نظرة في أصل المفاهيم... الثورة الصناعية

حسين محمود التلاوي
2022 / 10 / 9

"الثورة الصناعية" هو التعبير الذي يُطلق على الفترة التي تقع بين عامي 1760 إلى 1820، والتي شهدت الانتقال إلى عمليات التصنيع في أوروبا والولايات المتحدة. لكن التواريخ تتفاوت لدى المؤرخين والمختصين؛ فأحيانًا تبدأ من 1730، وأحيانًا تمتد إلى 1840؛ وهو الأمر المفهوم؛ لأنها في النهاية ظاهرة اجتماعية تتشكل وتترسخ في فترات زمنية طويلة. وعلى أية حال، بدأت الثورة الصناعية بالأساس في إنجلترا باختراع المحرك البخاري، لكنها سرعان ما انتقلت إلى باقي أنحاء أوروبا والولايات المتحدة من بعدها؛ ليدخل العالم عصرًا جديدًا في التصنيع ألقى بظلاله على مختلف جوانب الحياة الإنسانية من وسائل الإنتاج، وأساليب التصنيع، والبنية المجتمعية، وغير ذلك.
لكن مِن المؤرخين مَن يعترض على تعبير "ثورة"؛ لأنه يوحي بأمرين؛ الأول أنها حدث فجائي حاد، والأمر ليس كذلك؛ لأنها استغرقت قرنًا أو يزيد، والثاني أنها أحدثت قطيعة مع الماضي؛ وهو الأمر غير الصحيح؛ لأن الصناعة قديمة في الحضارة الإنسانية، وكانت من قبل الثورة الصناعية، واستمرت بعدها.

ركائز الثورة الصناعية
ساهم تضافر عدة عوامل في إحداث هذا التغيير الذي صار مسماه "الثورة الصناعية"؛ حيث حدثت بعض الاضطرابات الداخلية، إلى جانب نمو السكان الذي أوجد سوقًا للإنتاج الصناعي، وأدى إلى الحرص على إنتاج صناعي أدق، وتطلب إنشاء طرق أفضل. وكان تطور الإنتاج الصناعي واتساعه عاملًا مهمًّا في تقسيم العمل وتخصصه. بالإضافة إلى ذلك ساهم نفوذ التجار في التشريع الإنجليزي في توسيع الاقتصاد، كما لعبت التقاليد البيورتانية المحافظة التي عززتها التوجهات الميثودية المحافظة هي الأخرى في ترسيخ قيم الانضباط والالتزام في الطبقة الوسطى التي أخذت تراكم رأس المال، وتتحول إلى طبقة أساسية في المجتمعات الأوروبية خلال تلك الفترة، وكانت تُعرف وبوجه خاص في فرنسا بمسمى "البرجوازية"؛ وهو المسمى الذي اكتسب دلالات سلبية فيما بعد للتعبير عن للفئات التي تعرقل التغيير الرامي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
في الوقت ذاته، كان التقدم التكنولوجي يساهم في تفعيل الثورة الصناعية؛ فقد كان الوقود المستخدم في البيوت والمصانع هو الخشب، لكن الغابات أخذت تتلاشى في بريطانيا؛ حيث فقدت بريطانيا،ـ بحلول القرن الثامن عشر، خمس وستين غابة من أصل تسع وستين كانت بها؛ فارتفعت أسعار الخشب بسبب الندرة، وبسبب الاستيراد من الدول الإسكندنافية؛ ومن ثم تزايدت الحاجة إلى الفحم المستخرج من المناجم، وساهمت الابتكارات التكنولوجية المتتالية في زيادة إنتاج الفحم الذي أدى التصنيع المتزايد إلى ارتفاع الطلب عليه لدوره في تنقية الحديد، وتقويته، وجعله أكثر مطاوعة، وكذلك باعتباره مصدر وقود لأفران صهر الحديد. وأدت زيادة الطلب على الفحم إلى المزيد من الابتكارات العلمية لجعله أقل تكلفة، وأكثر توافرًا.
أدى تزايد التصنيع واحتياج الآلات إلى المزيد من القوة الميكانيكية لتشغيلها إلى تفكير بعض أصحاب رؤوس الأموال في نقل الصناعات من المنازل إلى المصانع؛ فتزايد إنشاء المصانع بخاصة قرب الأنهار التي كانت توفر مسارات النقل ومصادر للطاقة في الوقت نفسه، وقد كان ذلك الطريق الواسع الذي بدأت فيه الرأسمالية تتشكل في المجتمعات الغربية؛ حيث بات صاحب العمل هو الذي يحدد للعامل كل شيء؛ من ساعات العمل إلى الراتب؛ فلم يعد للعامل إلا الفليل من السيطرة على ظروف عمله.
انتقلت تلك الأجواء من بريطانيا إلى أوروبا بأكملها لتبدأ شبكات التجارة والتصنيع والصيرفة وأنظمتها في التشكل؛ فأخذت بريطانيا تنقل عن أوروبا نظم تأسيس الشركات، فيما أخذ الأوروبيون ينقلون عن بريطانيا التصنيع؛ وهي الأنظمة التي انتقلت كلها إلى الولايات المتحدة في مرحلة تالية.

الثورة الصناعية والاستعمار
كان التوسع الاستعماري من النتائج المباشرة للثورة الصناعية؛ حيث سعت الدول الصناعية إلى إيجاد مصادر جديدة للموارد الطبيعية اللازمة لتسيير عجلة الإنتاج الصناعي، وكذلك إلى إيجاد أسواق لتصريف المنتجات التي بدأت تفيض عن الحاجة في أسواق الدول الصناعية، بالإضافة إلى إيجاد أيدٍ عاملة أرخص من المتوافرة في البلدان الصناعية على الرغم من سوء الأحوال المعيشية للعمال في البلدان الصناعية.
للمزيد انظر:
1. نِك هنتر العلاقات الدولية، ترجمة: أريت فايز تادرس، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017، ص 60
2. وُل ديورانت، قصة الحضارة (الإصلاح الديني)، م. 12، ج. 23، ترجمة: عبد الحميد يونس، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، ص ص 55-57
3. وُل ديورانت، قصة الحضارة (عصر فولتير)، م. 18، ج. 35، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، ص ص 70-80

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار