الإصلاح في العراق يبدأ بإصلاح بنيته السياسية

داخل حسن جريو
2022 / 10 / 18

يتوهم كثيرا من يعتقد أن اية إنتخابات نيابية تجرى في العراق في ظل الأنظمة السياسية القائمة في العراق منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , تحت أي قانون إنتخابي وأي إشراف دولي بأية صفة كانت , يمكن أن تفضي إلى إصلاح حقيقي وقطع دابر الفساد والحد من آفة الفقر والمرض المستشرية في كل مكان , وذلك لسبب بسيط واضح للعيان يكمن في بنية النظام السياسي نفسه , القائمة على أساس المحاصصة الدينية والطائفية والأثنية , التي مزقت وحدة الشعب حيث بات يتخندق الناس وراء متاريس طائفية أو أثنية ,تحت أوهام الدفاع عن وجودهم الذي يوحى إليهم القابضون على السلطة ,أنه بات مهددا من الطوائف أو الأثنيات الأخرى . وبذلك يتم إلهائهم بصراعات هامشية لا معنى لها , يصب فيها اصحاب المصالح ومأجوري الدول الأجنبية , الزيت على النار بين الحين والآخر كلما خفت وهيجها ,كي تبقى متقدة وتحت سيطرتهم ولا تخرج عن المسارات المرسومة لها ,وبما يتوافق ومصالحهم التي لا تمت بصلة لمصالح الشعب بما في ذلك مصالح طوائفهم وأثنياتهم أبدا .
وهذا ما أشارت إليه مندوبة الأمم المتحدة في العراق السيدة بلاسخارت في إحاطتها لمجلس الأمن بتاريخ السابع عشر من شهر آيار عام 2022 , بقولها أنه لا يزال العراقيون بانتظار طبقة سياسية تسعى، بدلاً من الاكتفاء بمعارك السلطة التي عفا عليها الزمن، إنهم بانتظار طبقة سياسية تسعى إلى أن تشمر عن سواعدها لإحراز تقدم في تحقيق القائمة الطويلة من الأولويات المحلية المعلقة في العراق. وكما تعلمون، فقد جرت الانتخابات الوطنية منذ أكثر من سبعة أشهر، غير أن المواعيد النهائية المتعددة في مسار تشكيل الحكومة مرت ولم يتم الالتزام بها . وأشارت إلى أن النظام السياسي ومنظومة الحكم في العراق يتجاهلان احتياجات الشعب العراقي، ويمثل الفساد المستشري سبباً جذرياً رئيساً للاختلال الوظيفي في العراق. ولا يمكن لأي زعيم أن يدّعي أنه محمي منه وإبقاء المنظومة كما هي سوف يرتد بنتائج سلبية . وبينت أن أولويات أية حكومة قادمة يجب أن تتضمن الآتي :
. 1.تقديم خدمات مناسبة لكافة المواطنين
وضع حد للفساد المستشري وظاهرة الفئوية والنهب لمؤسسات الدولة ..2
. تنفيذ الإصلاحات الملحة المطلوبة.3
. تنويع الاقتصاد.4
. تأسيس نظام حكم يمكن التنبؤ بمساراته بدلاً من الإدارة المستمرة للأزمات.5
. وضع حد للإفلات من العقاب، حيث تكون المساءلة أحد أهم سمات الدولة.6
. كبح جماح الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، مع تأكيد سلطة الأخيرة.7
وقد مضى عام كامل على إجراء الإنتخابات المبكرة التي جاءت تنفيذا لمطالب المتظاهرين في بغداد ومحافظات وسط العراق وجنوبه والتي راح ضحيتها عدد من المتظاهرين في عراق يحلو للقابضين على السطة تسميته بالعراق الحر الديمقراطي , والفرقاء الفائزون بهذه الإنتخابات البائسة , ما زالوا يتشاكسون فيما بينهم ولم يتمكنوا من تشكيل الحكومة ضاربين عرض الحاط المدد الدستورية التي تلزمهم بتشكيل الحكومة في ظاهرة غريبة عجيبة لم يشهدها بلد من البلدان , مما تسبب بتعطيل مصالح البلاد والعباد حيث تعذر إقرار موازنة الدولة المالية لعام 2022 . ويذكر أن قطاعات واسعة من الشعب لم تشارك بهذه الإنتخابات , حيث بلغت نسبة المقاطعة نحو(59%) من إجمالي من يحق لهم التصويت بحسب ما أعلنته المفوضية العليا للإنتخابات في العراق , ويعتقد كثيرون أن نسبة المقاطعة أعلى من ذلك كثيرا. وتعزى أسباب هذه المقاطعة لعدم قناعة الناخبين بنزاهتها وجدواها , حيث لم يلمس الشعب شيئا من سابقاتها سوى المزيد من تدهور أحوالهم المعيشية على كل الصعد, على الرغم من وعود السياسيين لهم في كل دورة إنتخابية بالخير العميم الذي لم يلمسوا شيئا منه , سوى المزيد من الفقر بينما ينعم الساسة بحياة مرفه لم يعرفوها من قبل.
وهذا ما أكدته ممثلة الأمم المتحدة بإحاطتها التي قدمتها لمجلس الأمن في الرابع من شهر تشرين الأول من العام 2022 بقولها : " لا يكن لديكم أدنى شك بأن خيبة أمل الشعب قد وصلت إلى عنان السماء. لقد فقد العديد من العراقيين الثقة في قدرة الطبقة السياسية في العراق على العمل لصالح البلد وشعبه. ولن يؤدي استمرار الإخفاق في معالجة فقدان الثقة هذا سوى إلى تفاقم مشاكل العراق ". وأضافت " دعونا نواجه الأمر: منذ عام 2003، أُهدرت العديد من الفرص لإجراء إصلاح هادف ومطلوب بشدة. وبعد ما يقرب من 20 عاماً، يتوجب على قادة العراق الإقرار بأن التغيير المنهجي أمر حيوي لمستقبل البلاد" .
وقالت : " أن النظام السياسي ومنظومة الحكم في العراق يتجاهلان احتياجات الشعب العراقي، أو حتى أسوأ من ذلك، يعمل بنشاط ضدها . ويمثل الفساد المستشري سبباً جذرياً رئيساً للاختلال الوظيفي في العراق. إن إبقاء المنظومة "كما هي" سوف يرتد بنتائج سلبية عاجلاً وليس آجلاً، لذا من المهم صياغة ما أقول بدقة وعلى النحو التالي: المنظومة، وليست مجموعة من الأفراد أو سلسلة من الأحداث . أخفقت الأطراف الفاعلة على امتداد الطيف السياسي في وضع المصلحة الوطنية في المقام الأول. لقد تركوا البلد في مأزق طويل الأمد، مما زاد من تصاعد الغضب المتأجِّج أصلاً " .
فهل يا ترى هناك ثمة أمل بصحوة ضمير لمن أوصلوا العراق ,البلد الغني بموارده وثرواته الذي جعلوه أحد أفقر بلدان العالم ,إن لم يكن أفقرها على الإطلاق بحسب إحصاءات الأمم المتحدة , والذي بات مهددا بوجوده كدولة موحدة , حيث تعبث بأمنه دول الجوار متى شاءت وكيفما أرادت دون رادع , ومهددا بالتصحر والجفاف بسبب حرمانه من حصصه المائية من تركيا وإيران المقررة بحسب بموجب القانون الدولي الذي بنظم حقوق الدول المتشاطئة في الأنهر, والذي تفاقم جراء تقاعس الحكومات العراقية المتعاقبة , وعدم إتخاذها إجراءات فاعلة لترشيد موارد العراق المائية بإعتماد وسائل ري حديثة لاسيما أن العالم يشهد تغيرات مناخية قاسية , يعد العراق أحد أكثر بلدان العالم تأثرا بها . وتنهش جسده المليشيات المسلحة بمسمياتها المختلفة وعصابات الجريمة المنظمة التي تحضى بحماية جهات متنفذة ؟, وهل سيعيد ساسة العراق حساباتهم والتنحي عن السلطة لأتاحة الفرصة لدماء شابة جديدة لا تعاني من أدران أحقاد الماضي ,لإنصاف شعبهم الذي أهانوه وأفقروه وحرموه من أبسط مستلزمات الحياة ؟. لا أعتقد أن هناك ثمة أمل , إذ ليس بإمكان منظومة غارقة في الفساد أن تصلح نفسها بنفسها , ذلك أن جميع الأحزاب والكتل السياسية المتصدرة للمشهد السياسي منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا ,منغمسة في الفساد من أخمص قدميها حتى أذنيها بإعتراف قادة هذه الأحزاب التي أعلنوها جهارا نهارا أنفسهم أكثر من مرة عبر وسائل الأعلام ومنصات التواصل الإجتماعي دون حياء أو خوف من ملاحقات قانونية , وكأن سبيل حالهم يقول للمتظاهرين تظاهروا ما شئتم , فدار السيد مأمونة كما قالها رئيس الوزراء الشهير نوري السعيد أبان التظاهرات العارمة التي إندلعت في العراق عام 1956 , إستنكارا لموقف الحكومة العراقية المتخاذلة الذي إتخذته تجاه دول العدوان الثلاثي على مصر بسبب قيامها بتأميم قناة السويس يومذاك .
وهل يعني ذلك أم الأمر بات مستعصيا على الحل ؟ والجواب لا إنما يتطلب تضافر الجهود الخيرة عبر برنامج وطني واضح الأهداف والمسارات والمعالم ,لإجتثاث الفساد من جذوره بوصفه آفة سرطانية ينبغي إستئصالها من الجسد العراقي. وهذا أمر لا يمكن تحقيقه ما لم يتم تغيير بنية النظام السياسي القائم حاليا في العراق والذي أثبت فشله تماما بإعتراف قادة هذا النظام أنفسهم على الرغم من تمسكهم به ,وعدم رغبتهم بالتخلي عنه لما جنوه من أموال السحت الحرام على حساب تجويع شعبهم , والأهم من ذلك إعتراف الأمم المتحدة عبر تقارير مندوبتها المتكررة , فضلا عن قادة الدول التي صممت هذا النظام الفاشل في العراق . ومهمة كهذه ليست بالأمر اليسير , لكنها أيضا ليست بالأمر العسير .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت