العالم بعد غودار

عبد المجيد السخيري
2022 / 10 / 17

وصف أحد الكُتاب حالة السينمائي الفرنسي الكبير جون- لوك غودار بالغريبة، حيث "الجميع يعرفه لكن تقريبا لا أحد يولي أقل اهتمام بأفلامه الجديدة"1. شخصيا أرى نفسي قي وضع معكوس، أهتم كثيرا بأفلام غودار القديم منها والجديد، كما أفلام كبار مبدعي السينما من الغرب والشرق، الشمال والجنوب، ولا أُبدي اهتماما كبيرا بشخصيته في حد ذاتها، بالرغم من أنه من غير المعقول أن نفهم سينما هذا المؤلف والمخرج السينمائي المتميز دون أن نستعيد سيرته ونسلط الضوء على العصر الذي شكل وعيه وحساسيته الجماليين، هذا بالنسبة لمن يهمه التخصص في سينما غودار والغوص في عوالمها وأسرارها.

نهاية عالم

لم تسنح لي الفرصة لنعي غودار يوم رحيله بسبب التزامات بحثية ضاغطة، إذ لم يكن ممكنا بالنسبة لي "خربشة" بضع كلمات لمشاطرة عُشّاق السينما في العالم، وسينما استثنائية لا تتكرر إلا مع عباقرة الفن والجمال، الشعور بالأسى لغياب أحد أهم صُناع الجمال المثير والمستفز للحواس والعقل. فقد كان يلزم بعض الوقت المعقول لاستعادة، ليس تجربة سينمائية عصية عن الاختزال فحسب، بل وعصرا كاملا من الابداع والشغب الجمالي الذي لا يُقارن. فلم يكن غودار مجرد مخرج سينمائي مثير للجدل ومبتكر مفاهيم في السينما (فيلسوف الصورة)، بصمت أعماله وآثاره السينمائية ذاكرة القرن الماضي، بل كان أكثر من ذلك بكثير، إلى حد أنه يصعب وضعه في خانة معينة مع بقية المبدعين الكبار في مجال السينما على الأقل. وباسترجاع سريع لسياق ميلاد وتطور عمله السينمائي في عصر مضطرب، وحقبة مميزة من تاريخ البشرية، وفي الغرب الأوروبي بشكل خاص، سيتبين أن الأمر يتعلق بعلامة يصعب ابتكارها في الوضع الراهن للعالم، وسيحتاج العالم إلى رجّات وهزّات أقوى مما حدث في الستينيات من القرن الماضي ليظهر غودار جديد يمثل زمنه ويعكس في الصورة والتأليف السينمائي قلق العقل اليقظ والعين الثاقبة التي ترى ما لا تراه أي عين عادية في الأحداث واليوميات، وحركات وأحلام الناس، وجدليات الصراع وأفق الانتظار، وغير ذلك مما يحتاج إلى توليفة خاصة من الحدس والحس، العقل والرؤيا، الحكمة والموقف، الكائن والمفهوم.. إلخ.

حكيم السينما

لم يكن غودار فقط، كما صورته الصحافة الفرنسية، بالطفل المرعب للسينما الجديدة، ومخرج ثلاثة أشرطة فيلمية خلخلت "صورة" وتاريخ السينما، ومنها الأثر الذي أخيرا صار متاحا على أقراص الدي في دي، وهو "تواريخ السينما"2. إنه أكبر من ذلك شاء من شاء، أو استكبر من في نفسه شيء من الغيض. وسواء شاطرناه مواقفه وآراءه السياسية والأيديولوجية أم لا، فإن غودار مبدع كبير كانت السينما بالنسبة إليه فنا للصراع والمقاومة والتمرد الدائم، بقدر ما عمل على خلخلة لغتها وأساليبها، فجعل الفن السينمائي ما قبله ليس كما بعده.
كان غودار بمناسبة خروج عمله الجديد يثير الجلبة دائما وإلا لن يكون غودار، حتى أن الجمهور اعتاد أن يتلقّف من كل لقاء أو حوار يجريه مع وسيلة إعلامية، أو من تصريحاته في ندوة صحافية، أقوالا خالدة وعبارات ساطعة كأنه سقراط السينما. يأتي الجهور ليحمل معه من كل لقاء حكمة جديدة، وما أكثرها اليوم عن العدّ والاحصاء، مثلما المواقف العديدة التي حولته إلى ما يشبه أسطورة في تاريخ الثقافة والفن المعاصرين. مواقفه الصادمة والجريئة والساخرة من أحداث وشخصيات وكيانات رأى فيها ما يشدّ إلى الماضي ويعيق التحرر ويكرس السلطة. تاريخه الحركي لا يقل فنية عن أسلوبه المميز في تناول الأشياء على الشاشة الكبيرة. فمناوشاته للجنرال دغول في عز الأزمة الثورية لماي 68، وبلبلته لمهرجان كان في نفس السنة بمعية جماعة من الكومبارس لا تُنسى، وكذلك وقوفه العلني في صف النضال العمالي على طريقه الخاصة، واستفزازاته المستمرة لكهنة الاعلام المسيطر ودهاقنة الصورة المزيفة. ومع ذلك البعض رأى أن غودار استهلك رصيده الابداعي مبكرا مع الأعمال الكبرى لسنوات الستينيات، خاصة أفلام مثل: À bout de souffle, Le Mépris, Pierrot le Fou، حيث أن ما جاء بعدها لم يكن سوى إجهادا واستثمارا في الغموض والغوص في المتاهات. وبعض الكتابات في هذا الباب تعطي الانطباع بأن غودار بقي هناك في الستينيات عالقا في أسطورته، أو على الأقل هذا ما توحي قراءة كتاب لأحد أبرز محللي أعمال غودار، وهو آلان برغالا، الذي صدر سنة 2006 بعنوان " غودار في العمل: سنوات 1960 "(منشورات دفاتر السينما)3. وستكون لنا وقفة مفصلة مع هذه الإشارة، ومع غيرها مما سبق وما سيأتي، في مكان آخر متخصص.

التمرد على مواضعات السينما السائدة

غودار هو ابن حقبة استثنائية في تاريخ القرن الماضي، حقبة مذهلة بأحداثها السياسية وتحولاتها الثقافية وموجاتها الفنية والأدبية الجديدة، ومن الطبيعي جدا أن يظل وفيا لروحه الستينية حتى يظل غودار نفسه، ذلك الشاب الذي أعلن الثورة على السينما من النمط الفرنسي التي تُولي أهمية أكبر للحوار بدل السرد البصري، والكاستينغ بدل الإخراج، كما على سينمات أخرى مُكرّسة، تجارية وغير تجارية، وشرع بحماس منقطع النظير يعيد ابتكار سينما جديدة تضع المونتاج في مقدمة عناصرها الإبداعية، ولغة سينمائية مبتكرة تجمع بين اللصق والاستشهادات والمقابسات، دون أن يكون ذلك على حساب الخط الروائي أو الروح الغنائية، ولا أيضا الافتتان الأعمى بالشكلانية والتضحية بالموقف أو الواقعية الرفيعة التي تُلقي الضوء على تحولات العصر والمناطق المظلمة في المجتمع وتغيراته القيمية والثقافية والسياسية، كما صورتها أفلامه مثل، "نهاية الأسبوع"، "الصينية"، "الازدراء" وغيرها.
كان غودار يرفض أدنى تواطؤ مع مجتمع أو فضاء الفرجة، ولذلك أعلن القطيعة مع النسق السائد ليتفرغ لمهمة الابداع والاكتشاف التي جعل السينما تنهض بها ببساطة الفن الذي ينبغي أن يبرز ما لا يراد له أن يرى بطريقة أخرى. وكان من المنطقي جدا أن تكون السينما في هذه الفترة ذات هوية نضالية لا تخطئها العين، بصرف عن شكاوى البعض من صعوبة خطابها، أو تبرّم البعض الآخر من رسالتها المخيفة، الثورية. لا شيء من ذلك كان يزعج غودار، وهو على قناعة راسخة بأنه ليس بوسع أحد مواجهة النظام القائم دون أيضا تخريب أنماطه في التمثيل ورؤية العالم التي يرعاها.

التجريبية وقلق ما بعد الستينيات

تميزت فترة منتصف السبعينيات بدخول غودار غمار التجريبية مع استكشاف تقنيات جديدة، خاصة تلك التي صارت متاحة مع الفيديو، والبحث المضني عن تحرير الصورة السينمائية من المدونة السمعية البصرية المفروضة، خاصة مع طغيان التلفزيون، مؤكدا أن الاستلاب لم يعد فقط إيديولوجيا وإنما يوجد في التماثلية الادراكية التي نخضع لها دون حتى أن نعرف ذلك. مرت هذه التجربة سريعا ليعود غودار مع بداية الثمانينيات إلى النسق متسلحا باستراتيجية جديدة للمقاومة من الداخل في مواجهة غير متكافئة بالتأكيد مع صناعة الفرجة المنتصرة، وفي أجواء غير متفائلة تماما على أعقاب مرحلة انهيارات وتراجعات متصاعدة على جميع الأصعدة.، وليبحر ضد التيار بأفلام مبدعة تؤكد أن المقاومة تبدأ من الحفاظ على متطلبات العمل الفني في مواجهة عالم يبخسها. هذه المقاومة أثمرت نتائجها الكبرى في الفترة الموالية مع إخراج أعمال جديدة بلمسات ساحرة، وصولا إلى العمل-الأثر البصري الذي يُتوّج نهاية القرن الماضي: "تواريخ السينما". في هذا العمل بالتحديد يؤكد غودار أن السينما كانت دائما في اشتباك مع التأملات حول نفسها في الأعمال السابقة، وها هي تكتشف نمطا جديدا عليها جرّبه الأدب قبلها وهو المحاولة، حيث تتأمل تاريخها وعلاقتها بالتاريخ، لا من فعل ناجز للفكر أو التفكير في الصور، بل بالتفكير معها ومن خلالها. الاحتفاء بالسينما من أجل السينما في هذا العمل ينذر بالشؤم: نهاية السينما. ليس فقط مع سطوة التلفزيون والانتصار للشريط التلفزي على أنها سينما لمزيد من الأرباح والعائدات في سوق الإعلانات، وإنما مع تحول القنوات التلفزية إلى منتج يفرض معاييره واختياراته، ليس في فرنسا فحسب، بل واليوم في أغلب بلدان المعمورة. هذا ما يستنفر الحس والعقل لمقاومة التيار الكاسح الذي يحول السينما إلى سلعة كباقي السلع ليس فقط بإخضاعها لقوانين السوق، بل أولا وقبل كل شيء بتجريدها من أسلحتها الخاصة: لغتها المتميزة، جماليتها وجمالها.

أقوال خالدة

"الثقافة هي القاعدة، والفن هو الاستثناء"- "عندما أسمع كلمة ثقافة أخرج دفتر شيكاتي"-"الفوتوغرافيا هي الحقيقة والسينما هي الحقيقة أربع وعشرون مرة في الثانية".
"لا أريد أن أتحدث سوى عن السينما. لماذا أتحدث عن شيء آخر؟ مع السينما نتحدث عن الكل، ونصل إلى الكل ".
"عندنا نذهب إلى السينما نرفع الرأس، وعندما نشاهد التلفزيون نخفضها" - "التلفزة مثل الصنبور : يتدفق باستمرار، يكفي أن نصُبّ السُّم بداخله"- "السينما تصنع الذاكرة، والتلفزة تصنع النسيان"- "هناك المرئي واللاّ مرئي. إذا صورتم فقط المرئي، فإنكم تصورون شريطا تفلزيا"- "لم تكن السينما أبدا جزء من صناعة الفرجة، وإنما من صناعة مستحضرات التجميل، من صناعة الأقنعة، نفسها فرع من صناعة الكذب".
"في الأدب ثمة كثير من الماضي وقليل من المستقبل، لكن لا وجود للحاضر. وفي السينما لا يوجد سوى الحاضر الذي لا ينفك يمضي"- "ما هو الفن إن لم يكن ما بواسطته تصير الأشكال أسلوبا".
" السينما مثل الرسم، تبرز اللاّ مرئي"-"السينما هي وسيلة تعبير ضاع منها التعبير، فبقيت وسيلة".
"ينبغي مجابهة أفكار فضفاضة بصور واضحة"- "الأمريكيون يريدون الغزو لأن لا تاريخ لهم".

هوامش
1-Alain Bergala, Godard au travail. Les années 60(Paris : éd. Cahiers du cinéma, 2006).
2-كان المخرج قد أصدر كتابا بنفس العنوان سنة 1998 في أربعة أجزاء، وصدرت نسخة جديدة منه في جزء واحد سنة 2006 عن نفس الناشر:
-Jean-Luc Godard, Histoire(s) du cinéma (Paris : Gallimard, 2006), 976 p.
3-Guy Scarpetta, « Jean-Luc Godard, l’insurgé », Le Monde Diplomatique (Août 2007), p. 25

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا