حرب -بوتين- في أوكرانيا كشفت أن -الدب الروسي من ورق-

إدريس ولد القابلة
2022 / 10 / 10

تسلط المكاسب التي حققتها أوكرانيا، في تصديها للحرب العدوانية الروسية، الضوء على عدم القدرة على التنبؤ بهذه الحرب. ويتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه الحكومات الغربية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في العمل في انسجام وتنسيق مع التكيف مع الديناميكيات العسكرية المتطورة.
من السابق لأوانه، اعتبار أن الأمور بلغت نقطة تحول في حرب روسيا ضد أوكرانيا، لكنها كشفت أن الإمبريالية الروسية "دب من ورق" كما كانت مثيلتها الغربية "نمر من ورق" (1).
_________________________
(1) - مقولة "ماوتسي تونغ" الشهيرة - الواردة في "الكتاب الأحمر"- التي تحققت على أرض الواقع على مرأى العيان في واضحة النهار. فرد عليه الرئيس السوفيتي "خروتشوف" بانه فعلا نمر من ورق ولكنه يملك انيابا نووية.
_________________________

جاء التحول بمثابة مفاجأة للقوات المسلحة الروسية. ويبدو أن القوات الروسية التي تمركزت في المنطقة التي تم احتلالها بعد وقت قصير من بداية الغزو الواسع النطاق في نهاية فبراير 2022 ، تراجعت بسرعة وبطريقة غير منظمة. وكشفت طبيعة وطريقة الانسحاب لمحة "ناصعة" عن الهياكل القيادية الضعيفة داخل الجيش الروسي والروح المعنوية المنخفضة بشكل عام.

في حين ، على النقيض من ذلك ، إن إعادة السيطرة على أجزاء مهمة من الأراضي المحتلة عزز إرادة الجيش والمجتمع الأوكراني للقتال في مرحلة حرجة من الحرب العدوانية. وتمثل استعادة هذا الجزء الكبير من الأراضي خروجًا عن ديناميكيات الحرب في منطقة "دونباس" الأوسع خلال فصل الصيف ، والتي تميزت بتحركات صغيرة للقوات والتقدم الروسي البطيء إلى المراكز الإدارية في المنطقة.

تقدم الهجوم المضاد الأوكراني المعلن منذ فترة طويلة في منطقة "خيرسون" في جنوب أوكرانيا بشكل أبطأ بكثير من الهجوم القريب من "خاركيف". يُظهر كلاهما الإرادة المستمرة وقدرة الجيش الأوكراني للدفاع عن البلاد وعزمه الشديد على ذلك. علاوة على ذلك ، يُظهر كلا التقدمين أن تسليم الأسلحة الغربية والتدريب يحدث فرقًا ويجب دعمه وتحديثه وتطويره حسب احتياجات أوكرانيا.

إن الهجوم بالقرب من "خاركيف" ، الذي صدّته روسيا بهجمات على محطات الطاقة النووية المحلية لإضعاف معنويات السكان الأوكرانيين ، يسمح بإجراء تقييم واقعي لاحتمالات وقف إطلاق النار أو حتى مفاوضات السلام. ففي ألمانيا على وجه الخصوص ، اكتسبت الدعوات لمفاوضات وقف إطلاق النار و "تجميد" الحرب، جاذبية وقبولا واسعين، وذلك بفعل تداعياتها القوية على ارتفاع تكاليف الطاقة والضغط التضخمي المتوقع أن يؤدي إلى رد فعل سياسي داخلي ضد العقوبات ودعم أوكرانيا في الخريف.

من البديهي أن كل الحروب تنتهي بالمفاوضات. ومع ذلك ، فإن التأكيد على هذه البديهية لا يغير الديناميات العامة للحرب قيد أنملة. فالهجوم الأوكراني يؤكد على أن "كييف" بحاجة إلى أن تكون في موقف أقوى قبل أن تشرع في المفاوضات. وإلا فإنها ستبقى مجرد تحول مؤقت يدوم فترة زمنية يمكن خلالها للقوات الروسية إعادة تجميع صفوفها وانتظار اللحظة المناسبة التالية للهجوم واسترجاع ما خسرته، وهذه المرة بضراوة أشد.

إذا أخذنا بعين الاعتبار تصريحات الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ، وناطقه الرسمي " ديميتري بيسكوف" ، ووزير الخارجية "سيرجي لافروف" معًا وجملة واحدة ، فمن الواضح أن الكرملين لا يرى أي ضرورة للتفاوض ، حتى بعد الهجوم الأخير وما حققته "كييف" من ورائه. فقد استخدم "لافروف" الصياغة الفضفاضة والغامضة عن عمد قائلا بأن المفاوضات ممكنة دائمًا ، لكن رد فعل "بوتين" كان أوضح وأدق، إذ أن أهدافه لم تتسع إلا مع بداية حربه العدوانية وأن تدمير أوكرانيا كدولة مستقلة لا يزال هو الهدف الرئيسي الذي ترمي إليه.

حتى الآن ، تستهدف روسيا الغرب صراحةً كهدف في هذه الحرب خارج أوكرانيا وتهدد بقطع إمدادات الطاقة عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تمامًا. ويظل "بوتين" على استراتيجيته المألوفة في محاولة تقسيم الاتحاد الأوروبي أو الناتو من خلال التركيز على المصالح المتباينة داخل المؤسسات. وظهرت بعض التصدعات المحدودة في النظام السياسي الروسي، لكنها غير كافية لإعادة النظر أو تغيير الحسابات السياسية المتعلقة بالحرب العدوانية على أوكرانيا. إلا أنه في الوقت نفسه - أفادنا التاريخ - أن الاستبداد يمكن أن يبدو مستقرًا لفترة طويلة حتى يحدث تغيير مفاجئ - على سبيل المثال في سياق أزمة استخلاف الرئيس أو استجابة لأزمة محلية أو دولية كبرى. وهذا التغيير ، مع ذلك ، لا يأتي بصيغة الدمقرطة. فاستنادًا إلى القمع والدعاية الحكومية المنتشرة، وبفعل العلاقات القائمة على الولاء بين النخب السياسية والأمنية والاقتصادية ، أصبح النظام السياسي الروسي أكثر استبدادًا في الأشهر الأخيرة. وهذا رغم الإشارة إلى أن بعض السياسيين المحليين في "سانت بطرسبرغ" و"موسكو" طالبوا بمحاكمة "بوتين" بتهمة الخيانة العظمى أو باستقالته. فحاليا ، يبدو من الأكيد أن تفشل محاولات محاسبة "بوتين" سياسياً ضمن البيئة السياسية السائدة حاليا والخاضعة للسيطرة الشديدة. ومع ذلك ، فمن اللافت للنظر أن تبرز مثل هكذا مبادرات في روسيا اليوم.

تظهر الأحداث الأخيرة كيف أن هذه الحرب لا تزال ديناميكية وبالتالي لا يمكن التنبؤ بمآلها في نهاية المطاف. وهذا نظرًا لأن جبهاتها المتعددة قد تتطور بشكل مختلف وبسرعات متفاوتة ، فمن الصعب حاليًا رسم صورة شاملة لها من الخارج. فالقتال المتزامن على عدة جبهات يجعل التقدم المفاجئ أو الجمود والمشاكل اللوجستية أكثر احتمالا، وبالتالي وقوع مفاجآت قد تغير المسار.

فما يكمن قوله حاليا، هو أن هذه الحرب قد تستمر لفترة طويلة. وهذا يجعل التحدي الرئيسي الذي يواجه الحكومات الغربية الفردية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ككل يكمن بالأساس في العمل في انسجام تام ، مع الحفاظ على المرونة اللازمة للتكيف مع ديناميكيات هذه الحرب المتطورة. ولن يتأتى هذا إلا بفضل تخطيط استراتيجي طويل الأمد يضمن التزامًا واضحا لدعم أوكرانيا على جميع الأصعدة ، لاسيما دعمها عسكريا دعما شاملا غير منقوص. ومما يؤكد ضرورة السير على الدرب بداية بروز بعض المؤشرات التي من شأنها أن تفيد أن جانبا من نخب روسيا بدأ يتحدث عن إمكانية الهزيمة وانسداد الأفق أمام "بوتين".

فكلما طال الصراع وزادت الموارد التي يلقيها النظام الروسي في أتون هذه الحرب ، قد يسير "بوتين" أكثر نحو عزلة متسارعة في محاولته التهديدية للتصعيد النووي.

عندما شن "فلاديمير بوتين" حربه العدوانية على أوكرانيا في فبراير 2022 ، اعتقد الكثيرون أنه اعتمد اختيارا لا رجعة فيه، وبالتالي لن تظل علاقته بالنخبة المحيطة به على حالها، لاسيما عندها أضحى يُنظر إليه كـ "زعيم يائس" لم يعد قادرًا على التفاعل الطبيعي مع العالم الخارجي. ومع ذلك ، فإن مشاعر اليأس وعدم الرضا التي سادت بين صفوف النخب لم تمنع من الاستمرار في إظهار الولاء للرئيس أو من الشعور بالغضب الجماعي من الغرب، مما جعل العديد من كبار المسؤولين تحميل واشنطن وبروكسل المسؤولية عن اشتداد الصراع ، وإلقاء باللوم عليهم وإجبار موسكو على اعتماد إجراءات أجبرت على اتخاذها.

ومع ذلك ، اهتز مؤخرا هذا الاعتقاد الهش بسبب الانسحاب الروسي المفاجئ من منطقة "خاركيف" والإعلان عن تعبئة جزئية يبدو من المرجح أن تصبح تعبئة كاملة ، والشكوك المتزايدة حول ما إذا كانت روسيا يمكن أن تكسب بالفعل هذه الحرب. وهذا يثير تساؤلات بخصوص استمرار دعم النخب الروسية لـ "بوتين" حتى النهاية ومباركة استخدام التهديدات المتزايدة باستخدام الأسلحة النووية. ويبدو أن الكامن وراء هذا الأمر، هو الاعتقاد القوي الراسخ في صفوف النخب والذي مفاده أن الغرب سيفعل كل ما في وسعه لتركيع "بوتين" وروسيا . وهذا ما أفقد موسكو الخيار أن بدأت حربها العدوانية على جارتها . والحالة هذه، عليها أن تكسبها، و أي تنازل من طرفها ستستخدم ضدها للمزيد من إدلالها.

ويزداد الطين بلة حاليا، مع التطورات الأخيرة، إذ أن "الانتصار الروسي الحتمي" تطغى عليها الشكوك والتساؤلات المزعجة حول الثمن الذي يتوجب على روسيا دفعه من أجل إخضاع أوكرانيا. وكلما طال أمد الصراع وزادت الكلفة ، كلما ازداد انقسام النخب الروسية ، وتقوت خطورة هذه الانقسامات. وتروج بين بعض رؤوس النخب الروسية الفكرة القائلة أن إنهاء هذه الحرب دون هزيمة أضحى أمرًا مهمًا وجوهريا بشكل لا يضاهى، قصد التخلص من الورطة بأقل الأضرار الممكنة. هناك من النخب من يسعى اليوم فقط للحفاظ على "جزيرة القرم". فرغم ضم أربع مناطق أوكرانية - بطرق ملغومة - لا يوجد موقف رسمي أو إجماع بين النخب على ما يمكن اعتباره نصرًا حاسمًا.

وبخصوص المفاوضات ، قد يبدو أن الشروع فيها بالنسبة لا يعني بالضرورة الهزيمة حاليا - إن قبلت أوكرانيا وهذا مستحيلًا بعد عمليات الضم الأخيرة) ، و "بوتين" يرفض رفضًا قاطعًا أن يكون له أي علاقة بالقيادة الأوكرانية الحالية لأنه ظل يستهدف استسلامها.

وينضاف إلى ما ذكر، التعبئة الشاملة المحفوفة بخطر عدم الاستقرار الداخلي وموجة جديدة من القمع ، ودوامة لا نهاية لها من العقوبات والعزلة المتزايدة ، وانخفاض دخل الصادرات ، والتداعيات السلبية على الاقتصاد الوطني وعواقبها الوخيمة.
فهل بوتين سيظل يحبس نفسه بين خيارين، كلاهما مر :
- الهزيمة ، والتي قد تعني انهيار نظام بوتين وجميع المخاطر المرتبطة به،
- النووي، الذي تعني تهديدًا عالميًا ؟
علما أن المؤشرات تفيد أن على النخب الروسية - خلافا لذلك - الاختيار من بين سيناريوهات الخسارة. وهذا لن ينج "بوتين" بأن يكون أكثر عرضة للخطر .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت