قضايا الراهن والطريق نحو سودان السلام والديمقراطية

سعد محمد عبدالله
2022 / 9 / 30

(رأي خاص)

هنالك نقاشات حادة وجادة تدور في المنابر الإعلامية؛ تتركز حول الإضطرابات السياسية والأمنية وتصاعد الخلافات بين المكونات الوطنية إلي حد جعل خطاب الإقصاء والإستعلاء وإستعداء الآخر مسألة ملازمة للعملية السياسية السودانية.

يتحول خطاب الإستقطاب من خانة إستعطاف الجماهير لمناصرة توجهات سياسية محددة إلي مربع مهاجمة قضايا طيف واسع من جماهير الريف والمدن المريفة مثّل حملة "أنا متضرر من سلام جوبا"؛ فالذين دفعوا أثمان باهظة في حرب الدولة الإنقاذية ضدهم يستحقون السلام والإستقرار، ويجب أن لا تساق القوى السياسية المستنيرة والجماهير خلف هذه التوجهات المضادة للسلام.

هنالك تقاطعات لمصالح سياسية وتجاذبات وملاعنة بين من يرون أنهم أوصياء بامتياز تاريخي يخول لهم البت في أمور البلاد دون سواهم، ومن يناهضون المفاهيم الإستعلائية في مسار التحرر باعتبارهم جزء أساسي من المجتمع والدولة السودانية والحراك السياسي، وهذا الصراع لا يفيد السودان إنما تستفيد منه القوى الظلامية والنظام البائد.

لقد أصبح الطرف الأول من هذا التصور لا يفرق بين السلام كقضية إستراتيجية وقضية حقوق ومفتاح بناء دولة الرعاية الإجتماعية والديمقراطية والنهوض الإقتصادي وبين الصراع السياسي مع حركات الكفاح المسلح؛ فالسلام من أهم مداخل البناء والتطور وهو إستحقاق لطيف واسع من سكان السودان ولا يتعارض مع ما تسعى إليه القوى الآخرى، لكن هنالك من ينظرون لقضايا السودان بعين واحدة.

لنأخذ مثلاً العلاقة بين قضايا الحريات السياسية والمدنية والديمقراطيات والمساواة بين الجنسين وغير ذلك؟، وقضايا عودة النازحيين واللاجئيين قضايا الأرض والحواكير والزراعة والرعي وإعمار ما دمرته الحروب وتحقيق التنمية المتوازنة وما إلي ذلك؟، وكل هذه القضايا ترتبط ببعضها ولكن تختلف أولويات الهامش الواسع عن غيرهم، ويجب إحكام الربط بين قضايا الريف والمدينة في التخطيط لبناء السودان الجديد.

إتفاقية جوبا لسلام السودان: تم توقيعها بين حركات الكفاح المسلح وحكومة السودان، وقد حققت مكاسب إنسانية وسياسية وإقتصادية وأمنية للمجتمعات في مناطق الحروب من بينها الإعتراف بالتنوع الثقافي والديني وتقاسم السلطة والثروة والحكم الذاتي في سودان موحد والترتيبات الأمنية لإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش وتمهيد مسار هيكلة المنظومة العسكرية والمدنية والقضائية وفتح طريق العودة للملايين من النازحيين واللاجئيين والإستمرار في تحسين العلاقات الدولية مع شركاء السودان وضمان التمثيل العادل للسودانيين من كافة الأقاليم/ولايات في البعثات الدبلماسية.

لقد عبر الموقعيين علي إتفاقية جوبا لسلام السودان عن أن ما تم الإتفاق عليه هو المتاح في حين أن السلام لا يكتمل إلا بضم الذين لم يتوصلوا لقرار الدخول في عملية السلام، ومن المستحسن تشجيعهم للذهاب إلي عملية السلام؛ لكن الخطاب المضادة للسلام في الإعلام المعارض لحركات الكفاح المسلح لا يشجع الآخرين علي التفكير في خوض تجربة قد تكون من الخطر بمكان.

لم تكن الحملات المضادة غريبة ولا جديدة علينا ولم تمنع الموقعيين علي السلام من التذكير بأن السلام يمثّل رؤية إستراتيجية لبناء دولة السيادة والعدالة والإجتماعية والتنموية وعلاقات جيدة ومتزنة مع العالم الخارجي، ونحن نعمل لتحقيق ذلك رغم العثرات والعقبات التي نواجهها سواءً في تنفيذ الإتفاقية أو الحملات الشعواء من دعاة الحرب أو مسألة تهيئة البيئة الوطنية لدعوة أولئك الذين ينتظرون علي الرصيف البعيد للدخول في السلام.

إن تفاقم الأزمة السودانية أنتج أمامنا سيناريوهات سياسية وأمنية مختلفة، ونتوقع الذهاب إلي واحدة من هذه الخيارات لحل الأزمة الوطنية الحالية:-

أولاً. تجميع المبادرات السياسية المطروحة من قبل المكونات السياسية والمدنية والدينية والأهلية والمجموعات النسوية والشبابية بغرض إجراء مقاربة للقضايا محل التوافق والتباين لإنتاج عملية سياسية متكاملة وذات حيوية ومصداقية تمكن الخروج من هذا الوضع المأزوم.

ثانياً. الدخول في عملية حوار سودانوي مباشر بين أطراف الأزمة طبقاً لخارطة طريق وإجراءات تمهيدية متفق عليها بين الأطراف السودانية بتسهيل من الآلية الثلاثية ودعم من الرباعية الدولية بغية إنتاج حل سياسي شامل للسودان.

ثالثاً. التمسك بتنفيذ إتفاقية جوبا لسلام السودان كمسألة إستراتيجية ودعوة كل الحركات المسلحة للتوقيع علي السلام بدلاً عن الدعوة لإلغاء أو تجميد الإتفاقيات الموقعة مع الدولة.

رابعاً. إذا عجز السودانيين عن الحل فيجب التفكير خارج الصندوق من أجل فتح مسار جديد لحوار سياسي سودانوي منتج يحقق التحول نحو دولة السلام والديمقراطية والتنمية والمواطنة المتساوية بلا تمييز.

خامساً. الأنفراد بالحل لا يحقق التوافق المطلوب إنما يساعد علي تعمق الأزمة في ظل التحديات السياسية والإقتصادية والأمنية وبدلاً عن بحث حل خارجي بامكان السودانيين أن يحلوا قضاياهم دون إقصاء ويتطلب ذلك الإعتراف بالجميع.

سادساً. يجب مناقشة مبادرة الجبهة الثورية خاصةً فيما يخص الحوار الممرحل والمستمر والتوافق علي حكومة ذات مهام وصلاحيات محددة يشارك فيها كل الأطراف الوطنية.

30 سبتمبر - 2022م

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر