قطار آخن 21

علي دريوسي
2022 / 10 / 25

في غرفة الجلوس وقع نظره من جديد على اللوحة الكبيرة "رجل واِمرأتان" فوق الأريكة التي خُصصت لجلوسه في بداية السهرة، رسم على وجهه ابتسامة بخيلة، ألقى بجسده على الأريكة، أصدرت مؤخرته ضجيجاً عذباً، لم يكترث له، فاحت رائحة خفيفة، استساغها، خجل من ذاته، بَرَّرَ جريمته:
ـ في الشرق يفعل الضابط ما يشتهي لأنه لا يستحي.
داعب بطنه كما يفعل ضابط صغير عُيّنَ في مزرعة نائية، خاطب نفسه:
ـ من هو صاحب القول المأثور "إذا لم تَسْتَحِ فافْعَلْ ما شئتَ"؟
أشعل سيجارة لإخفاء آثار الجريمة.
صبّ لنفسه القليل من "جيم بيم" الأمريكي، أخذ رشفة من كأس الويسكي ثم احتضن الكأس بين أصابع يده القوية.
عادت الشَّهيَّتان بعدة صحون للمازة، انهمكت سابينه في توزيعها على الطاولة.
ـ أعتقد الآن أنّ المائدة جاهزة. دقائق وتأتي هنيلوري بالتِيجَان.
سوّت الممرضة هندامها، غَمَزَته بعينها اليسرى ثم اِنْحَنَتْ كغصن شجرة تفاح أمام فخذيه المتباعدين، وضعت راحَتا يديها على فخذيه، همست:
ـ أعشق الحذاء الأبيض ومرتديه!
قَبَّلَته على شفتيه السّاخنتين، ضَيّق من انفراجة فخذيه!

حالما يصفُ ضابط البحرية، ذاك الجالس في البعيد بلباسه الأبيض على أريكته البيضاء في وضعية تَقْبيل، جذع شجرة زيتون أو برتقال مثلاً، شارحاً أسباب فَرْشَحَاتها وانفراجاتها الغصنية، شارحاً أسباب تَضْيِيقه لاِنفراجة فخذيه واِمتناعه عن شرب القهوة وقراءة الجريدة، حالما يُفهمنا الضابط سبب نُمُوّ أحد الفروع بالاتجاه الفلاني الذي نَمَا فيه وعدم قدرته على النمو في اتجاه آخر، حينها نصدّقه بلا شك، نصدّق أنّه تغلّبَ عليها فنياً وإبداعياً، نصدّق أنّه من خَلَقَ الشجرة.

شَدّها إلى صّدره، تزحلقت بفخذيها العاريتين كصابونة صباحٍ فوق فخذيه، أَمسَكَ رَّدْفيها، ضغط على لحمهما البَضّ، حين اِلتقت الشِّفاه، صار شَّهِيقها زَفِيره وزَفِيرها شَّهِيقه.

ـ سأكون لك الليل بطوله، اِمرأة في عربة تسوُّق.
ـ أتقصدين مثل صورة "فيونا بريس" للمُصوِّر البريطاني "جون رانكين"؟
ـ تماماً، أين رأيتها؟
ـ في صالة الفنون في مدينة روستوك.
ـ أيثيرك هذا النوع من الصور؟
أجابها مُناكفاً في الوقت الذي أبعد فيه كفّيها عن وجهه تحسّباً للَطْمَة:
ـ أنا تثيرني نصف الشُرطِيّة ونصف المُمَرِّضة أكثر.
**

دخلت هنيلوري تحمل على راحة يديها الإثنتين صينية خشبية بحذرٍ.
قالت ضاحكة وجسدها ينوح تحت ثقل الصينية التي تحملها:
ـ هل بدأتما الاحتفال من دوني؟
ـ لا، أبداً، كان مجرد تمرين على تبادل القُبَل! أجابت سابينه.
ـ لكنكما لم تشربا ما يكفي بعد!
ـ هذا أفضل، لكل تفصيل رائحته ووقته.
ـ لا تقربوا الشّفاه وأنتم سُكارى، حتى تعلموا ما تُقبِّلون. قال إبراهيم ضاحكاً ثم أبعد جسد سابينه عنه برفق.
ـ هلاَّ ساعدتني يا إبراهيم الشرقي؟
ـ ألا ترين كيف أحاول النهوض!؟ قادم إليك، ما هذه الأشكال الغريبة التي تحملينها؟ هل أحضرت معك بعض حواجل مُخْتَبَر الكيمياء من مدرستك؟
اِقترب منها، نظر إلى حمولتها، كانت قد أحضرت معها ثلاث قنِّينات من الزجاج المزخرف، مفتُوحَات على رأسِ غَليونٍ، يلتصق بكل واحدة منهن أنبوب طويل، ثلاثة مَشَارِط، كومة من المسحوق الأبيض، رقائق السلوفان الرفيعة، شوكولاتة، أعواد ثقاب وعلبة مكعبة الشكل كُتب عليها بالإنكليزية تبغ غارغويل.
كانت عينا هنيلوري ترجوانه تخفيف الحمولة عن كاهلها.
ـ هل تكون لطيفاً وتتناول الناراجيل وتضعهم على الطاولة؟
ـ ها أنا أفعل بطيبة خاطر، ألا ترين؟
ـ أشعر أحياناً، كأنّكَ لست في هذا العالم، لست معنا في الحاضر.
ـ لا، لا أبداً، كل شيء تمام، ليس هناك أدنى مشكلة.
ـ ماذا فعلتِ في الأيام الأخيرة بهذا الوسيم؟ سألت هنيلوري دون أن تحصل على جواب من سابينه.
**

ـ كيف نبدأ سهرتنا يا مؤمنات؟
ـ مثلما يبدأها سكان أمريكا الجنوبية! أجابت سابينه.
ـ ما الذي تريدين قوله؟
ـ سنشرب الشاي للانتعاش والتغلب على تعب النهار!
ـ شاي!
ـ نعم، سنضع معه جزء من هذا المسحوق النادر.
ـ ما هذه البودرة البيضاء بالمناسبة؟
ـ يسمونه بالإنكليزية "الكوكايين"، هل تعرفه؟ هل جربته سابقاً؟
ـ لا، لم يحصل أن تعاطيته!
ـ أنت لا تقول الحقيقة!
ـ بلى!
ـ لقد جربته معي في غرفتك الطلابية.
ـ هل أعطيتني مخدرات، في تلك الليلة!؟
ـ لم أعطيك شيئاً، أنتَ رغبت بسحبة دخان من غليوني.
ـ لا أذكر!
ـ سنهاجم السماء هذه الليلة! سنمشي إليها كالرجل في تمثال الفنان "جوناثان بوروفسكي"، هل تعرفه؟
ـ نعم، سبق أن شاهدته أمام محطة القطار في مدينة كاسل.
**

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت