نظرة في أصل المفاهيم: هيرودوت وكتاب التواريخ

حسين محمود التلاوي
2022 / 11 / 8

هيرودوت مؤرخ إغريقي شهير يطلق عليه لقب "أبو التاريخ"، يتكون اسمه من مقطعين؛ الأول "هيرا"؛ وهي إحدى الربات الإغريقيات، والثاني "دوت"؛ والذي يعني الإهداء أو العطاء؛ فيكون اسمه "هدية هيرا" أو "عطية هيرا". ولد ما بين عامي 489 و478 قبل الميلاد في هاليكارناس في آسيا الوسطى — وتُعرف حاليًّا باسم بوردون — لأسرة معروفة لها دورها في توجيه الحياة الساسية التي كانت تسعى يومئذ إلى الحرية والخلاص من ظلم الطغاة، ويذكر إن أحد أقربائه ويدعى "بانياس" كان شاعرًا معروفًا، وزعيمًا لانتفاضة محلية كان هدفها الخلاص من حكم الطاغية لكداموس الثاني؛ ومن ثم فقد تأثرت نشأته بهذا المناخ الفكري والسياسي الذي أحاط به منذ طفولته. ولما بلغ العشرين من عمره رحل إلى ساموس التي كانت مزدهرة اقتصاديًّا، وكانت قد تحررت من حكم الطغاة منذ فترة قصيرة؛ فلبث فيها إلى أن سنحت له الظروف القيام برحلاته المتعددة التي دون خلالها مشاهداته في كتاب عُرِفَ باسم "التواريخ".
ولما انتهى من أسفاره، انتقل إلى العيش في مدينة ثوريي جنوب إيطاليا عام 444 قبل الميلاد؛ حيث مات عام 425 قبل الميلاد. وخلال تلك الإقامة دون القسم الأكبر من كتابه لكنه توفي قبل أن يكمله. وكانت الفترة بين عامي 450 و425 قبل الميلاد هي أخصب فترات حياته من حيث الإنتاج الفكري؛ حيث راح يتقصى حكايات الأمم والشعوب، وكان ذلك نابعًا من أن تلك الفترة شهدت نشاطًا فكريًّا مميزًا في بلاد الإغريق لتزامنها مع حروب إسبرطة وأثينا، ثم تحالفهما معًا ضد الفرس.
وعلى الرغم من أن البعض يقول إن أسفاره جاءت بسبب التضييق عليه، فإن واقع الحال في تلك الفترة في بلاد الإغريق تقول إن الترحال كان السمة الأساسية للكثير من الناس. وفي تلك الأسفار زار الكثير من البلدان في آسيا وأفريقيا وأوروبا، لكن يصعب ترتيب تلك الرحلات في خط زمني. وقد اتبع في ذلك الكتاب منهجية تقوم على خاصيتين من خواص الفكر الإغريقي؛ وهما المشاهدة والاستفهام، وكانتا الخاصيتين اللتين هيمنتا على الفكر الإغريقي، ودفعت الإغريق إلى الانطلاق في رحلات وأسفار إلى آسيا وأفريقيا وأجزاء من أوروبا للاطلاع والمشاهدة ثم العودة إلى بلدانهم بحكايات عن مشاهداتهم تأتي في قالب قصصي مشوق؛ مما كان يدفع الكثير من الإغريق إلى الترحال لأجل معاينة تلك المشاهدات.

كتاب "التواريخ"
وينقسم كتاب "التواريخ" إلى تسعة كتب أو أحاديث يتناول كل منها إقليمًا جغرافيًّا وحضاريًّا؛ حيث يتناول الأول منها بلاد فارس، والثاني يتناول مصر، والثالث خصصه للغزو الفارسي لمصر أثناء حكم قمبيز، أما الرابع فيخصصه لحملات دارا ملك فارس على آسيا، ويتفرع منه للحديث عن قارات العالم القديم الثلاث؛ آسيا وأفريقيا وأوروبا، بينما تناول الخامس والسادس والسابع حملات دارا على أوروبا، ويحكي الثامن والتاسع حكاية المواجهات بين الفرس والإغريق والتي انتهت بانتصار الإغريق.

هيرودوت والنيل
ويروى عن هيرودوت أنه دخل في سجال مع عدد من الكهنة المصريين كان بدافع الزهو القومي؛ فكان من بين ما قال: "وأنتم — أيها الماكرون — تنالون ثمرات الأرض في الوقت الحاضر بأسهل مما يناله به سواكم من الناس؛ أي من غير أن تستعملوا حتى المحراث"؛ في عبارة ذات دلالة على الدور بالغ الأهمية الذي لعبه نهر النيل في قيام الحضارة الفرعونية، واستمرارها عبر القرون.

لمزيد من التفاصيل، انظر:
إميل لودفيج، النيل: حياة نهر، ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي سي آي سي، القاهرة، 2018، ص 394
مصطفى أعشى، أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)، س. الترجمة، ع. 13، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، 2009، ط. 1، ص ص 16-21

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار