الديانات الإلكترونية والديانات الإبراهيمية

عادل صوما
2022 / 10 / 18

فكرة مقالي الساخر ومضت في عقلي بعد نكتة نصيّة أرسلها صديق على هاتفي. كان نص النكتة "سأل شاب إمام مسجد: هل عندكم واي فاي وما هي كلمة السر؟ فقال له إمام المسجد: اتق الله. فسأله الشاب: هل اكتبها كلمة واحدة أو توجد مسافة بينهما؟!"
رديت على النكتة النصيّة وكتبتُ: الديانات الإلكترونية.. وعدد متابعي كل دين منها مثل فيس بوك أو يوتيوب أو تويتر أكثر من عدد تابعي أي دين إبراهيمي. وإذا كان موسى طلب من محمد الصعود لسدرة المنتهى مرة ثانية وثالثة حتى يخفف الله عدد الصلوات للمسلم، فإن أي متابع لأي دين إلكتروني على استعداد للصلاة له أكثر من خمسين مرة بدون أي تذمر".
واضح جداً الفرق بين عقلية إمام المسجد (وكثيرون يشبهونه خارج نطاق النكتة) والشاب، فقد اعتبر الإمام وجود واي فاي في مسجده حرام، بينما الأزهر له صفحة على الفيس بوك وغيره، ويتلقى رسالات نصية يطلب أصحابها فتاوى. الشاب سأل بعقلية عصرية، والشيخ أجاب بسلفيّة صحراوية.
الفارق بين الأديان
رحابة الصدر ونشر اختلافات الرأي وتجاور المختلفين سمات الديانات الإلكترونية، علاوة على وجود ظاهرة فريدة تجمع المتحدثين باللغة العربية هي تديين المنصات الإلكترونية، فهم الوحيدون بين شعوب العالم كله الذين أوجدوا هذه الظاهرة بسبب القمع وعدم وجود حريات أو حقوق للإنسان في بلادهم.
الديانات الإلكترونية جعلت الناس يتواصلون، والديانات الإبراهيمية جعلتهم يتباعدون ويتقاتلون.
تجمع الديانات الإلكترونية بحيادية تامة ما بين داعٍ يؤمن بأن المسلمين تدهورت حالهم منذ اختفاء الغزو من حياتهم، وجورج بول الذي يسخر مما يقوله هذا الداعية وغيره من الدعاة الفضائيين، الذين لا أستوعب جرأة بعضهم في ما يقولوا في عصر العلم، ومنهم على سبيل المثال شيخ سعودي أكد أن الأرض لا تدور، وطلب وهو يكاد يبكي من مشاهديه عدم تصديق علماء الفلك، وفسر الأمر هكذا: إذا كانت الأرض تدور لظلت أي طائرة تحلق في مكانها فوق المطار إلى أن تأتي الوجهة التي ستذهب إليها تحتها وتهبط وبذلك يوفرون الوقود. هل جهات الطيران غبية إلى هذه الدرجة؟
الديانات الإلكترونية تتنافس على الإعلانات بما لديها من إنتاج وليس بالانقلاب على بعضها بعضاً، كما حدث في الديانات الإبراهيمية، لكنها لا تتنافس على جلب المؤمنين بها.
حرية، لأن كل مؤمن يعرف ما يناسبه ويفيده ثم ينتمي إليه.
الأعمار المستحيلة
نشرت الديانات الإلكترونية التنوير، ووفرت هدر وقت الناس في البحث عن معلومة أو المقارنة بين معلومتين. كنت شخصياً سأحتاج كمهتم وباحث في الأديان إلى ثلاثة أعمار كل واحد منها مئة سنة. لأعرف ما عرفت من التنويريين المتحدثين بالعربية فقط على الأنترنت.
في أول ثلاثين سنة من العمر الأول من هذه الأعمار مستحيلة التحقيق كنت سأقرأ عشرات المراجع والكتب لأفهم ما قاله سيد القمني أسد مصر الذي أفزع ذئابها بقلمه، وثلاثون سنة أخرى قراءة لأفهم ما قاله الأسطورة المعرفية التي تمشي على قدميّن غزعل الماجدي.
كنت سأقرأ الكثير من الكتب وأتعلم الألمانية والفرنسية لأفهم ما قال حامد عبد الصمد وإرنست وليم. وعدد لا حصر له من الكتب لأفهم ما قاله رشيد إيلال ومحمد المسيّح وأبو منصور حرب في قناة "نهاية أسطورة".
وكنت سأقرأ عشرات الكتب لأفهم ما كتب وقال محمد داوود، ومؤمن سلام خصوصاً في "مراجعات تاريخية"، وأقرأ عشرات الكتب لأفهم ما قال آدم المصري كدارس في علم الأديان المقارنة في حلقات.
ثقافات الشعوب
ما ذكرته مجرد أسماء من لائحة تنويريين طويلة على المنصات الإلكترونية، ناهيك عن تنويريين دينيين لم يعاصروا الإنترنت، على رأسهم أبكار السقّاف التي أحني رأسي لها احتراما، وكل ما قالوا كان جرس إنذار أمين للقائمين على الثقافات الإبراهيمية، أو الأديان الإبراهيمية كما يقول الناس، ليس لتغيير خطابهم الديني، لكن لعدم ارتزاقهم منه بتحريض الناس أو التزلف للسلطة أو ادانتها حسب هواهم، وتثقفهم من مصادر أخرى علاوة على كتب التفسير والحديث، وإعادة النظر في ما يقولوا للعامة، وترك ما لا يجب قوله للباحثين في تاريخ ثقافات الأمم التي تشمل الأديان.
ليس كل ما ورد في الأديان يصح لكل زمان ومكان، ولو كان كل ما ذكرته الأديان صحيحاً لماذا ظهر علماء فلك وعلماء أحياء صححوا ما ورد فيها؟ ناهيك عن المؤرخين والباحثين في الأديان وعلماء الأثار الذين كشفوا عن علاقاتها ببعض وعلاقتها بثقافات الشرق الأوسط، وبالتالي انتفاء وجود وحي منطقياً وبالبراهين.
كيف يُصحح بشر عاديين ما جاء في وحي مُفترض أن يكون كامل؟ وكيف يختلف المفسرون في ما يجب أن يكون واضح؟
الله أخفى حكمته؟ قول غير مقنع لأن حكمته المخفية تلك تسببت في قتل ملايين الناس، وقد تقتل ملايين غيرهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت