها وسهولة التنسيق والتواصل بين أعضائها، وسلاسة تدفق المعلومات، الأمر الذي يتيح لها السرعة والمرونة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، دون إغفال وجود إيديولوجيا وقيم مشتركة تؤلف بين أفرادها، خلافا لأغلبية أو عامة الناس التي تفتقر إلى التنظيم والأهداف المشتركة. ومن جهة ثانية، يميز موسكا بين المجتمعات الجامدة التي لا يحدث فيها دوران سلس للنخب، والمجتمعات المتحركة التي تعرف دورانا فعليا للنخب كسائر الديمقراطيات الحديثة.
وصولا إلى روبرت ميتشيلز (1876-1936)، السوسيولوجي الألماني الذي تناول موضوع النخبة السياسية في كتابه "الأحزاب السياسية"، في ضوء ما أسماه ب "القانون الحديدي للأوليغارشية"، الذي يحيل إلى أن "القائد الذي يحصل على السلطة السياسية، ويعتاد على ممارستها، يصعب عليه التخلي عنها، فيستخدم بذلك السلطة من أجل البقاء والاستمرار فيها". وبرأي ميتشيلز، يسري هذا القانون حتى على الأحزاب الاشتراكية بأوروبا التي ترفع شعارات العدالة والمساواة والدمقرطة. والأنكى من ذلك، أنه يغطي كافة مستويات الدولة، الشيء الذي يجعل تطبيق الديمقراطية عمليًا مجرد أضغاث أحلام.
إضاءات على تاريخ وواقع النخب بالمغرب
لقد عرف المغرب كغيره من المجتمعات ظهور أصناف متعددة من النخب، وخاصةً خلال القرن التاسع عشر، بالرغم من أن شروط وأسس الانتماء إلى النخبة ظلت تقليدية في جوهرها، إذ كانت قائمة على معايير كالحسب، والنسب، والسمعة، والفتوى، والقوة... إلخ. وتأسيسا على ذلك، برزت إبان تلك الفترة مجموعة من النخب، مثل نخبة العلماء، ونخبة الشرفاء والأعيان، ونخبة شيوخ الزوايا، ونخبة قواد الجيش... إلخ.
أما خلال فترة الحماية، فقد استند الاستعمار الفرنسي إلى نخب موالية ومساندة له لتصريف البلاد، مثل نخبة المعمرين، والنخبة العسكرية، والنخبة الإدارية. كما أنه لم يتوان عن استمالة وتقريب بعض النخب المغربية المتواطئة، مثل أعيان القرى والبوادي، إلى جانب القواد، والباشوات... إلخ. وفي المقابل، كانت توجد نخب وطنية معارضة تصدت للمشروع الاستعماري، وفي مقدمتها الحركة الوطنية وجيش التحرير.
إضافة إلى ذلك، أسهمت الحماية الفرنسية، ولو بغير وعي منها، في بروز نخبة من الشباب المتعلم والمتشبع بالثقافة الحديثة، الذي كان يتشوف إلى ضخ دماء جديدة في بنية النظام السياسي والاجتماعي القائم، لتشكل بذلك إحدى أهم ركائز النخب الوطنية المعارضة للوجود الاستعماري. وغداة حصول المغرب على استقلاله، استمرت تلك الازدواجية القائمة بين نخب تقليدية متجذرة ونخب حديثة صاعدة، ليصبح الواقع السياسي والاجتماعي المغربي أكثر تعقيدا وتشابكا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت