أركان الليبرالية الأربعة - ديموقراطية علمانية سلام حقوق إنسان

عبدالجواد سيد
2022 / 10 / 1

لم تظلم أيدولوجية فى الشرق الأوسط مثلما ظلمت الليبرالية والليبراليون ، فهى عقيدة الإستعمار وأتباعها إما خونة أو كفار ، ففى ظل أرضية صلبة من الأيدولوجيات الجامدة ، الدينية والقومية ، التى عاشت وتجزرت فى الشرق الأوسط على مر العصور ، بدا الليبراليون كجسم شاذ غريب ، يستصغر المقدسات ، ويساوى بين القوميات ، لايرفع راية الجهاد ضد إسرائيل ، ولا يتغنى بأمجاد الماضى التليد ، ولابحقوق العمال والفلاحين ، بل يدافع عن شعارات ومثل عليا خارج نطاق المعتاد ، كالديموقراطية والعلمانية والسلام وحقوق الإنسان ، وكأنه يصرخ فى صحراء ، لا يرد عليه فيها سوى أنين الرياح ،،،
تلك الليبرالية وصاحبها الليبرالى الغريب ، الذى لايزايد بالوطن والدين ، المتحدث فقط بإسم الإنسان ، مستلهم تاريخ الفلاسفة والكفار ، أعداء المسيحية والإسلام ، الذى لايقدر صيحات الزعيم ، إرفع رأسك ياأخى فقد إنقضى عهد الإستعمار ، ذلك الخائن لتراث الأوطان ، الذى يرى الكارثة فى الزعيم وأقوال الزعيم ، وليس فى الإستعمار وأعوان الإستعمار ، هذا الليبرالى الغريب ، من الطبيعى أن لايجد له مكاناً بيننا نحن الشرق أوسطيين المقدسين ، أبناء إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ، أصحاب الديانات السماوية الثلاث ، وحضارة المحرمات الثلاثة ، الجنس والدين والسياسة ،،،
لعل هذا المدخل البسيط يلخص قصة الليبرالية والليبراليون فى الشرق الأوسط ، والذى إنتهى زمانهم مع خروج الإستعمار فعلاً ، ومع ذلك فقد فرض إتجاه حركة التاريخ نحو العولمة ضرورة عودة الليبرالية مرة أخرى ، حيث انها الإطار الفلسفى السياسى الوحيد الذى يمكن أن يلتقى فيه كل البشر، ومن ثم عاد معها ذلك الليبرالى الغريب ، يفتح كتاب التاريخ ، ويبحث له عن مكان ، ولكن الواقع أنه ليس إتجاه حركة التاريخ نحو العولمة فقط هو الذى أعاد الليبرالية إلى الحياة ، بل ذلك الفراغ الموحش الرهيب الذى خلفه رحيلها ، ليس فقط فى عالم السياسة ، ولكن أيضاً فى عالم الأخلاق ،،،
عند الحديث عن الليبرالية والليبراليين ، تختلط المشاعر والأفكار ، وتتداخل الأجيال ، ونتذكر الزمن الجميل ، ويغلبنا الإنفعال ، حتى نكاد أن نعجز عن ترتيب الأفكار، فالليبرالية ليست مجرد فلسفة إقتصادية تطلق حرية رأسمال المال ، ليراكم الثروات ويسرق عرق العمال ، الليبرالية هى منظومة متكاملة من القيم والأفكار ، فلسفة متكاملة من الديموقراطية والعلمانية والسلام وحقوق الإنسان، تخلقت منذ عصر دولة المدينة اليونانية حتى عصر روسو وفولتير ، أسلوب للحياة ، يمنح الحرية لكل التجارب الإنسانية ، حتى الإشتراكية منها ، طالما التزمت بالديموقراطية وتداول السلطة ، كل شئء ممكن إلا الإستبداد ، الإستبداد يعنى قتل يوليوس قيصر على درجات مجلس الشيوخ ، حكمة التجربة الأوربية التى أثبتت مفعولها عبر العصور ، كل الخطايا ممكنة ، إلا خطيئة الإستبداد ، لابأس من جنون الشعراء ، من خطايا العشاق ، من إلحاد الفلاسفة وجنوح الفنانيين ، فكل الخطايا ممكنة إلا خطيئة الإستبداد ، كل شئء ممكن إلا المساس بالحرية ، فالحرية هى الحياة ،،،
ربما تلخص تلك السطور مفهوم الليبرالية عقيدة الأوربيين ، فى صيرورتها عبر العصور ، حتى اليوم ، وذلك فى تناقض تام مع حضارتنا نحن الشرق أوسطيين ، حضارة المحرمات الثلاثة ، الجنس والدين والسياسة ،،،
حمل الإستعمار معه عقيدته الليبرالية ، ومع كل طمعه وجشعه الذى لاينكر ، إلى الشرق الأوسط أثناء الحقبة الإستعمارية ، وذلك فى أكبر صدام حضارى عرفه التاريخ ، بعد الصدام الأول فى الحروب الصليبية ، لكن النتائج هذه المرة كانت مذهلة ، فبعكس الفوضى والإضطراب التى أثارهما الصدام الأول ، كان السلام والإستقرار الذى سببه الصدام الثانى ، فقد إستقر الشرق الأوسط ، وتطور وخرج من ظلام الإسلام إلى نور وحضارة الكفار الليبراليين ، فتألقت القاهرة والإسكندرية ، بيروت ودمشق وبغداد ، وسحر الشرق وخيره الوفير ، وإنتقل العالم ليعيش بيننا ، بدلاً من غرقنا فى بحاره اليوم ، حقائق لايمكن إنكارها ، يصرخ بها واقعنا الحالى فى الشرق الأوسط ،،،
إقتحمت الليبرالية الشرق الأوسط ، بآدابها وفلسفاتها وفنونها ، وليس فقط بالسياسة، ودخلت فى تحدى حضارى مع محرماته الثلاثة ، الجنس والدين والسياسة ، وليس فقط مع السياسة، فكان أثرها الحياتى ساحقاً على شرق أوسط العنف الإبراهيمى ، وعرفت مصر مثلاً ، الدولة التى عبدت الحاكم منذ آلاف السنين ، دستور 1923 ، حيث شارك الشعب من خلال الأحزاب الملك سلطته لأول مرة فى تاريخه الطويل ، وتحولت الرأسمالية الزراعية إلى رأسمالية صناعية وإنتقلت إلى حياة المدينة العصرية ، وتأسس بنك مصر و خرجت منه نحو خمس وعشرين شركة كبرى مثلت دعائم الإقتصاد المصرى الحديث ، وظهرت الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدنى ، وبدأت البرلمانات المنتخبة فى مناقشة مشاريع إعادة توزيع الثروة الزراعية ، وفشل حزب الإخوان المسلمين الوليد فى كسب أى مقاعد نيابية ، كما فشل الحزب الوطنى العثمانلى قبله فى تحقيق أى أغلبية ، وإزدهرت الآداب والفنون على النمط الأوربى ، وتحررت المرأة من سجنها وخرجت للحياة تطالب حتى بحرية الحب فى دعاء كروان طه حسين ، وأنا حرة إحسان عبدالقدوس ، وغيرهما ، كما مست المقدس الدينى بالنقد والمراجعة ، مع أبكار السقاف فى نحو آفاق أوسع ، ومع إسماعيل أدهم فى لماذا أنا ملحد ، وغيرهما ، معركة تحرر إنسانية كبرى كادت تنتصر فيها الليبرالية على إستبداد الإسلام كما إنتصرت قبل ذلك على إستبداد المسيحية فى أوربا ، لكنها خرجت مع خروج الإستعمار بعد الحرب العالمية الثانية ، لترثها تجارب الإستقلال الفاشلة ، الإشتراكية العروبية ، الناصرية والبعثية ، وليرث الإسلام السياسى الجميع بعد ذلك ، بجناحيه الشيعى والسنى، ويعيث فى المنطقة خراباً ، بلا رادع ،،،
يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى حركة إقتحام ليبرالية جديدة ، تقتحم محرماته الثلاثة مرة أخرى ، تملأ فراغه السياسى ، توحد أطيافه ، تعيد له الأمل وتخفف من قسوة حياته ، حركة ليبرالية لايأمر بها الحاكم من أعلى ، ولا يتصنعها طامع للشهرة ، حركة جديدة تنبع من حاجات الناس فى هذا الجزء الشقى من العالم ، إلى فلسفة يواجهون بها الفساد و العنف والإستبداد ، تملاً الروح والعقل والوجدان ، بآدابها وفنونها وفلسفاتها وتجاربها السياسية ، حركة ليبرالية جديدة تدرك مدى التطور الذى طرأ على الذات الليبرالية فى عصر العولمة ، كفلسفة سياسية إنسانية ، تجاوزت مطلب الديموقراطية وتداول السلطة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة ، إلى مطلب السلام وحقوق الإنسان أيضاً ،،،

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر