مصر من التنوير إلى البداوة !

مصطفى عبداللاه
2022 / 10 / 1

من الممكن القول أن حركة التنوير المصري بدأت بقدوم الحملة الفرنسية فمصر قبل ذلك كانت تعيش عصر من أحلك عصورها تحت وطأت العثمانيين والمماليك ، ولكن مع قدوم فرنسا وهي تحمل علومها معها بدأ يختلف الأمر قليلاً ، وما أن رحلت الحملة حتى أستكمل محمد علي مؤسس وصانع مصر الحديثة ما بداء ، فكان مشروعه هو أن يحول مصر إلى قطعة من فرنسا ، فعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي بدأ بإرسال البعثات الدراسية إلى هناك، الأمر الذي أدى لتطور البنية الثقافية في المجتمع ، ونتيجة لتلك البعثات رأينا أمام التنوير رفاعة الطهطاوي و رأينا شيخ الأصلاح الأمام محمد عبده و مدرسته العقلانية والأمر لم يقف عند محمد علي وحسب بل استكمل هذا من جاءوا بعده من أحفاده ، ومع مرور قرن من بداية مشروع التنوير وتحديداً مع ثورة 1919 في القرن العشرين بدأت تظهر نتائج ذلك المشروع ، وكان شعار تلك الثورة أن يحيا الهلال مع الصليب وأن الدين لله والوطن للجميع فالله لا يحتاج أوطان ، وشهدت ثورة 19 أول مشاركة نسائية والأمر لم يقف عند هذا وحسب بل أدى ذلك إلى اشتعال فتيل الحركة النسوية في مصر فرأينا هدى شعراوي و قاسم أمين ، وأصبحت مصر أقرب لليبرالية من أي وقت وخاصة في وجود أبو اليبرالية المصرية د طه حسين وما كان له من شأن في المجتمع المصر أن ذاك ، و لكن تلك الأجواء لم تدم كثيراً فالنصف الثاني من ذلك القرن شهد ردة حضارية يمكن أن نطلق عليها لقب الثورة المضادة عادت بنا إلى القرون الوسطى ، فما الذي حدث و ما أدى بنا إلى ذلك !
‌لنرجع للوراء قليلاً وتحديداً في القرن التاسع عشر عند قيام الدولة السعودية الأولى الدولة التي بدأ ينتشر شرها سريعاً وخاصة المذابح التي شرعوا فيها بحق الشيعة في العراق مما دعى محمد علي للقضاء عليها في مهدها فأرسل حملة عسكرية بقيادة طوسون باشا ولكن تلك الحملة لم تفي بغرضها فأرسل حملة ثانية بقيادة إبراهيم باشا اقتلعت جذور دولتهم ، ومع قيام الدولة السعودية الثالثة في القرن العشرين أدرك آل سعود أن دولتهم لن تقوم لها قائمة في ظل وجود الدولة المصرية كما هي ، فلم يكن لديهم إلا خيارات ثلاث الأول هو أن يتم القضاء على الدولة المصرية ذاتها وهو المحال بنسبة لهم بخلاف أن مصر هي رمانة ميزان المنطقة بأكملها فإن سقطت سقطوا معها ، الخير الثاني أن تصبح مصر حليفة لهم وهو ليس الخيار الأنسب بالطبع لأن الحلفاء تتغير مواقفهم باختلاف الظروف والمتطلبات ولابد أن نضع في الإعتبار أن مصر بعد الجلاء البريطاني كانت حليفه للسوفيت بينما يرتمي آل سعود في أحضان أمريكا ، فلم يكن أمامهم إلا أن تصبح مصر والشارع المصري تابعاً لهم وأن تأخذ هي مركز الزعامة في المنطقة بدلاً من مصر ، المركز التي لطالما داعب خيال آل سعود ، وفي تلك الظروف كانت السعودية تنتظر الفرصة التي تحقق لها غرضها ، فجاءت نكسة 67 على طبق من ذهب فالنكسة هي الباب الذي سيدخل منه السعودي للمصريين ، و المدقق في الأحداث يجد أن السعودية كانت تعلم جيداً بما سيحدث وليس هذا وحسب بل شجعت عليه وتم بمباركة سعودية فلا مانع من أن يتحالف أولاد العمومة من العرب واليهود ضد أحفاد فرعون الكافر في وجهة نظرهم وحتى لا يكون كلاماً في الهواء نورد لكم نص رسالة كتبها الملك فيصل بن عبد العزيز للرئيس الأمريكي ليندون جونسون في السابع والعشرين من ديسمبر عام 66 أي قبل النكسة بسبعة أشهر ويورد لنا نص الرسالة د وليد البياتي في كتابه عقود الخيبات ما يلي : ( مما تقدم يا صاحب الفخامة، ً ومما عرضناه، تبني لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعا، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريٍّا وإعلاميٍّا، فلن يأتي عام ١٩٧٠م — كما قال الخبري في إدارتكم السيد كريميت روزفلت — وعرشنا ومصالحنا في الوجود؛ لذلك فإني أبارك ما سبق للخبراء الأمريكان في مملكتنا أن اقترحوه، وأتقدم بالاقتراحات التالية: أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولي به على أهم الأماكن حيوية في مصر، لتضطرها بذلك لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة، لن يرفع بعدها مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد علي وعبد الناصر، وبذلك نعطي لأنفسنا مهلة لتصفية أجسام المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب بل وفي البلاد العربية؛ ومن ثَم بعدها لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية، اقتداء بالقول: ارحموا شرير قوم َّذل.) ص: 489 إلى 491
وكما رأينا فالرسالة تأكد على ما أوردناه سلفاً ، فسموه أدرك أن مصر هي خطر وجودي على دولته الناشئة كما هي أيضاً على دولة اليهود الوليدة فلا مانع للتحالف معهم لهزيمة مصر ومن ثم يقدم لها المعونة ويظهر لها في صورة الإله المخلص ، وللأسف كان للسعودي ما كان يتمنى فبعد نكسة 67 بداء في تنفيذ خطته بأن يجعل مصر ولاية وهابية تابعة له و أستغل في ذلك السؤال المصري المطروح لماذا الهزيمة ! ؟ فبدلاً من أن يجاوب المصريين على سؤالهم ويذهبون إلى الأسباب الحقيقية التي كان منها تدهور الحالة العسكرية و الأستهانة بالعدو تحت تأثير الشعارات الرنانة قدم لنا آل سعود أجابة أخرى وخاصة أن الحظ حالفه بصعود الرئيس المؤمن على كرسي السلطة بعد وفاة الزعيم عبد الناصر ، فكانت الإجابة المقدمه أن المجتمع المصري مجتمع كافر وأن كفره هو سبب هزيمته واستخدم في ذلك مجموعة من العرائس التي كان يحركها أطلق عليهم أهل الدين والعلم وفي الحقيقة ما كانوا إلا مرتزقة من أجل دولارات بترول الخليج ، فنرى مثلاً تصريح واضح للشعراوي في إحدى اللقاءات التلفزيونية أنه سجد شكراً لله بعد نكسة مصر 67 لأن مصر كانت ترتمي في أحضان الشيوعية الكافرة على حد قوله ، فبالطبع هولاء لا يعرفوا معنى الوطن ، ولا يخفى أن الشعراوي كان أحد أهم عرائس دولة آل سعود في تنفيذ خطتها ، وللاسف كان لهم ما خططوا و أرادوا خلال عقود قليلة أصبح الشارع المصري شارع وهابي بإمتياز ، فالعرائس السعودية أستطاعت أن تقنع المجتمع بأنه مجتمع كافر وأن الحل في تطبيق شريعة الصحراء والسير على خطى أسلاف العرب الذين عايشوا الصحراء في الأزمان الغابرة ، فأخذوا في بث سمومهم على مدار عقود فكفروا الطير على الشجر و قسموا المصريين إلى مسلم و كافر وحرموا الفن والعلم وجعلوا من المرأة المصرية التي كادت أن تتحرر عورة و ناقصة عقل وهي أصل الفتنة وكل شر فهي المدبرة المقبلة في صورة شيطان و امعنوا في زيادة التفريق بين المصريين و إظهار سيطرتهم على المجتمع بأن يفرضوا الحجاب بل والنقاب حيث لا تعرف للمرأة هوية ، وفرض هذا قهراً والويل كل الويل لمن ترفض حجابهم و أزيائهم الملعونة حتى لا تكون عرضة لكلابهم التي روضوها ، وبين رحايا السلفية الوهابية سقطت مصر التي كنا نعرفها وظهرت نسخة جديدة منها يمكن أن نطلق عليها مصرستان ، فأصبح المواطن المصري على وجه العموم والمسلم على وجه الخصوص لا يعرف أن يدبر أبسط تفاصيل حياته دون الرجوع لكهنة الدين فبأتت العقلية المصرية المسلمة تحديداً عقلية مثيرة للشفقة برمجت حتى تكون عبداً مطيع لكل أوامرهم ، وبينما تغرق بلادنا في ظلمات الوهابية وتتساقط أوراقها يوماً بعد يوم كشجرة خاوية يتحرر اليوم أبناء آل سعود من وهابيتهم ومن سجون أجدادهم متجهين نحو الحداثة شيئاً فشئ ، بينما مصرنا لا حول لها ولا قوة ، تصارع من أجل البقاء .

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر