أنا الفوضى

عادل صوما
2022 / 11 / 11

الدولة أنا وأنا الدولة، عبارة مشهورة لكنها غير موثقة في أي اجتماع، منسوبة للملك الفرنسي لويس الرابع الملقب "الملك الشمس"، الذي حكم فرنسا 54 سنة.
و"أنا الفوضى" عبارة تلخص تاريخ الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منذ كان ضابطاً، مروراً بكونه رئيس وزراء انتقالي لدولة بلا رئيس سنة 1988، حتى خروجه من القصر رئيساً في آخر تشرين الأول 2022، ولبنان شاغر مرة ثانية من رئيس.
موجز تاريخه
تاريخ ميشال عون يقول انه زارع الفوضى ورجل التناقضات للوصل إلى تحقيق احلامه الدونكيخوتية. فالرجل لمن اقترب منه ورآه مهووس بالسلطة المطلقة، ولا يقدّر فعلا عواقب ما يحدث، علاوة على كاريزما خطيرة لا خير فيها لمن حوله أو لبلده.
كان ميشال عون ضابطا في الجيش اللبناني وملتحقاً في الوقت نفسه في إحدى خلايا ميليشيا حزب "الكتائب"، لأن معظم أفراد الجيش اللبناني خلال بدايات حروب لبنان كان لا عمل لهم بأوامر سياسية!
له صورة تجمعه مع أريئيل شارون عندما اجتاح لبنان رغم وطنيته (عون بالتأكيد) ورغم إحتلال إسرائيل للبنان. تمرد على قائد الجيش إبراهيم طنوس، وشكل على نسق "الضباط الاحرار" في مصر خلية من الضباط تأتمر به؛ تمرُد لا طائل من ورائه على قائد الجيش.
قادته الصدفة، أو تجاوزه للقوانين كما يُشاع، ومُنح رتبة تؤهله ليكون قائد الجيش، ثم قادته الظروف وتملقه للرئيس الأسد حاكم لبنان أثناء وجود جيشه في الاراضي اللبنانية، ليكون رئيس حكومة انتقالية لم يصرّف فيها الأعمال، لكنه قاد حربين عبثيتيّن الأولى ضد الجيش السوري! والثانية ضد القوات اللبنانية، كانت نتيجتهما تدمير كبير لشرقي بيروت حيث كان المسيحيون يسكنون، وتهجير أكثر من 250 ألف أسرة مسيحية.
بعد اتفاق الطائف وترحيله إلى فرنسا، لعب على التناقضات اللبنانية في منفاه الباريسي، الذي وصله كبطل قومي، رغم ما سببه في خسائر بشرية فادحة وغيرها، وفتح صفحة سرية مع "حزب الله" لتنفيذ أجندة إيران في لبنان، وهكذا بعد سنوات في المنفى وحين نضجت الظروف، صار رئيساً بعد حوالي سنتين ونصف كان منصب الرئاسة فيهما شاغراً، بسبب عدم تصويت أعضاء الحزب الإلهي لانتخاب رئيس، حتى فرضوا ميشال عون.
تمرس سياسياً ومارس بأسوأ ما يُتهم به أحقر سياسيي لبناني من تشاطر وسمسرة وتكاذب ودناءة، ولم يزل يلعب على التناقضات ويخلق الفوضى ليرث زوج ابنته القصر الرئاسي، لتنفيذ الفصل الأخير في أجندة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت، بعد فترة فراغ متوقعة سينتظر فيها الحزب الإلهي حتى تتضح الأمور الإقليمية والدولية، ليختار خليفة لعون أو رئيس آخر يمليه عليه مرشد الثورة الإيرانية.
لا أسف أو اعتذار
بعد كل حروبه المدمرة الفاشلة التي أذت المسيحيين كثيراً، ثم سنوات رئاسته التي هوت بكل شيء في لبنان إلى الحضيض الإنساني والسياسي والاقتصادي والمالي والثقافي، لم يبد دولة العماد الرئيس أي أسف على تسلمه قصراً كان فارغا وزاده فراغا وتركه فارغاً، بعدما عزل لبنان عن محيطه، ولم يزر بلد شرق أوسطي ولم يزره أحد.
تحدث عن "المنظومة الفاسدة" في خطابه الوداعي، ، وتكتم على العقائديين الفاسدين الذين جلبوا نترات الأمونيوم التي تسببت في أكبر تفجير غير ذري على الكوكب، وألقى بمسؤولية فقد الليرة 99% من قيمتها على غيره.
لم يبد دولة العماد الرئيس أي ندم لأنه ساهم بنصيب عظيم في جعل لبنان على رفوف اللامبالاة العربية والدولية، بعدما كان في مركز اهتمام الشرق الأوسط، حتى خلال كل الحروب القذرة التي دارت فيه، وانتهت إلى موت لبنان كمركز إعلامي ومصرفي وثقافي وطبي في الشرق، كما صارت شوارع لبنان مكبات زبالة في عهده هو فقط وليس أثناء الحروب الأهلية.
المنقذ المُضلل
أوهم ميشال عون محبيه بأنه منقذ لبنان منذ 1988، لكنه ضلل قسم من جيشه واللبنانيين وورطهم في عبثية حربه مع السوريين، على رغم علمه تماماً أن حافظ الأسد موجود في لبنان بتفويض عربي ودولي، ولن يخرج سوى بقرار عربي ودولي من لبنان.
ثم ورط المسيحيين في حرب مدمرة ضد "القوات اللبنانية"، الميليشا التي رغم كل مآخذها كانت تحمي المسيحيين أثناء الحروب الأهلية، وتعامل عون معها كأنها الميلشيا الوحيدة الموجودة على تراب لبنان، وقد وبخ صدّام حسين بشدّة مندوبي عون والقوات في بغداد قائلا: أعطيتكم سلاحا لتحاربوا الجيش السوري المحتل وليس لمحاربة بعضكم بعضاً.
ثم ضلل ميشال عون اللبنانيين بعد عودته من منفاه وتوليه الرئاسة، وخطط مع حليفه "حزب الله الإيراني" لتنفيذ أجندة ملالي "قم"، غير مبالين بالدولة اللبنانية ومصيرها الذي سينتهي إلى محافظة إيرانية على البحر المتوسط، ولا بمآسي الشعب اللبناني الذي تفوق نسبة العاطلين عن العمل فيه 65٪ ونسبة الفقر المدقع 80٪ في أزمة اقتصادية ومالية هي الأسواء والأشرس، ناهيك عن ابتكار "فوضى المصارف" لسرقة أموال اللبنانيين والمغتربين ومدّخراتهم تحت سمعه وبصره، والتلاعب بسعر صرف الدولار خارج البنوك وداخلها، لدفع المواطن إلى الركوع والتسليم.
لم يزل ميشال عون يتفاخر بخياراته الفاشلة والمريبة، وآخرها جعل لبنان بيدق شطرنج في مساومات إيران الدولية والأقليمية لتثبيت نفوذها شرقي البحر المتوسط، وكان نتيجتها التوقيع على اتفاق ترسيم الحدود البحرية رسيماً بين لبنان و إسرائيل، لكن عمليا بين "حزب الله" وعدوه المُعلن على منابر الجمعة، والترسيم واقعياً بين إيران وإسرائيل، ورغم أنه أمني في أحد جوانبه إلا أن الجيش كان بعيدا عن تفاصيله إلى أن بصم ميشال عون على الاتفاق.
وحتى ما سيُجنى من هذا الترسيم سيكون لصالح شركات وهمية تضخ أموالها في جيوب المتنفذين السياسيين وليس في الخزانة اللبنانية.
مقوقص مصر
عندما هرب دولة العماد إلى السفارة الفرنسية سنة 1990، ثم ذهب لاجئاً إلى فرنسا بعد دخول القوات السورية إلى بيروت، ترك وراءه خطوط تماس بين المسيحيين أنفسهم، وذلك الأمر لم يحدث منذ 1975 في بدايات حروب لبنان وحروب غيره على أرضه، وترك ضغائن بين الاسرة الواحدة، فالمسيحيون انقسموا بشأنه، وترك أخوة في "القوات اللبنانية" تقاتلوا مع أخوة في الجيش، وترك مقاتلين في الجيش قصفوا أحياءهم السكنية حتى تتطهر من الميليشات المسيحية. لم يغيّر منقذ لبنان أي شيء، بل ترك كل شيء أسوأ مما كان سابقاً.
فعندما غادر دولة العماد وفخامة الرئيس قصره، بعد خطبة وداع مفرغة من أي إنسانية أو رسالة منطقية لسياسي، أو أي كلمة فيها شرف رجل عسكري لوطن متوف سريرياً، ترك الاحياء المسيحية المتاخمة لحدود دولة "حزب الله"وهي تضع الجنازير ليلا على مداخلها خوفا من تحرشات وهجمات وسرقات الميليشيا الإلهية، وذك الأمر لم يحدث في أحلك أيام الحروب الأهلية، وترك الليرة شبه ميتة، والاقتصاد أكثر إقطاعية من القرون الوسطى، وانفجار مرفأ بيروت بدون أي تحقيق جدّي، والفساد السياسي أبشع، لأن رأس السلطة شارك فيه بوقاحة، وسيحارب ليضع زوج ابنته رئيساً وهو مجرد "حكوّجي" سوقي اللسان.
ترك المستشفيات بدون دواء ما عدا مستشفى الرسول الأعظم بسبب الامدادات الإلهية القادمة عبر سورية، والكوليرا تنتشر في لبنان وكأنه في عصور ما قبل اللقاحات، وترك المواطن محبطاً والطالب لا أمل له والطالبة لا أمل لها بالزواج سوى من مغترب، والاسرة في كرب وضيق ورب أي أسرة مصاب بعدة أمراض أقلها ضغط الدم المزمن.
أي رئيس سينتخب مجلس نواب وسماسرة الحروب والهدنات والاطماع الإقليمية في لبنان؟ المرجح رئيس سيلعب دور مقوقص مصر، لأن "حزب الله" هو الناخب الأعظم ولن يقاطع السماسرة الاخرون، فشعارات المزايدات ستختفي ويبدأ السماسرة ومتعهدي الحروب والسلام في حصد رشاويهم، آملين بحصة من غلة نقود البترول هذه المرة، وسيقدمون المزيد من أدوية الوجع الطائفية للمواطن اللبناني مدمن الطائفية.
كان أمل لبنان الوصول للاستقلال مرة أخرى منذ 1975، لكن رهانات اللبنانيين فشلت لعدم وجود إرادة وطنية قوية تنفذ ذلك الأمل، عوضاً عن تنفيذ جدول أعمال أمراء الحرب ثم مصالح السياسيين الوسطاء المرتشين المرتهنين، والنتيجة واضحة للعيان.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت