دراسات نقدية معاصرة :ألرؤيا والتشكيل في قصيدتي: -الليل مهنة الشعراء- وقصيدة -1917 -2003- دراسة موازنة.بقلم:الدكتور محمد حبريل حمودة[1]مصر.

عبدالرؤوف بطيخ
2022 / 9 / 30

• الرؤية
..................
لا تزال مشكلات المجمتع وهمومه وما يموج به من أحداث متباينة، وما ينزل به من نوازل مختلفة، إحدى الملهمات التي تشعل نار القريض عند الشعراء، لاسيما في العصر الحديث الذي انصهر جلُّ الشعراء في قضايا مجتمعاتهم حتى لو حاول بعضهم أن يتقوقع في ذاته؛ فإننا لا نعدم أثرًا لهذا المجمتع وقضاياه ومشكلاته في نتاجهم الأدبي.

والشاعران العربيان "إدريس علوش" و"عبد الرؤوف بطيخ" وإن اختلفت الجغرافيا فهنالك من مشترك يجمعهم هو السيريالىة - فالأول مغربي، والثاني مصري فإن قضايا المجتمع وما يموج به من أحداث وإضطرابات قد وجدت نصيبًا في إبداعهم الشعري، لاسيما ما يعكسه هذا الواقع ضمن مناحيه المختلفة السياسية والاجتماعية والفكرية، الأمر الذي ينعكس على الطبقات الفقيرة جوعا وتشريدا وإهمالا، ولعل هذا ما دفع الشاعرين إلى اتخاذ قصيدة النثر قالبًا وشكلاً؛ لتفريغ تلك الشحنات العاطفية، وهذه الهموم المجمتعية في هذا القالب الذي يأبي القيود والحدود، وتأكيدًا لهذا الهدم والمسخ والتفسخ والانحلال الذي لحق بالمجمتعات العربية من زوايا متعددة.
ومن ثَمَّ فقد وجدنا أنَّ إدريس علوش قد اتخذ من الليل في هذه القصيدة مهربًا يبثه أحزانه وهمومه وأشجانه على عادة الشعراء القدمى؛ عله أن يجد إجابات عن تلك الأسئلة التي ماجت بها نفسه، وتلك المعضلات التي انتشرت في مجتمعه، وقد ظهر ذلك جليًا بداية من عتبة العنوان الأولى للقصيدة "الليل مهنة الشعراء .. وكفى .." بما يحمله هذا العنوان من دلالات تعكس شدة هذا التعانق بين الشاعر، وبين الليل الذي أصبح مهنة يمتهنها، وطقوسا يؤدها، مرورًا بالمقدمة التي تشي بتوجس الشاعر وخوفه ألا يصل إلى ما يريد، فيقول:
سَأَخْتَبِرُ
عَتَبةَ المَسَاء
إذَا شَاءت ذَخيرةُ الوَقت
حيثُ فَقَاعَاتُ الصَّباح الَّذِي وَلَّى
تنقر مِسْمَارَ الظَّهِيرة…
وأَسْتَعِير
مِنْ خطواتِ الطَّريق
بَوْصَلَة لِشَرْخٍ يتفَتَّتُ ذّرات…

ويتخذ الشعراء بشكل عام من الليل مجبرين , مساحة للتأمل والانشغال بهموم مجتمعهم وتحديدا الطبقات المهمشة التى ينحازون إلى قضاياهم معبرين عن مصالح تلك الطبقات الفقيرة فى وقت نومهم بعد يوم عمل أنهكهم وسلب منهم إنسانيتهم؛ نتيجة ظروف ونظام عمل قاسيين, حيث تنام الطبقة العاملة ويسهر الأدباء على قضاياهم مبدعين أجمل النصوص ممثليين لصوت هؤلاء للكادحين. فالأرق ليس متعة ولا رفاهية مستحبة للمبدع ولكنه التزام عميق تجاه الطبقة التى يتبنى المبدع قضاياها الإجتماعية. ومن ثم لم يجد الشاعر سبيلاً إلا أن يطرح كلَّ هذه القضايا التي تموج في مجتمعه أمام ناظره في ليله الطويل حتى يصل إلى علاج ناجع أو يجد مخرجًا لداء أمته فيقول:
أُبْحِرُ - هكذا - في القَصيدة،
وَعرَاءِ المَعْنَى،
في انْسِياب اللاَّشَيئ،
في تصدُّع الفَلْسفة،
في هَدْم العُمْرَان،
في مَحار النَّهر،
في مَحْو الشَّكْل،
في رقْص النَّافُورة،
في هَذيان الشك،
في عَرَصات الأقَاليم،
في فَوَاتِير المحفظَة،
في جُزُر المَجَازِ،
في وَقْعِ الكَبْوَةِ،
في وَهَجِ البَلاَغة،
في دُكْنَة القَنَاة الأُولى،
في مُنْتَهَى الخَريف،
في جزر الإيّاب،
فِي حزن يوم الاثنين،
في شَطَحَات الفيزياء،
في بَهْو الصَّحْوِ،
في شُرْفة أُنْسِي الحَاجّ، في غَلْيون تروتسكي، في خصر فيفي عبده تماما..في نَثر القَصِيدَة…

إنها قضايا شائكة لطالما وجدت سجالات ومناظرات، وتكسرت فيها أقلام واستفرغت في جهود مضنية للوصول إلى ماهيتها وكنها، ومن ثم فقد حاول الشاعر أن يتأملها ويطرحها على مائدة فكره في ليله الطويل؛ ليصل إلى إجابات على الرغم من أن بين تلك القضايا التي طرحها الشاعر سخافات وترهات ربما لا تستحق أن ينظر إليها، بيد أن الشاعر أمين على مجتمعه، ينقل ما يحدث فيه ولعله أراد أن يعوز إلينا بهذا السخف الذي ربما تنزلق إليه الشعوب، وتنشغل به بعيدًا عن القضايا الحقيقية الجديرة بالتأمل وإعمال الفكر.

والمتأمل لهذه القضايا التي طرحها الكاتب يجد أنها قضايا ثقافية فكرية من أبواب شتى سواء ما يتصل بالعلم التجريبي مثل: شطحات الفيزياء أو بالإبداع الفني وطرائق القول، مثل: وعراء المعنى، وتصدع الفلسفة، وجزر المجاز، ونثر القصيدة، ولعله أراد من طرح كل هذه القضايا في مقدمة قصيدته حتى الترهات منها؛ ليشير إلى انعكاس الحالة الفكرية على النواحي الاجتماعية فقرا وعوزا وتخلفا، ولذلك ختم قصيدته بالإشارة إلى البعد الاجتماعي، فيقول:
هَيَّا نَصْعَدُ معا سُلَّم الوَظيفةِ
نَتسلى بِرَاتب الشَّهر المَبْحوح
نُحاكي رَقْصَ الغُربَانِ
نُرَتِّب فَوانيس النَّهَار أما اللَّيل
، فهو مهنة الشُّعراءِ .. وكفى …
في حين أننا نجد الشاعر "عبد الرؤوف بطيخ" قد أوغل في أهم القضايا التي أثرتْ على العالم بأثره وكان لها دور كبير في التغيير على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية والأنسانية، وقد بدا ذلك واضحًا من العنوان الذي اختاره "قصيدة 1917 - 2003" حيث يحيل إلى وقائع تاريخية مؤثرة حفزت الشاعر حتى اختمرت تجربته الإبداعية وحفلت بكثير من الرؤى؛ ليخرج هذا النص الإبداعي، فضلا عن كونه يحوي كثيًرا من الأسئلة المضمنة والدلالات المكتنزة بداخله. فما أهم الأحداث التي وقعت في هذين العامين 1917م – 2003م ؟ وأيُّ نوع من الأحداث التي شغلت الكاتب وحفزت قريحته حتى ينتج هذه القصيدة ؟ وما الرابط بين هذين التاريخ على الرغم أن ما بينهما ما يقرب من خمس وثمانين عام؟ وما هي التغييرات التي لحقت بالعالم بعد هذين التاريخين؟ أسئلة كثيرة يطرحها هذا العنوان لا يستطيع المتلقى الإجابة عنها إلا إذا ولج إلى القصيدة وكشف اللثام عما تموج به من رؤى وأحداث وقضايا، ومن ثَمَّ فقد عمد الشاعر إلى تقسيم هذه القصيدة إلى أربعة مقاطع تأخذ بعضها بركاب بعض في إتقان وترتيب محكمين؛ لينتقل بالمتلقي من مشهد إلى آخر.

ففي المقطع الأول يحاول الشاعر اطلاع القارئ على الواقع المرير الجاثم على صدره والذي يسوء يوما بعد يوم، وقد اتخذ الشاعر من صورة البورتيرية بإطاره الذي يزداد مع تعاقب الأيام رمزا لهذا الجاثوم والواقع المرير الذي لا ينفك عنه وتلك الصورة القاتمة الموغلة في الثبوت والسكون، والمستقبل المليء بالصور المضيئة التي تبعث في نفسه الأمل والتفاؤل في حياة أفضل، وبين هذا وذاك يعيش الشاعر، فبين الواقع المرير والمستقبل البهيج يعيش الشاعر حالة من التناقض والاضطراب فيصاب بالإحباط واليأس ويسقط في غياهب الظلمات والأيام حتى أوشكت حياته على الأفول والانتهاء والذبول مثل ثمرة البرتقال عندما تسقط على الأرض، وكان الشاعر مبدعًا في هذه التصوير عندما صور أثر عبئ هذا الواقع المرير على نفسه حتى أحاله إلى الموت والفناء بثمرة البرتقال التي تسقط بعدما طابت ولم تجد من يقطفها أو يستفيد منها على الرغم من أنها قد جمعت بين حلاوة الطعم، وجمال الشكل، وبهاء المنظر. يقول الشاعر:
...أتعاطى لغةً بطعم الفراولة
فيُفْرَغُ كوبُ الغيوم مطرا
أتقمص بوابةً واسعةً شفافة
لأجد قلبى قيد الاعتقال
تتقمصنى تناقضات مهترئة لحرف ال س
لتعكس أحلامى سكون حرف ال ث
عينى تسقط عن صورتى المعلقة كثمرة برتقال
الجاز إيقاع قلب جامح
البورترية المعلق يزداد ضخامة
فتنحنى نظرتى بضغط ثقل الإطار.

ولتأكيد قبح هذه الواقع المرير يعمق الشاعر في هذا المقطع الثاني من سلطة هذا الواقع الذي يفرض سيطرته على كل شيء، فمهما حاول الشاعر أن يغيره فإنه يعجز عن ذلك، ولعل أكثر الأسباب التي حالت دون ذلك هو الإيغال في تلك المادية والنفعية والتغريب المتعمد وتجاهل كل ما يرقي بالنفس البشرية حتى الأشياء التي ربما تكسبه قيمة وتشي بثقافته وأدبيته يحولها الواقع إلى ماديات فإذا ألقى الشاعر شعره وجد نفسه ينجز عملا هندسيا، وإذا قاد الثوري ثورة سقطت منه أثواب النسيج بديلا عن الكلمات كاإشارة جدلية وجمالية لشكل الإحتجاج، وإذا ذهب الشاعر لندوة يجد العامل أحضر أدواته المادية من الأسمنت وغيره، وإذا تكلم الشاعر مع زوجته بلغة عربية تخرج حروفه بلكنة فرنسية وروسية وأسبانية. فى مشهد متناقض عبر فيه الشاعر عن انشطار واغتراب والتزام طبقى كمثقف عضوى يتناص لديه العمل المهنى مع الدور الذى يقوم به ثقافيا وأدبيا لصالح قضايا الطبقة العاملة, وهنا يؤكد التزامه كمثقف عضوى وسط الطبقة العاملة ويدافع عنها بتعميق الاغتراب الإنسانى نحو الهاوية (التغيير). يقول الشاعر:
اليوم تقرر الأشياءُ فرضَ ميكانيزماتها بتضادٍ مع بيولوجيتنا
فأخرج لألقى شعرًا على المسرح
فأجدنى أنجز عملاً هندسيًا بالرمل والإسمنت
يقود الثورى تظاهرة ضد الديكتاتورية محمولا على الأكتاف
فتسقط منه أثوابُ النسيجِ بلون الفجر
أذهب إلى الندوة,
لا أجد العامل يعد لى ورشًا من المولاط ب6 أجولة من الأسمنت
أتحدث لغتى العربية مع زوجتى,
فتخرج حروفى مطعمة بلكنة روسية .فرنسية .إسبانية.

وفي المقطع الثالث الذي يعد لبَّ هذه القصيدة يسطر الشاعر تلك الأحداث التي أحدثت تغييرًا للواقع وانقلابًا في الموازيين وهما سنتان بينهما من العمر ما يقرب من الخمس وثمانين عاما، ففي 1917 قاد ليون تروتسكي ثورة الطبقة العاملة الروسية ضد النظام الإقطاعي والقيصرى المطلق والتي قدأحدثت تغييرا في العالم وتأثرت بها شعوب وأجناس مختلفة في أماكن متفرقة في هذا العالم، ثم ما أعقبها من أحداث وثورات كل لها صداها مثل: مذبحة شنغهاي في 12 أبريل 1937 التي كانت قمعًا عنيفًا وتطهيرا لمنظمات الحزب الشيوعي وما أعقب ذلك من عدة انتفاضات للطبقة العاملة الاسبانية ، مانتج عنه حرب أهلية وقفت فيه الأحزاب الاشتراكية والفوضويين مع العمال ضد الفاشية الأسبانية بقيادة الجنرال فرانكو سنة 1936 فى برشلونة والتي أجهضت ولم تنجح نتيجةمذبحة مازالت تؤرق المؤرخين للحرب الأهلية الأسبانية، أو قصف ملجأ العامرية في بغداد من قبل القوات الأمريكية أثناء حرب الخليج الثانية سنة 1991 وأدى إلى مقتل أكثر من 400 مدني من نساء وأطفال، ثم احتلال بغداد في سنة 2003 الذي شكل عالما جديدا مغايرا لما قبل وأرادت أميريكا أن تقيم حضاراتها على جماجم العراقيين. من أجل استلاب ثروات وخيرات هذا البلد يقول الشاعر:
حمامة خضراء تحط على نظرتى
فترسم وجه تروتسكى عظيما متألقا فى بتروجراد
أبحث عن توازن مفتقد
فأقرأ تاريخ الثورة الروسية,
مذبحة شانغهاى,
كاتالونيا,
العامرية,
غزة,
عن إجهاض ثورة العمال,
عن إجهاض قصيدة مكتملة فى الهو,
ما الذى يدفعنى للهاوية ؟.
أمنية حالمة؟,
فخذ دجاجة مسلوقة؟,
بعض السطور القليلة على طبق الأرز؟,
ما الذى يدفعنى للانتحار؟.
كوب من النفط على مائدة العشاء؟,
امبول بنزين يحثنى على الجنس؟,
ويختم الشاعر قصيدته بهذا المقطع الذي يحاول الشاعر فيه أن يغير من هذه الواقع مدفوعا بهذه النماذج السابقة، بيد أنه وجد العدو جنى ثمرته وأعمل التغريب الذي طالما تشربته الأمة فكلما حاول أن يرسم عالما جديدا وجد قبحا، وكلما حاول أن يعلن عن ذاته ليمثل هذا المجتمع وجد أنه يمثل الآخر، وكلما أعلن عن رأيه وجد نفسه تخالفه، الأمر الذي ربما يدفعه إلى الهروب بيد أنه سيجد أنه يهرب إلى ذلك الواقع الآخر فيجده في منتهى العبثية والمفارقة وفي قمة السخرية، ومن ثم لم يجد الشاعر من طريق إلا طريق المواجهة فالكلمات لا تبني المصانع، صور الورد لا تنبت في المزارع، والأطفال في أعيادهم لن يتحدوا ضد العدوالمحتل إلا إذا واجهوا وعلموا الحقيقة .
أخرق هذا المناخ الذى أفقدته القصيدة توازنه الداخلى
كلما ممدتُ يدى لرسم عالم مغاير
أنتج قبحا
كلما مددت يدى لتمثلنى
أشكل آخر
أهاجر عبر السطور مخلفنى,
لأجدنى فى المطارات,
الموانى النقط الحدودية تستقبلنى بابتسامة ساخرة
ما الذى أضافه المسرح التجريبى ؟.
سوى مزيد من الاغتراب
الدبابات الأمريكية تشيد لحضارة جديدة من زاقورات الجماجم
النضالات الممتدة للحروف على الورقة البيضاء
هل ستشكل مجالسها فى المصانع؟.
الورود التى أرسمها بريشة بالية
هل ستشكل مجالسها فى الحقول؟.
البنادق التى يحملها الأطفال فى أعيادهم
هل ستشكل ميليشياتها؟.
البريق الحالم لزهور الرمان,
الخطوة الدقيقة للقلم,
هل ستشكل جنينا لايحمل جينات وراثية معنعنة؟
الرؤيا التى تستلهمنى فى اللاوعى بفعل حركة التاريخ
ما الذى ستأتى به؟
وهى تنظر للسماء
منتظرة ال ما بعد؟.

مجتمع جديد مغاير للمجتمع القديم تحت سلطة البرجوازية العفنة والاحتكارية فى طبيعة تطورها, حيث شهدت عشرينات القرن الماضى بعد انتصار الثورة العمالية فى روسيا القيصرية ذات الحكم الأوتوقراطى"الحكم الوراثى المطلق " لآل رومانوف وكذا شهد العقد الثانى من القرن الماضى ثورة 1919 فى مصر وثورة العشرين فى العراق.
.................................................................................................
• التشكيل
وفي الجانب التشكيلي استخدم الشاعران الألفاظ استخداما واعيا على الرغم من كونها ألفاظا مألوفة لدى المتلقي إلا أنها جاءت حبلي بفيض من الدلالات والإيحاءات حيث نجد عبد الرؤوف بطيخ يستوعب ماستوعبة من ألفاظا علمية في تجربته الشعرية في إطار من الانسجام مثل (الأشياءُ تفرضَ ميكانيزماتها بتضادٍ مع بيولوجيتنا) على الرغم من محاولته خرق بعض القواعد باستخدام الأرقام بصورتها الحسابية(6 أجولة) أو استخدام تراكيب تخرق المألوف مثل: (اللاوعي – ال ما بعد) ومثل (اللاشئ - واللاَّحربَ..! ) عند علوش.

كما اعتمد الشاعران على المجاز الذي يعطي للكلمة فيضًا من الايحاءات والدلالات، غير أن الناظر إلى شعر ادريس علوش يجد أنه قد توسع كثيرا في دلالاته لدرجة يكاد يكلّ بها ذهن القارئ والمتلقى في الربط بين المعني الحقيقي والمعني المجازي وهي طريقة إنتهجها الشعراء المحدثون أدت في كثير من الأحيان إلى الإغراب والتعمية، ومما جاء في قصيدته (سأختبر عتبه المساء… إذا شاءت ذخيرة الوقت حيث فقاعات الصباح الذي ولى هذيان الشك في عرصات الأقاليم - ما الذي يحدث الآن في دولاب الموسيقى) في حين أن عبد الرؤوف بطيخ كان أقل حدة منه وأقرب إلى طريقة القدماء في إيراذ المجاز مثل قوله: (أتعاطى لغةً بطعم الفراولة - تناقضات مهترئة - قلب جامح - فتنحنى نظرتى بضغط ثقل الإطار- تقرر الأشياء - فتسقط منة أثواب النسيج.)
كما اتكأ الشاعران على استلهام بعض الرموز التي تمنح النص فضاءات من الدلالات مثل قول أدريس علوش: (في شرفة أنسي الحاج) وأنسي الحاج من رواد قصيدة النثر في العالم العربي، مثل قوله: (غليون تروتسكي) وتروتسكي منظر ماركسى وقائد الثورة البلشفية، وهما رمزان جاء بهما في قصيدته للدلالة على الاستغراق في التفكر وإعمال العقل، فالشرفة هو المكان الهادئ الذي عمل فيه أنسي الحاج وإنتقل في عوالم مختلفة وأنتج أروع القصائد، وغليون تروتسكي إشارة إلى الاستغراق في التفكر وكأن الشاعر يعضد هذا المذهب الذي ذهب إليه فجعل من الليل مهنة يضع فيه كل قضايا مجتمعه على مائدة التفكير ومن ثم لم يكن بدعا فيه فقد سبقه علماء وشعراء.
وعبد الرؤوف بطيخ سار على هذا النهج، فجاء ببعض الرموز التي تمنح النص عمقا وتفاعلا، وتبعده عن المباشرة في التعبير، ومن أوضح هذه الرموز قوله: (البورترية المعلق يزداد ضخامة ... فتنحنى نظرتى بضغط ثقل الاطار) فالبورتيريه رمز لهذا الواقع المرير الذي يزداد حجما بمرور الأيام حتى أثقل كاهل الشاعر وألجه إلى الإنكسار أمام طغيانه، وقوله: (تتقمصنى تناقضات مهترئة لحرف ال س ... لتعكس احلامى سكون حرف ال ث) فحرف ال س هو رمز للمستقبل الذي يمتلئ بالأمل في حين أن حرف ال ث هو رمز للسكون واللاحركة في الحاضر والواقع المرير.

وقوله : (حمامة خضراء تحط على نظرتى فترسم وجة تروتسكى.عظيما متاألقا فى بتروجراد) فتروتسكي رمز للثورة والتغيير لهذا الواقع المرير الذي يعيشه الشاعر.
وعلى الرغم من ابتعاد الشاعرين عن الشعر الموزن المقفي فإن المتلقي لا يعدم أن يجد إيقاعا سرى في شريان القصيدتين وذلك لعدة أمور هي:
الأول: اعتماد نظام المقطوعات كما عند عبد الرؤوف بطيخ، حيث قسم الشاعر القصيدة إلى أربعة مقاطع متساوية.
الثاني: الاعتماد على التكرار سواء أكان في الكلمات مثل كلمة: (في) مقدمة كل سطر شعري عند علوش، والتي عملت على إيجاد إيقاع موسيقي فضلا عن عملها إلى ترابط الأبيات. ومثل كلمة: (أتقمص) عند عبدالرؤوف بطيح التي تكررت أكثر من مرة، وكذلك كلمة (إجهاض) مرتين، الأمر الذي أعطى القصيدة نغما إيقاعيا فضلا عن ترابط بنيوى بين أجزاءه.
الأمر الثالث: هو التعادل بين الأسطر الشعرية عند الشاعرين الأمر الذي يعطي إيقاعيا موسيقيا متوازن.
وبعد ففي ختام هذه القراءة العابرة لهاتين القصيدتين فإنني أقر أنهما ما زالتا حبلي بالقراءات والرؤى والنظرة الفاحصة الواعية لاستخراج ما بهما.
(الاسكندرية1أغسطس-اب2022).

• بيلوجرافيا:
-الاسم : دمحمد جبريل أبو الفتوح حمودة
-دكتور بقسم الأدب والنقد في جامعة الأزهر الشريف كلية اللغة العربية بإيتاي البارود .
-عين معيدا في كلية اللغة العربيّة بإيتاي البارود ثم حصل على الماجستير في رسالته ( الترسل عند الشيخ حسن العطار).
-حصل على الدكتوراه برسالته (السيميائية في روايات محمد جبريل).
-شارك في كثير من مناقشة الأعمال الأدبية في ميادين مختلفة.
-سيصدر له مجموعة من البحوث العلمية تحت الطباعة والنشر .

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر