جمعيات حقوق المجرمين

عادل صوما
2022 / 11 / 4

هناك لوثة عقلية جمعية أصابت الغرب بسبب الافراط في الهلع من ردع المهاجرين غير الشرعيين، الذين سمح الغرب بنزوحهم إلى أراضيه إيماناً بمبدأ التنوع، وحفاظاً على حياتهم من الحروب، أو بطش حكام ينتمون لنفس دينهم في أحيان كثيرة، وهذه اللوثة تغذيها بعض جمعيات حقوق الانسان، التي تحوّل بعضها إلى "جمعيات حقوق المجرمين" ووسائل الاعلام المُشاركة في مخطط إلغاء ثقافة الغرب، ووصلت ذروة اللوثة إلى حدود دعم بعض أعضاء الكونغرس الأميركي لوقف تمويل شرطة الولايات المتحدة تحت شعار Defund the police الذي رفعه بعض أفراد من الأقليات، بعد مقتل لص بواسطة الشرطة.
الهلع كان ردة فعل غير مبررة على العنصرية، التي تتهم "جمعيات حقوق المجرمين" بها الغرب، لأن وقف الهجرة غير الشرعية أو ردع المجرم سواء كان ينتمي إلى الأقليات أو الأغلبية العرقية مطلوب من أجل سلامة المجتمع، حتى لا تسود الفوضى والجريمة المنظمة.
غير الشرعيين
بعض "جمعيات حقوق المجرمين" تندد أيضاً بأي وزير داخلية صارم ينفذ القانون على الجميع خصوصاً المهاجرين غير الشرعيين، وأخيراً، يبدو انهم دسوا محتجين قاطعوا خطاباً لوزيرة داخلية بريطانية بريتي باتل خلال حفل عشاء نظمه حزب "المحافظين"، ووصف المحتجون سياساتها بأنها "عنصرية" و"غير إنسانية"، ورفعت سيدة محتجة عقيرتها وكأنها منوّمة مغناطيسياً واتهمت الوزيرة المُخلِصة تجاه أمن بلدها "بانتهاج سياسات "قاتلة" تردي الناس وتطيح فرص حياتهم الجديدة، لأن الوزيرة قالت أن ما يحدث ليس هجرة بل غزواً.
وعندما اعتقل رجال الأمن السيدة المحتجة، استلمت محتجة ثانية الدور، في سيناريو واضح انه منظم مسبقاً، ورفعت عقيرتها أعلى من الأولى قائلة، "الشباب يرغبون في العيش في مجتمع عادل ورؤوف، ويشعرون بالاشمئزاز من تعامل وزارة الداخلية مع اللاجئين"، ثم انضم إليها رجل، وصاحا أثناء اصطحاب رجال الأمن لهما إلى خارج المكان: "اللاجئون مرحب بهم هنا".
لم يلفظ المحتجون الكذابون بالعبارة كاملة "اللاجئون غير الشرعيين مرحب بهم هنا".
افتراءات أو اتهامات
سياسات وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتل كانت دائماً موضع احتجاج كبير، وصل سقفه إلى اتهامها بالمسؤولية عن غرق لاجئين في القنال الإنكليزي، وكأنها تآمرت مع تجار البشر لجلب المهاجرين غير الشرعيين، رغم أن كل ما فعلته هو تعهدها بقطع طريق المهاجرين غير الشرعيين من كاليه الفرنسية إلى بريطانيا عبر البحر، وهذه هي وظيفتها التي تتقاضى معاشا شهريا منها.
الاتهام نفسه وجهته بعض "جمعيات حقوق المجرمين" الذين يدافعون عن تجارة البشر في ثوب إنساني مدّر لدموع الغوغاء والسوقة إلى وزير الداخلية الإيطالي السابق ماثيو سالفيني، الذي حوكم بسبب محاربته لتجار البشر الذين يجلبون المهاجرين غير الشرعيين عبر "سفن الموت" إلى محيط ميناء نابولي بالتواطؤ مع مجرمين إيطاليين، يخبروهم بأفضل وقت يصلون إليه ويرشدوهم باللاسلكي على أنسب الأماكن لرسو القارب، ثم يباشروا تجنيد المهاجرين غير الشرعيين حسب مواهبهم.
جمعيات حقوق المجرمين هذه، لها لوبي قوي للغاية حتى بين رجال الكنيسة والاعلام، وبين رجال الحقوق أيضا، فعلى سبيل المثال كان أبرز من اتهم الوزيرة البريطانية بالعنصرية المحامية شولا موس التي كتبت على صفحات "إندبندنت": يبدو أن وزيرة الداخلية البريطانية تشعر بإهانة من تحطيم تمثال، وبغضب من الاحتجاجات على التفاوت والظلم العرقيين، أكثر مما تفعل إزاء معاناة البريطانيين السود.
التمثال المشار إليه لونستون تشرشل الذي حطم بعض الناشطين الليبراليين تمثالا يكرمه، متهمين إياه بالعنصرية. وهذه الأفعال تقع ضمن ما يُسمى في الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة "إلغاء ثقافة".
كما اتهم شون أوغرايدي، مساعد رئيس تحرير "إندبندنت"، بريتي باتل وبوريس جونسون بنسيان أصولهما، فهما على حد قوله من أسر مهاجرة، لكنه لم يشر مطلقاً إلى أن اسرتيهما جاءتا بهجرة قانونية وليس غير شرعية في قوارب موت، وأن هاتين الأسرتين علّمتا أولادهما وربوهما على الانتماء لبريطانيا حتى وصلوا إلى ما هم عليه، ولم تكن أسر تقبض مساعدات شهرية من الحكومة وتتهم بريطانيا بالعنصرية.
تقول تجارب الشعوب إذا ألغى أي حاكم جزءا من تاريخ بلده في كتب المدارس، أو حطم تماثيل من سبقوه، فمعنى ذلك انه ديكتاتور صاحب نظام شمولي، يعتقد أن التاريخ بدأ به، وأن ثقافة بلده يجب أن تبدأ من عهده ناصع الطهارة والعدل والثورية.
سيئة السمعة
أصبح واضحاً للجميع ما عدا "جمعيات حقوق المجرمين" أن هناك عشوائيات مغلقة في أوروبا كلها لا تستطيع الشرطة الدخول إليها، أو تنفيذ القانون على مجرميها، وقد حاربت بريتي باتل هذه الأوضاع الشاذة التي تحميها "جمعيات حقوق المجرمين" بتعديلات تسمح بإنفاذ القانون في هذه العشوائيات على أراضي بريطانيا، وسمحت لضباط الشرطة باستخدام إجراءات التوقيف والتفتيش في المناطق التي يُشتبه بوقوع عمل إرهابي فيها.
لكن هذه التعديلات وُصفت بأنها مثيرة للجدل، وهناك مخاوف منها عند استخدام الصلاحيات بشكل تعسفي ضد السود وغيرهم من الأقليات في بريطانيا، رغم أن التعديلات التي أصدرتها الوزيرة "سيئة السمعة" كما يصفها البعض، لم تذكر مطلقاً أي أقليات. كانت بالمطلق.
وبررت الجمعيات إياها مخاوفها بذكر شهر آذار/مارس سنة 2021، حين كانت الأقليات العرقية من الآسيويين والسود أكثر عرضة للتوقيف والتفتيش من قبل الشرطة البريطانية مقارنة بنظرائهم البيض. لم تذكر الجمعيات لماذا كان عددهم أكثر من البيض. كانوا ببساطة الأكثر عددا في تنفيذ الجرائم لا أكثر أو أقل!
عزت بريتي باتل قرارها إلى تفادي تكرار جرائم العنف والقتل بالسكاكين. وهي موضة لم تكن موجودة في بريطانيا ثم بدأت تشهدها ولم ينفذها مواطن أبيض واحد حتى اليوم.
كانت حصيلة هذه التعديلات زيادة عمليات التوقيف والتفتيش بنحو 85 في المئة منذ سنة 2019، ومصادرة الشرطة نحو 50 ألف قطعة سلاح غير شرعية أو مرخصة من الشوارع، رغم إفتاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن استخدام صلاحيات مكافحة الإرهاب لتوقيف الناس وتفتيشهم أمر غير قانوني! لم تذكر المحكمة النزيهة مطلقاً أمر خطورة السلاح غير المرخص على سلامة المجتمعات.
وقائع عارية
قد يقول البعض أن تسميتي لهذه الجمعيات غير منصفة، ولمن يرون هذا الأمر أسألهم: هل سمعتم أن هذه الجمعيات ذكرت أي شيء أو نددت بعبارة واحدة نشاطات أشرف عبد الرحمن ميلاد "البيدجا" المتهم بتهريب البشر والوقود وارتكاب جرائم بحق المهاجرين الأفريقيين من ليبيا، والمستهدف بعقوبات من الأمم المتحدة؟!
البيدجا نشرت وسائل إعلام محلية صوراً له وهو يشرف على اختبارات الطلبة الجدد المتقدمين إلى الأكاديمية البحرية بمنطقة جنزور في العاصمة طرابلس، بصفته "آمر معسكر الأكاديمية"، رغم أنه من المطلوبين دولياً في جرائم الاتجار بالبشر، كما ارتكب العديد من الانتهاكات بحق المهاجرين وتورط في إغراق مراكبهم في عرض البحر، فضلاً عن قيامه بعمليات تهريب النفط، وتزعم عصابة إجرامية تنشط في منطقة الزاوية شمال غربي طرابلس، وهو مدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي، لكن "جمعيات حقوق المجرمين" لم تذكر شيئا عنه ولم تندد بأفعاله، وحتى لم تقل انه سيء السمعة!
كما لم تندد "جمعيات حقوق المجرمين" بغرق خمسة أطفال على الأقل بين 22 شخصاً تأكدت وفاتهم بعد غرق قارب شراعي كان يقل مهاجرين، فيما استمرت عملية البحث والإنقاذ عن 34 شخصا آخرين في عداد المفقودين، بين جزيرتي إيفيا وأندروس، شرقي العاصمة اليونانية.
غرق هذا القارب هو الأحدث في سلسلة غرق مراكب الموت عبر البحار اليونانية، وأوروبا بشكل عام، لكن الاتهام يوّجه لوزراء الداخلية الوطنيين، وليس تجار البشر الذين يتاجرون بهم طلباً للمال أو لإجبار المهاجر غير الشرعي على العمل بالدعارة أو ترويج المخدرات والعمل بالممنوعات، أو تنفيذاً لسياسات أصحاب "إلغاء ثقافة" والليبراليين ومن يقف وراءهم ممن أتلفهم ترهل الديموقراطيات أو الافراط في الحرية المنفلتة.
تاريخ مريب
هذه الجمعيات صاحبة تاريخ مريب أيضا، فقد تولت خلال الأربعين سنة الماضية الدفاع عن حقوق الإرهابيين الذين روعوا دول الشرق الأوسط باغتيالاتهم وتفجيراتهم وخاطابات الكراهية، بل وصل الأمر إلى حض المسؤولين الأوروبيين على عدم تسليمهم إلى دولهم التي فروا من أمام العدالة فيها، حتى لا يواجهون محاكمات غير عادلة!
محاكمات غير عادلة لمجرمين اغتالوا ونسفوا وقتلوا وخطفوا وحرضوا؟! قمة الكوميديا السوداء.
ما هي مصادر تمويل جمعيات حقوق المجرمين؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت