اِشْتِكَالُ ٱلْمَنْظِمِ ٱلْإِدْرَائِيِّ: بَيْنَ ٱمْتِشَاقِ ٱلْمَدِينَةِ، بَيْنَ ٱعْتِشَاقِ ٱلْخَدِينَةِ (2)

غياث المرزوق
2022 / 10 / 1

مَنْ لا يَقُولُ ٱلْحَقَّ جَادًّا حَتَّى فِي ٱلْصَّغَائِرِ،
لَنْ يَسْتَحِقَّ ٱلْوُثُوقَ رَادًّا بِمَا يَقُولُ فِي ٱلْكَبَائِرِ!
آلبرت آينشتاين

(2)

كَمَا سَبَقَ الإيرَادُ بشيءٍ من التفصيلِ في مَتْنِ القسمِ الأوَّلِ من هذا المقالِ، فإنَّ تلك الحركةَ الفكريةَ المُسَمَّاةَ اصطلاحًا وفاقيًّا بـ«التاريخانيةِ» Historicism، تلك الحركةَ التي نشأتْ كضَرُورَةٍ فلسفيةٍ في أواسطِ القرنِ الثامنَ عشرَ، والتي استمرَّتْ بتأثيرِهَا اللافتِ حتى أوائلِ القرنِ العشرينَ على أدنى تخمينٍ، لم تَكُنْ، بادئَ ذي بدءٍ، تنظرُ إلى «التاريخِ الإنسانيِّ» نظرًا مذهبيًّا (أو حتى نظرًا إيديولوجيًّا) ناجزًا كيفمَا اتَّفَقَ، بل كانتْ تنظرُ إليهِ بوصفِهِ «علمًا» قائمًا بذاتِهِ حسبما يقتضيهِ منهجٌ، أو بالحريِّ برنامجٌ، بَحْثِيٌّ خاصٌّ بهكذا «علمٍ»، بطبيعةِ الحَالِ. وهكذا، فإنَّ الغايةَ المنشودَةَ الأولى، قبلَ كلِّ شيءٍ، هي أن يرقى «التاريخُ الإنسانيُّ» إلى ذلك المقامِ السَّامِقِ بالوَقَارِ الذي يحظى بِهِ «العلمُ الطبيعانيُّ» مفردًا أو جمعًا، علمًا بأنَّ لِلمَجَالِ الأوَّلِ غاياتٍ منشوداتٍ اِستقصَائيًّا واِستكشافيًّا تميِّزُهُ كذاكَ عن سائرِ المجَالاتِ المعرفيةِ والعرفانيةِ الأُخرى – فلا بُدَّ، إذنْ، من أن يُؤْخَذَ بالحُسْبَانِ ذلكَ الفارقُ الجوهريُّ بينَ مَا يُنْظَرُ إليهِ نَظَرًا كمبحثٍ فاعلٍ في الميدانِ «التاريخيِّ الفيزيائيِّ» وبينَ مَا يُنَظَّرُ فيهِ تنظيرًا كمبحثٍ منفعلٍ في الميدانِ «اللاتاريخيِّ الميتافيزيائيِّ»، مِمَّا يقتضي إضفاءَ «اِستقلاليةٍ» موضوعيةٍ على عَيْنِ «التاريخِ الإنسانيِّ» في حدِّ عَيْنِهِ: ليسَ لهذا التاريخِ إلاَّ أنْ يُقَيِّضَ لنفسِهِ قضَاءَ نفسِهِ بنفسِهِ اِستقصَائيًّا واِستكشافيًّا على ذاتِ الغرارِ، وليسَ لَهُ من ثَمَّةَ إلاَّ أنْ يُقَوِّضَ، بالأسلوبِ المعنيِّ قَوْضًا آخَرِيًّا، كُلَّ مَا يعتريهِ من تدخُّلٍ أو تطفُّلٍ خارجيٍّ، سَوَاءً كانَ آتيًا من سلطانٍ سياسيٍّ أو دينيٍّ أو من أيِّمَا سلطانٍ فكريٍّ (أو حتى إيديولوجيٍّ) آخَرَ. وتبعًا لذلكَ، فإنَّ أولى إرهاصَاتِ هكذا تدخُّلٍ أو تطفُّلٍ خارجيٍّ كانتْ قد انبثقتْ بالعُنُوِّ انبثاقًا «فلسفيًّا» من فُوَّهَاتِ ذلك الميدانِ «اللاتاريخيِّ الميتافيزيائيِّ» الذي استباءَ جُلَّ حَيِّزهِ التنظيريِّ فلاسفةٌ فُذُوذٌ ثلاثةٌ في إطارِ مَا يُدْعَى إجماعًا بـ«المثاليَّةِ الألمانيَّةِ» German Idealism: – أَوَّلاً، يوهان غوتليب فيخْته (1762-1814)، وقد طوَّرَ مفهومَهُ المتفرِّدَ عن ماهيةِ كلٍّ من الوعيِ والإدراكِ الذاتيَّيْنِ، فضلاً عن تطويرِ إسهامِهِ الفريدِ فيمَا يُعْرَفُ ازدواجًا بـ«الفلسفةِ السِّيَاسِيَّةِ»، أو بـ«النظريةِ السِّيَاسِيَّةِ» Political Theory، التي تُعنى بقضايا الحريةِ والعدالةِ والاستحقاقِ والملكيةِ، ومَا إلى ذلكَ – ثَانِيًا، فريدريك فيلهيلم يوزِف شيلنغ (1775-1854)، وقد تتلمَذَ على يَدِ الفيلسوفِ الأوَّلِ (فيخْته)، وخاصَّةً فيمَا يتعلَّقُ بتطويرِ كلٍّ من مفهومِهِ المتفرِّدِ وإسهامِهِ الفريدِ ذينكَ، فكانتْ فَحَاوِي النظامِ الفلسفيِّ عندَ شيلنغ بالتالي صِلاتٍ وَاصِلَةً بينَ فلسفتَيْنِ مُؤْتلفتَيْنِ لا مختلفتَيْنِ أُولاهُمَا مُمَثِّلَةٌ مُيَمِّمَةٌ وأُخْرَاهُمَا مُكَمِّلَةٌ مُتَمِّمَةٌ، هُمَا: الفلسفةُ الفيخْتويَّةُ (نسبةً إلى فيخْته) والفلسفةُ الهيغليَّةُ (نسبةً إلى هيغل) – ثَالِثًا، غيورغ فيلهيلم فريدريك هيغل (1770-1831)، إذْ طوَّر أيضًا مفهومَهُ الاِستثنائيَّ عمَّا يُسَمَّى بـ«الغَائِيَّةِ الحَالَّةِ (أو البَاطِنَةِ)» Immanent Teleology، لكيما يُصَالِحَ بينَ مَا تستلزمُهُ فكرةُ «المنهجِ التاريخانيِّ» وبينَ مَا تستوجبُهُ فكرةُ «التقدُّمِ الموضوعيِّ»، ذلكَ لأنَّ للواقعِ، حسبَمَا يَرَاهُ هيغل، بنيةً مفهوميَّةً كَنِينَةً، وأنَّ أَيَّمَا مفهومٍ مَحْضٍ، لهذا السببِ، ليسَ تمثيلاً ذاتيًّا للانطباعِ «الحِسِّيِّ» (أي المُدْرَكُ بالحَوَاسِّ)، بلْ إنَّ الشيءَ (أيَّ شيءٍ)، على العكسِ المنطقيِّ تمامًا، إنَّمَا يتواجَدُ بالوُجُودِ «اللَّحْقِيِّ» A Posteriori (أي القائمُ على الاِستقراءِ)، لكي يعملَ (واقعيًّا) على تحقيقِ، أو تفعيلِ، مفهومِهِ المَحْضِ المُتَوَاجِدِ بالوُجُودِ «السَّبْقِيِّ» A Priori (أي القائمُ على الاِستنتاجِ). ووفقًا لذلك، فإنَّ «مفهومَ المفهومِ»، في النظامِ الفلسفيِّ عندَ هيغل، لَيَتَجَلَّى على أنَّهُ عَيْنُ «الفكرةِ»، أو عَيْنُ «الصُّورةِ»، التي تُتَّخَذُ اتِّخَاذًا، أنَّى تواجدتْ، مثلاً أعلى.

هكذا، فيمَا يتبدَّى، كانَ شيءٌ من مَخَاطِرِ ذاكَ التدخُّلِ أو التطفُّلِ الخارجيِّ المَعْنِيِّ في شؤونِ هذا «المنهجِ التاريخانيِّ» القائمِ من لَدُنْ فلاسفةٍ فُذُوذٍ قدْ أَتَوْا بـ«فلسفةٍ مثاليَّةٍ» مشبَعَةٍ إشباعًا «ميتافيزيائيًّا» (لكنْ دونَ أن تُثْقِلَهَا إثقالاً إجرائيًّا، في الواقعِ). وهكذا، فيمَا يتبدَّى أيضًا، كانَ هؤلاءِ الفلاسفةُ «المثاليُّونَ» بامتيازٍ يُطلقونَ إطلاقًا مباشرًا أو لامباشرًا بذينكَ التهديدِ والوعيدِ «الميتافيزيائيَّيْنِ» من جرَّاءِ استخدامِ التاريخِ الإنسانيِّ إلى حدِّ الاِسترقاقِ كُلاًّ وتصْييرِهِ بذاكَ خادمًا مسترَقًّا للنظام الفلسفيِّ مفردًا، أو للنُظُمِ الفلسفيَّةِ جمعًا، ليسَ إلاَّ. وحتى حينَ طَفِقَتْ نُجُومُ «الفلسفةِ المثاليَّةِ» تأْفُلُ شيئًا فشيئًا في أواسطِ القرنِ التاسعَ عشرَ (أو مَا يُقَارِبُ)، صارتْ مَخَاطِرُ التدخُّلِ أو التطفُّلِ الخارجيِّ المَعْنِيِّ تأتي كذلكَ إتيانًا متعاقبًا من منظومةٍ «فِكْرَانِيَّةٍ» أُخرى جدِّ قاسيةٍ بأسلوبِهَا «التجريبويِّ» الخاصِّ أو شبهِ الخاصِّ، كمثلِ تلكَ المنظومةِ المُسَمَّاةِ عمدًا بـ«الفلسفةِ الوَضْعِيَّةِ» Positivism، هذهِ الفلسفةِ التي تألَّقَ نجمُهَا حينًا على أكتافِ رائدِهَا الفيلسُوفِ الفرنسيِّ الفذِّ، أوغسْت فرانسوا خافيير كونتْ (1798-1857)، والتي كانتْ تقولُ دائمًا باليقينِ المُطْلَقِ (أو بالكادِ) بأنَّ المعرفةَ الحقيقيَّةَ كلَّهَا هي إمَّا معرفةٌ صَحِيحَةٌ بالتحديدِ وإمَّا معرفةٌ وضعيَّةٌ (لا مِرَاءَ فيهَاَ) في حدِّ ذاتِهَا – أي معرفةُ الحقائقِ ذاتِ الوُجُودِ «اللَّحْقِيِّ» A Posteriori، مُسْتَمَدَّةً بشتَّى طرَائقِ الاِستدلالِ العقليِّ والمنطقِ الصُّوريِّ من التجريبِ «الحِسِّيِّ» (المُدْرَكِ بالحَوَاسِّ): تلك المعرفةُ التي تُسْتَمَدُّ استمدادًا تائهًا من أسَاليبَ لاتجريبيَّةٍ غيرِهَا، كالأسلوبِ الميتافيزيائيِّ والأسلوبِ اللاهوتيِّ والأسلوبِ الحَدْسِيِّ والأسلوبِ الاِستبطانيِّ ومَا أشبهَ ذلكَ، إنَّمَا هي «معرفةٌ» مرفوضةٌ رفضًا بَاتًّا بصفتِهَا «معرفةً» عاريةً عنِ الصِّحَّةِ والصَّحَاحِ، أو حتى «معرفةً» خاليةً كلَّ الخُلُوِّ من المعنى. من هنا، يَتَبَيَّنُ باستشفافٍ نسبيٍّ أنَّ مَا كانتْ تفعلُهُ أركانُ هذهِ «الفلسفةِ الوَضْعِيَّةِ» في مقابلِ مَا كانَ يصبو إليهِ ذلكَ «المنهجُ التاريخانيُّ» طامحًا هو أن تصيِّرَ الغاياتِ المنشودةَ الخاصَّةَ بالعلومِ الطبيعيةِ، فضلاً عن معاييرِ استقصَائِهَا وكذاكَ عن طرائقِ استكشافِهَا التي تميِّزُهَا عن المجَالاتِ المعرفيةِ والعرفانيةِ الأُخرى، هو أن تصيِّرَهَا كلَّهَا مرهونةً رهنًا حتميًّا بكافَّةِ السِّمَاتِ التي تتَّسِمُ بهَا «الحياةُ الفكريَّةُ» (أو حتى «الحياةُ الذهنيَّةُ» Mental Life، بالتعبيرِ النفسانيِّ الفرويديِّ المعهودِ). ومن هنا أيضًا، يَتَبَيَّنُ باستشفافٍ أكثرَ أنَّهُ ليسَ لِهٰذَا «المنهجِ التاريخانيِّ» الطامحِ، في معمعَانِ هكذا مشهدٍ تهديديٍّ وعيديٍّ جِدِّ مقيتٍ، إلاَّ أن يخوضَ بالإكراهِ إبَّانَئِذٍ غِمَارَ حَرْبَيْنِ «فِكْرَانِيَّتَيْنِ» سياسيَّتَيْنِ متناقضتَيْنِ، من حيثُ كلٌّ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، من الشكلِ والمضمونِ، لكنَّهُمَا حَرْبَانِ متعاقبتَانِ زمَانيًّا، من حيثُ الأجيالُ الفلسفيةُ المُقَاسَةُ بالعقودِ وبالقرونِ: أولاهًمَا حربٌ ضدَّ «الفلسفةِ المثاليَّةِ» ذاتِ السِّلاحِ «الميتافيزيائيِّ» بامتيازٍ في النصفِ الأوَّلِ من القرنِ التاسعَ عشرَ، وأُخراهُمَا حربٌ كذاكَ ضدَّ «الفلسفةِ الوَضْعِيَّةِ» ذاتِ السِّلاحِ «التجريبَوِيِّ» بامتيازٍ أشدَّ في النصفِ الثاني من القرنِ التاسعَ عشرَ ذاتِهِ. بيدَ أنَّ ثَمَّةَ أعلامًا أفذاذًا اِستثنائيِّينَ آخرينَ، ولا ريبَ في ذلكَ البَتَّةَ، أعلامًا آحَادًا كانوا قدْ جمعوا بالإيهابِ الفريدِ خاصَّةً بينَ عَوَالِمِ التفكيرِ الفلسفيِّ (العقليِّ) الأصيلِ، من جانبٍ أوَّلَ، وبينَ عَوَالِمِ التخييلِ الأدبيِّ (القلبيِّ) الأثيلِ، من جانبٍ آخَرَ. وفي هذا الجمعِ بالإيهابِ الفريدِ خاصَّةً أشدَّ فأشدَّ، يبرزُ الفيلسُوفُ والشاعرُ الألمانيُّ الموهوبُ فطرانيًّا وخبرانيًّا، يوهان غوتفريد هيرْدَر (1744-1803)، يبرزُ مرتبطًا إذَّاكَ بالاِسمِ والمُسَمَّى كِلَيْهِمَا بذاتِ «المنهجِ التاريخانيِّ» ارتباطًا وثيقًا بامتيازٍ فريدٍ كذاكَ، إلى جانبِ بضعةٍ من أسماءٍ ومُسَمَّيَاتٍ فكريةٍ وَ/أوْ أدبيَّةٍ أُخرى كانتْ قدِ ازدهرتْ أيضًا في ذلك الحينِ. حتى أن هذا الارتباطَ الوثيقَ كانَ قدْ تغلغلَ ميداءً ومدًى في أراضٍ بعيدةٍ كلَّ البُعادِ عن أراضي الوطنِ، مِمَّا أثارَ أيَّمَا إثارةٍ حُبَّ الاِستطلاعِ لدَى حَشْدٍ من الأعلامِ الأفذاذِ الاِستثنائيِّينَ الآخرينَ كذلك، ولا ريبَ في هذا بَتَّةً أيضًا، كمثلِ الشاعرِ والصِّحَافيِّ اليونانيِّ الفَطِنِ الفطينِ، قسطنطين بيترو كافافي أو كافافيس (1863-1933)، هذا الشاعرِ الكونيِّ والنَّاظِرِ «التاريخانيِّ»، لا «المُؤَرِّخِ» الخَانِيِّ، الذي كانَ قدْ جمعَ بالإيهابِ حتى الأشدِّ فرادَةً والأشدِّ خُصُوصِيَّةً إذَّاكَ، بدورِهِ هو الآخَرُ، بينَ دُنى الإبداعِ الشعريِّ-العلمانيِّ (النفسيِّ) الماثلِ، من طرفٍ أوَّلَ، وبينَ دُنى الإقناعِ التاريخانيِّ-السياسيِّ (الحِسِّيِّ) الأمثلِ، من طرفٍ آخَرَ – وبالأخصِّ، هٰهُنَا، حينمَا يشرعُ هذا الشاعرُ والصِّحَافيِّ الفَطِنُ الفطينُ شُرُوعًا في سُبْأَتِهِ المديدةِ، سُبْأَةِ العُمْرِ بالأَنَاةِ والآناءِ، مرتحلاً طائفًا طائرًا، سَماءً وأرضًا ومَا بَيْنَ بَيْنَ على حدٍّ سَوَاءٍ، مرتحلاً طائفًا طائرًا بَيْنَ ٱمْتِشَاقِ ٱلْمَدينَةِ تارةً، وبَيْنَ ٱعْتِشَاقِ ٱلْخَدِينَةِ تارةً أُخرى!

ذاكَ على مستوًى مباشرٍ، إذنْ، كانَ شيءٌ مَرُومٌ، عندَ هذا الحدِّ، رَوْمًا اِسترسَالِيًّا لَأشبهُ في المثالِ بقَبَسٍ تعريفيٍّ مُزْدَوَجٍ، أو حتى «اِزدواجيٍّ»، بهكذا شاعرٍ وصِحَافيٍّ فَطِنٍ فطينٍ في سُبْأَتِهِ المديدةِ، سُبْأَةِ العُمْرِ بالأَنَاةِ والآناءِ تلك، شاعرٍ وصِحَافيٍّ مُشَخَّصٍ نبراسًا بشخصِ قسطنطين بيترو كافافي بالذاتِ، ومُخَصَّصٍ أساسًا واستئناسًا بشخصِ هكذا شاعرٍ وفيلسُوفٍ أَرِبٍ أَريبٍ كمثلِ يوهان غوتفريد هيرْدَر بالعَيْنِ، وعلى الأخصِّ من عَيْنِ المنظورِ «الاِزدواجيِّ» مأخوذًا إذَّاك بكلٍّ من ذينك الطَّرَفَيْنِ المذكورَيْنِ توًّا، طَرَفِ الإبداعِ الشعريِّ-العلمانيِّ (النفسيِّ) الماثلِ وطَرَفِ الإقناعِ التاريخانيِّ-السياسيِّ (الحِسِّيِّ) الأمثلِ – وذاكَ أيضًا على مستوًى لامباشرٍ، إذنْ، كانَ فَحْوَى التعبيرِ في العنوانِ مُبْتَغًى، بادئَ ذي بدءٍ، اِبْتِغَاءً بنحوٍ أو بآخَرَ على غرارِ «دليلٍ مجازيٍّ» مُعَبَّقٍ بنسبيَّةٍ جليلةٍ بمَا يشابهُ في مقتضَى الحَالِ تمثيلَ «الإردافِ الخُلْفِيِّ» (أو مَا يُدْعَى بـ«الضَّديدِ» Oxymoron، حريًّا)، أو هكذا يتبدَّى، ومُعَشَّقٍ بذاك بنسبيَّةٍ أجلَّ على كلٍّ من ذينك الجَانِبَيْنِ المذكورَيْنِ للتَّوِّ أيضًا، جَانِبِ الإتْبَاعِ بـ«الطَّوَفَانِ السَّمائيِّ» وجَانِبِ الإلحَاقِ بـ«الطَّيَرَانِ الأرضيِّ» للوهلةِ الأولى، فضلاً، عندَ حدٍّ ثالثٍ كَنينٍ مرفوعٍ، عن جَانِبِ الاِبْتِرَاءِ بـ«الطَّوَرَانِ»، أو حتى بعَكْسِهِ الترتيبيِّ الحرفيِّ بـ«الطَّيَفَانِ»، ماثلاً مُثُولاً مُتَمَثِّلاً في موئلٍ مرئيٍّ-لامرئيٍّ مَا بينَ الموئلَيْنِ للوهلةِ أو حتى للوهلاتِ مَا بعدَ الأولى [وهذا المُثُولُ المُتَمَثِّلُ في موئلٍ مرئيٍّ-لامرئيٍّ كمُثُولٍ التذاذيٍّ في جوهرِ الأمرِ، هٰهُنا استطرادًا وتوسُّعًا، إنْ هو إلاَّ نوعٌ من أنواعِ النُّزوعِ اللَّحُوحِ أَمْرًا مَقْضِيًّا إلى اجتراحِ ذلك «التَّلاعُبِ-اللَّعِبِ» المعنيِّ بالتباسيَّةِ دَالٍّ جدِّ متميِّزٍ جدِّ متفرِّدٍ يُسَمَّى في التحليلِ النفسيِّ بـ«الدالِّ اللاواعي» Unconscious Signifier، نوعٌ من نزوعٍ لَحُوحٍ من العسيرِ جدًّا فَصْلُهُ فَصْلاً كُلِّيًّا عنْ جِنْسَانِيَّةِ كلٍّ من الملتذِّ المُتَلاعِبِ-اللاعِبِ التذاذًا فاعليًّا والملتذِّ المُتَلاعَبِ-المَلْعُوبِ التذاذً منفعليًّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، نوعٌ من نزوعٍ لَحُوحٍ جدليٍّ باطنيٍّ سمَّاهُ المُحَلِّلُ النفسانيُّ الفرنسيُّ، جاك لاكانُ (1901-1981)، تسميةً رَائِزَةً بالنَّحْتِ المعجميِّ المُركَّبِ Jouissance، في اللغةِ الفرنسيَّةِ، وسمَّيتُهُ بدَوْرِي، في المقابلِ، تسميةً مَائِزَةً بالنَّحْتِ المعجميِّ المُرَكَّبِ «الرَّعِبُ»، في اللغةِ العربيَّةِ، لكيْمَا يُوِحيَ، من جملةِ مَا يُوحِي، إيْحَاءً إنْسَانِيًّا جِنْسَانِيًّا بكُلٍّ منْ دلالةِ «الرَّعْشَةِ» ودلالةِ «اللَّعِبِ» في آنٍ واحدٍ] – وذاكَ أيضًا على مستوًى لامباشرٍ آخَرَ، إذنْ، كانَ فَحْوَاءُ العبارةِ في التصديرِ مُسْتَقًى، بعدَئِذٍ، اِسْتِقَاءً من ذلك القولِ الألمعيِّ والحَاذقِ الذي قالَ بِهِ بالعُنُوِّ بِمَا معناهُ لِسَانُ العالِمِ الفيزيائيِّ الألمانيِّ الفَذِّ، آلبرت آينشتاين (1879-1955)، بأنَّهُ «مَنْ لا يَقُولُ ٱلْحَقَّ جَادًّا حَتَّى فِي ٱلْصَّغَائِرِ، لَنْ يَسْتَحِقَّ ٱلْوُثُوقَ رَادًّا بِمَا يَقُولُ فِي ٱلْكَبَائِرِ!»، هذا القولِ الألمعيِّ والحاذقِ الذي يُوصِي بكلِّ جَلاءٍ توصيَةً بإيلاءِ شديدِ العنايةِ والاعتناءِ بالكلِّ الكلِّيِّ من صَغَائِرِ الأُمُورِ، أيَّةً كانتْ، وحتى قبلَ أيَّةِ عنايةٍ وأيِّ اعتناءٍ بأيٍّ من كَبَائِرِ الأمُورِ، في المقابلِ، وبعيدًا كلَّ البُعْدِ، والمَآلُ هُنَا، عن أيِّمَا تضمينٍ دينيٍّ أو مذهبيٍّ جَلِيٍّ مُعْلَنٍ من قريبٍ أو حتى خفيٍّ مُسْتَتِرٍ من بعيدٍ لكلٍّ من مفردتَيِ «الصَّغَائِرِ» و«الكَبَائِرِ»، على وجهِ التحديدِ. وهلْ ثَمَّةَ مثالٌ أو أمثلةٌ أدلُّ على توصياتِ هكذا قولٍ ألمعيٍّ وحاذقٍ من مثالِ شاعرٍ وفيلسُوفٍ أَرِبٍ أَريبٍ كمثلِ هيرْدَر بالذاتِ، أو حتى من مثالِ شاعرٍ وصِحَافيٍّ فَطِنٍ فطينٍ كمثلِ كافافي بالعَيْنِ، وعلى الأخصِّ أنَّ كلاًّ من هٰذَيْنِ العلمَيْنِ الفَذَّيْنِ كانَ يتَّخِذُ من ذلك «المنهجِ التاريخانيِّ» في حدِّ ذاتِهِ حُجَّةً ونُهْيَةً هَادِيَتَيْنِ في كلٍّ من مَسَارِ التفكيرِ فكرةً فكرةً ومَدَارِ الوُجُودِ بقعةً بقعةً، وفي كلِّ مَا يترتَّبُ على كلٍّ منهمَا كذلك!

[انتهى القسم الثاني من هذا المقال ويليه القسم الثالث]

*** *** ***

دبلن (إيرلندا)،
29 أيار 2022

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر