عثمان عبدالله فارس

عثمان فارس
2022 / 11 / 11

السودان: هل بالإمكان انحياز الجيش للثورة ومقاومته للسلطة الأنقلابية التي تحكم البلاد الان
_________________
     نحن نفرق تماما بين اللجنة الأمنية او الانقلابيين الذين يقودون و يسيروون البلاد،  وبين الجيش بضباطه وجنوده الأوفياء الذين هم جزء من أبناء الشعب السوداني ... الخ .
  الرؤيا في ظاهرها صحيحة اذا افترضنا ان الجيش هو جيشنا زمن عبود في الخمسينات او جيش ما قبل عهد مايو1969 .
  ولكن واقع اليوم هو عكس ذلك تماما، و بنظرة عابرة، وليس بدراسة واقع متكاملة نجد ان الجيش منذ التصفيات الاولي، بعد ردة يوليو 1971 بابعاد معظم العناصر الثورية والديمقراطية، ثم  اسلمته في أول عهد الانقاذ المشؤم، ما عاد هو الجيش قبل ذلك التاريخ .
   ما عاد واقع الجيش يمكن اختزاله في تصنيف فطير بين (كبار جنرالات) و (صغار ضباط و صف ضباط) وفق المنوال الذي حدث في اكتوبر 64 حين رفض صغار ضباط و صف ضباط الجيش وقتذاك الإنصياع لاوامر كبار الجنرلات والانحياز للشعب في ثورته،
ولا هو الجيش في نهايات عهد مايو عندما قررت (قيادته العامة) الإنحياز للشعب في انتفاضته في ابريل 1985 .
الواقع أكثر قتامة مما نتصور:
__________________
   منذ ذلك التاريخ يوليو 1971 اي في ال 51 عاما حدثت تغيرات هائلة ومعظمها ضد تصوراتنا او احلامنا بانحياز الجيش للثورة والتغيير، قد يكون هذا الرأي محبط ومتشائم ، ولكنني سوف اسرد بعض الحقائق او المعلومات التي تدعم ما ذكرت :
* برنامج أسلمة الجيش بابعاد كل من يشتبه في عدم انتمائه ل (الاسلامويين) والتي بدأت تاريخيا  بالمصالحة مع النميري التي تغلغل فيها نفوذ الاخوان المسلمين في الجيش والاقتصاد عبر البنوك الاسلامية عام 1977 .
* واكتملت في عهد الانقاذ و وصلت لتغيير (القَسم) والجلالات ونظام الضبط والربط والانضباط الذي عرف به الجيش السوداني منذ قوة دفاع السودان . هذا خلق هوة واسعة بين الجيش و المجتمع السوداني بكل فئاته وطبقاته المتعددة .
      فنجد ان منسوبي الجيش في عيشة راضية و رفاهية واضحة مقارنة مع اقرانهم وأبناء دفعتهم بل اوائل دفعتهم قد اغلقت في وجوههم أبواب ومنافذ التوظيف، واصبحوا يتندرون من أسئلة لجان المعاينة فخريج الاقتصاد والعلوم السياسية يسأل عن الآية ٣٧ من سورة آل عمران .. وخريج الهندسة المدنية تخصص إبار جوفية يسأل عن شروط التيمم .. هذا عن الخدمة العامة ناهيك عن الدخول للكلية الحربية والتي لا يلقاها الا من رضي الترابي عنه او احد (صحابته ال ٣٩*) .
   و فق ذلك الواقع المختل أصبح منسوبي الجيش(المرطبين) يتزوجون أجمل واذكي الفتيات حتي اصبحت النبوءة او المقولة الدرامية ل(حمدالله عبدالقادر) علي لسان مكي (سنادة) في (خطوبة سهير*) :
   [السماحة والقروش بي جيهة والشنا والفقر بي جيهة]
  وبتعديل خفيف يكون:
     [السماحة والجيش بي جيهة والشعب و الفقر بي جيهة]
   بذلك أصبح منسوبي الجيش طبقة قائمة بذاتها، لم أجد لها وصفاً في مخزوني اللغوي الا ذلك الوصف الشاعري للراحل محمود درويش [النفايات التي تناثرت من الطبقات]  .
* ما زاد الواقع تعقيداً هو ولادة جيش موازي، ابن سفاح، (الدعم السريع) ونموه بشكل سرطاني/اخطبوطي حتي ابتلع الأب او بالكاد، خاصة بعد ان انضم اليه ماتبقي من مسرّحيّ الجيش الذين تشك (اللجنة الأمنية) او القيادة الحالية للجيش، في ولائهم المطلق لها . اضف لذلك الإغراءات المادية والمرتبات العالية التي يمنحها (خازن جبل عامر) لمنتسبيه مقارنة مع امتيازات الجيش الأب.
   اضف لذلك (الامتيازات والرواتب الغير خاضعة لقوانين وزارة المالية والتي تمنح من شركات واموال الجيش والتي لا تخضع ايضا للمالية) لمنسوبي الجيش والقوات النظامية عامة بما فيها الدعم السريع، حتي صغار الجنود، والتي تطال أسرهم بما يقدمونه لاسرهم، في هذا الواقع المدلهم والفقر المدقع يجعلهم، يفكرون الف مرة في موضوع الانحياز، حيث يري كثيرين منهم لا (جذريين ولا تسوويين)، ان القادم ضبابي و المدنية غير واضحة المعالم وفي تجاذب واستقطاب ، واستقطاب مضاد بين دعاتها انفسهم . ولسان حالهم يقول: ( الجن التعرفو ولا الجن ال ...) .
   في تقديري ان اي نظرة للجيش الحالي او بناء تقديرات محتملة ل ( الإنحياز) علي خلفية هذا الواقع الجاثم والشاخص أمام أعيننا لا يقود لنتائج إيجابية من حيث انحيازه لخيارات الشعب في التغيير و تأسيس ديمقراطية راسخة.
   ختاما اعتقد ان الثورة لن تأتي بالعواطف واجترار الماضي، انما دراسة الواقع هي أهم بل هي الأساس لوضع اي بناء نظري يساهم في إيجاد حلولاً للازمات ويقود للتغيير .
          حاشية:
* صحابة الترابي هم أعضاء المجلس الاربعيني للإخوان المسلمين .
* خطوبة سهير مسرحية سودانية شهيرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت