الشعب ضد لاري فلينت

أميرة أحمد عبد العزيز
2022 / 9 / 30

برغم أني رغبت أن أشاهد فيلم (الشعب ضد لاري فلينت) وذلك رغم علمي بموضوعه وفكرته، إلا إني لم أستطع التركيز في مشاهد كثيرة لإصابتي بالتقزز، مع أن الفيلم لمخرج فنان أقدره وأحب أن أشاهد أعماله جميعها، هو المخرج (ميلوش فورمان).
اعتقد أن فورمان يمتاز بفلسفة فردية في كافة أعماله، وأبطاله يشبهون الأطفال الذين لم ينضجون، يفعلون ما يريدون ويثارون ويشتمون دون أخذ بال للمجتمع، وهم بذلك يبدو أنهم مبشرين بإطلاق الحرية دون عائق.
يدور الفيلم حول لاري فلينت الذي يصدر مجلة بورنو، تحتوي على مشاهد غير اعتيادية في هذا السوق، فتبدو أكثر تحررا من القيود المعتادة. مما أدي إلى اتهام فلينت بتهمة إفشاء الفاحشة في المجتمع وحوكم بالمؤبد ولكن استطاع أن يخرج بضغط من أصحاب لافتات (الحريات).
في دفاعه عن فكره يقول فلينت أن الجنس قانوني ويمارسه الناس ومع ذلك إذا قام أحد بتصويره يعاقب بالسجن، في المقابل القتل غير قانوني، ولكن حين يصور لا يعاقب عليه، ثم قام بعرض مشاهد للجنس ومشاهد للقتل ليبين أن الأول يدعم الحياة في مقابل الثاني الذي ضد الحياة، فمن أولي بالمنع؟! كما يعرض محاميه في دفاعه عن متهمه بأنه دفاعا عن الحرية، ويوضح المحامي أنه لا يحب مجلة فلينت ولكنه يحب أن يحتفظ المجتمع الأمريكي بمعاييره في الحرية، حرية أن تشتري المجلة أو لا، أن تشاهد أو لا تشاهد أو ترميها في سلة المهملات.
يتعرض فلينت لمحاولة اغتيال ينتج عنها إصابته بالشلل، ويبدو واضحا أن الأمر وصل لحقوق حرية الإرادة، إرادة أن نفعل أو نقول ما نريد مقابل الحق في الحياة، وهنا يصبح ما فعله المغتالون، اغتيال لحرية الإرادة التي ينشدها ويبشر بها فلينت.
لقد ظللت أفكر في هذا الأمر، وشاغلني، كان لدي معضلة، لماذا يعتبر نشر ما في هذه المجلة (حرية) فيما لا يعتبر القتل (حرية)؟
نفس الأمر قد أدار ذهني سابقا بخصوص الملكية، لماذا يعتبر المال معيار قانوني لتملك الأرض التي مفترض أنها مشاركة اجتماعية فيما لا يعتبر تملكها بقوة السلاح أمرا مقبولا مقننا.
الحقيقة أنه طالما أخرجنا المجتمع من الموضوع صار الصراع الاجتماعي هو القانون وليس الجدل الاجتماعي، وبالتالي يكون الجميع لديهم الحرية فيما يفعلون (من يكتب ومن يقرأ، ومن يصور، ومن يقتل، ومن يسرق، ومن يستغل.... إلخ) كلها حريات. وفي ظل فرض قيم فردية بحتة، حيث يقصد أحد فرض حريته الفردية على آخر، ويرفع شعار الفكر بالفكر، فهو هنا يرفع معياره الفردي وليس بالضرورة المعيار الفردي للآخر.
وبصراحة لا أجد الأمر بهذا الشكل حرية فردية، لأن من يوجه رأي بأي شكل هو لا يوجهه إلا للآخرين في المجتمع مستهدفا غاية اجتماعية، ولو كانت انحلال المجتمع أو تفسخه أو القضاء عليه، وإلا فلماذا يجاهر به ولا يتركه خاصا به.
بين لنا الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه (أسس الاشتراكية العربية) أن في المجتمعات يكون اللفظ الصحيح هو حقوق فقال: (لا توجد داخل المجتمع ما تسمى حريات فردية وهو التعبير السلبي الذي يعني عدم منع الفرد من عمل شيء، إذ أنها في المجتمع تصبح حقوقا أي إمكانيات فردية ومجالات للتصرف محدودة بمجالات أخرى على أبعاد المجتمع الثلاثة. محدودة أولا بحق المجتمع من سلامة وجوده وقدرته على التطور أي تحرره من القيود التي تفرض عليه ككل أو تمزق إمكانياته. ثم محدود داخل كل مجتمع بحقوق الآخرين على المستوى الأفقي، ومحدودة بالحقوق الاجتماعية على المستوى الرأسي، ومحدودة باتجاه التطور في الممارسة الفعلية. وبذلك تسترد الحريات مضمونها الإيجابي، أي تصبح الحريات في المجتمع التزاما على المجتمع يجب تحقيقه في الواقع، والحريات الفردية التزاما على الأفراد أن يحترموه))

في كتابه نقد العقل العملي تحدث (إيمانويل كانط) عن عدم وجود معيار موضوعي للأخلاق يقع في الرغبة، لأنه سيظهر بالضرورة تناقض وصراع بين الناس وبالتالي لا نستطيع من خلال هذا أن نجد قانونا شاملا أو مسلمة عامة، يقول في كتابه من ترجمة (غانم هنا):
(إنه من المستغرب أن رجالا أذكياء قد وصل بهم الأمر إلى التفكير بالرغبة في السعادة على أنها قانون عملي شامل، على أساس أن الرغبة، وهكذا أيضا المسلمة التي بها يجعل كل امرئ هذه الرغبة المبدأ المعين لإرادته، هي شاملة، لأن قانونا شاملا للطبيعة، بينما يجعل في غير هذا المكان، كل شيء منسجم، إلا أنه سينتج هنا، إذا أراد أحد أن يعطي للمسلمة شمولية قانون، أقصى نقيض للانسجام، أسوأ خلاف وأيضا الإلغاء التام للمسلمة نفسها وللغرض منها. ذاك أن إرادة الجميع لن يكون لها عندئذ الموضوع نفسه بل سيكون لكل واحد موضوعه الخاص (رفاهيته الخاصة) الذي قد يتفق عن طريق الصدفة مع أهداف الآخرين الذين يتابعون مثله أهدافهم الخاصة)

إن المعيار الموضوعي للأخلاق يقع في المجتمع وليس في الأفراد، وينبع من الجدل الاجتماعي.
إن ما يرفضه الناس بالمجتمعات من منصات مثل (نتفليكس) وأمثالها لا يخص الأبداع الفني بل المنتج التي تدعو له، وتقحمه في أعمال ليس كلها تمثل إبداع فني أصلا.
إن ما قدمه من أعمال فنية (هيتشكوك وبرغمان، وبونويل وتروفو وروسيني ... وأمثالهم من الفنانين) مهما اختلفوا في الفكر والفلسفة، وفي الثقافة الاجتماعية التي ترجع لاختلاف المكان والزمان، ومهما اختلف معهم، فقد كانت أعمالهم في النهاية تمثل فن وإبداع، وهذا مختلف تماما عن الدعاية المقحمة كالإعلانات.
إن نتفليكس وأمثالها من المؤسسات والأفراد، يصنعوا أعمال يستخدموا فيها مقدرتهم التمويلية وقدرتهم التسويقية لبث قيما ضد قيم المجتمعات التي تستهدفها، في المقابل لا يملك الإنسان الأعزل ما لديهم لكي يبث العكس، وهنا يجد القول الليبرالي (اغتني لتستطيع) مصوبا في وجهه، اغتني لكي تستطيع أن ترفض وأن تقبل وأن ترفع قيمك، هنا يقع تحت تأثير هذه الدعاية فيشعر أنه هو المكلف بنشر الفضيلة وهو من ضيع التكليف لأنه لا يملك ما يملكون، وقد يحمل نفسه الخطأ وحده ويري نفسه المقصر، أو يكتشف أن ما يعوقه هو أنه يقع تحت استبداد سياسي وثقافي، واستغلال مادي، وأن ثروات بلاده مسروقه ومنهوبه لحساب هؤلاء الذين يدعون نشر قيم الحرية.
إن الفن هو حالة من الجدل الاجتماعي وطريق للتطور، وما يثار من خلاله من صراعات هي صراعات موجودة بالفعل، يقوم الفن بإزاحة الستار عنها لإعاقة ما يقف أمام التطور.
إن ما يقدمه البعض اعتقادا انه يمثل حرية فردية من إباحة التعري التام والبورنو والمثلية مثلا، لهو ضرب لوحدة تكون المجتمعات، ألا وهي ((الأسرة)).
يوجد ثوابت إنسانية لتطور المجتمعات ويوجد مشاكل تجاوزها الناس بالحل، فالمجتمعات تطورت عبر الأزمنة ولأسباب موضوعية من الأسرة للعشيرة للقبيلة للشعوب والأمم. فحين نترك مشاكل الأمة الموضوعية ونذهب للتصويب اتجاه اللبنة الأولي، فما نفعله ليس بجدل أو حرية بل اعتداء على المجتمعات الإنسانية.
ونعيد القول، إن كنت تدعي أن لك الحرية في نشر ما يهدم اللبنة الأولي فإلى جانب أنك تضع نفسك في مواجهة مع الأغلبية في المجتمع، فأيضا يوجد آخر ستجده عليك أن تعترف له بالحرية في طرح العنف. ولا نكون هنا بصدد جدل اجتماعي بل صراعا، كثيرا ما يكون بين أشخاص كلاهما لا يؤمن بالمجتمعات.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر