مناقشة لمناقشة قارئ مسلم عقلاني 1/2

ضياء الشكرجي
2022 / 9 / 30

وصلتني رسالة من قارئ مؤمن بالإسلام، يتسم بالعقلانية، والأدب الجم، لم يذكر اسمه، ناقش إحدى حلقات سلسلتي (القرآن .. محاولة لقراءة مغايرة). وجدت مناقشته تستحق الرد في إطار مناقشة لها في حلقتين.
سأبدأ مما ختم به رسالته بقوله: «في الختام اعذرني على ركاكة كلامي، وعدم منهجيته العلمية، فأنا رجل لا - حظ لي من التعليم سوى شهادة الإعدادية المهنية (إعدادية تجارة). ولكن حاولتُ قدر المستطاع إيصال فكرتي، مع عظيم احترامي لجنابك الكريم». هذا ما يحسب له، لتخلقه بأخلاق التواضع والأدب، وهنا أقول الشهادة ليست معيارا لمدى صحة صواب حاملها، فإننا نجد الكثير من حملة الشهادات العليا، من هم غارقون في الخرافة والتعصب، وضيق الأفق، وعدم التحلي بأدب الحوار، بل لا يتقنون صياغة العبارة كما صاغها الكاتب خريج الإعدادية، وأنا شخصيا لست إلا صاحب شهادة متواضعة نسبيا.
لن ألتزم في مناقشتي لمناقشته بالتسلسل الذي وضعه، أولا، ثانيا، ثالثا، ...، بل سأمر على ما ذكره في نص مسترسل.
جوابا على إشكالي أن مؤلف القرآن الذي أفترض أنه محمد نفسه، يتحدث في أكثر من موقع في القرآن عن شكه بنبوته ورسالته، يقول: نعم، من الممكن لمحمد "النبي" وليس محمد "الرسول" أن يكون من الممترين. فلمحمد مقامان (حالتان) مذكورتان في القرءان، مقام (ياأيها النبي)، وهو محمد البشر الذي يخطئ ويصيب وينسى ويجتهد ويشتهي ...الخ، ومقام (يا أيها الرسول)، وهو محمد المكلف بتبليغ القرءان، وهو هنا لا يخطىء ولا ينسى ولا يجتهد - يعني معصوم -. وعليه، فتحذيره سبحانه لمحمد هنا من أن يكون من الممترين هو مخاطبته كونه النبي، وهذا أمر طبيعي.
ردي: أعرف أن لدى بعض المسلمين هذا الفهم لنبيهم، خاصة لدى القائلين بأن عصمة محمد تنحصر في التبليغ ليس إلا. فهناك مدارس متعددة في العصمة، ليس فقط على صعيد المذاهب الفقهية أو الكلامية، بل حتى في داخل كل مذهب، وكل مدرسة. وهنا لا أناقش العصمة بالفهم الديني لها، ولا أعتمد أي قراءة من القراءات، بل أتناولها من حيث البحث العقلي فقط. أولا يجب أن نعرف إن العصمة، خلاف الذين يغالون بها، هي ليست إلا كمالا إنسانيا نسبيا، وعندما أقول إنه كمال إنساني، يعني هو ليس ما فوق إنساني، وعندما أقول نسبي، لأن الكمال المطلق لا يكون إلا للكائن المطلق واجب الوجود حصرا. فمن الناحية العقلية المحضة، عندما يصطفي الله بعلمه المطلق إنسانا ما لمهمة إلهية بهذه الأهمية وبهذه الخطورة، أي عندما تكون مهمة الشخص المصطفى من الله للمهمة الإلهية، أن يبلغ رسالة الله إلى الناس، فلا يكفي أن يضمن الله تحلي الرسول بدقة التبليغ، بحيث لا يفتري، ولا يضيف ولا يحذف، ولا يغير، فهو لا يفعل ذلك عمدا، لأنه لا بد أن يكون أمينا وصادقا، ولا يفعل ذلك سهوا، لأن الله يختار بعلمه من يتحلى بذاكرة متميزة، تعصمه من النسيان، خاصة في القضايا المهمة والخطيرة. لكن هذا لا يكفي، لأن الرسول يجب أن يكون ذا شخصية جذابة مؤثرة، أي أن يتحلى بالأخلاق العالية، والذكاء والعقلانية والحكمة. ومن هنا لا يصح تقسيم شخصية محمد إلى محمد النبي ومحمد الرسول، بل يجوز التمييز فقط بين محمد النبي الرسول، ومحمد الإنسان، لكنه أيضا كإنسان، إذا كان الله قد اصطفاه، يجب أن يكون ذلك الإنسان الراقي أخلاقيا، والمتفوق ذهنيا، والمتحلي بالحكمة العالية.
وعن قولي عن الدور الممتنع منطقيا، الذي يمارسه القرآن، بأن يشهد هو نفسه على صدقه، كتب: الدور المنطقي لا ينبغي تطبيقه مع الإله الخالق، فهو سبحانه يتكلم باعتباره عالما بالحقائق المطلقة علما حضوريا نهائيا، لا علما اعتقاديا. وخطابه للبشر هو خطاب العالِم المحيط بالحقائق مع بشر علمهم منقوص لا حضوري (الذين يؤمنون بالغيب)، أي يعتقدون بالغيب ولم يقل (الذين شاهدوا وحضروا الغيب)، وإيمانهم هذا هو الحد الأعلى المطلوب منهم لمحدودية قدرتهم وعلمهم.
ردي: المنطق هو المنطق، والضرورات والممتنعات والممكنات العقلية تنطبق على كل القضايا، وإذا أردنا أن ننفي تطبيق الأدلة العقلية على الله، نقول إذن بعدم وجوده، لأنه عندذاك لا يصح استخدام دليل واجب الوجود، ولا دليل النظم، أو الدقة اللامحدودة، ولا دليل استحالة تراكم ملايين الصدف ليكون ما هو كائن. ثم من قال إن القرآن هو كلام الله، لنقول استحالة الدور المنطقي لا ينطبق على كلام الله، فأدلة بشرية القرآن لا تعد ولا تحصى، وعندي مشروع كتاب بعنوان "ألف دليل ودليل على لاإلهية القرآن"، مع إني أحتمل أني سأعدد من الأدلة ما يتجاوز هذا العدد إلى أضعافه. وأخير فالإيمان ليس هو المطلوب من الإنسان عند الله، لأن الله لا يكلف الإنسان إلا وسعه، ودليل صعوبة الإيمان، إن أكثر الناس لا يؤمنون، كما يعترف القرآن نفسه، وإذا آمن من آمن، فمعظم المؤمنين يختلفون في طريقة إيمانهم، والاختلاف ليس فقط بين الأديان، بل بين طرق الفهم التي لا ععد يحصيها داخل كل دين من الأديان.
ثم يقول في مناقشته: قولك إن القرءان مصدره بشري، في الحقيقة أنا لم أرَ الله، ولم أرَ محمدا، ولم أرَ جبريل وهو يبلغ القرءان لمحمد. وهنا أجيبه بأني مثلك لم أر الله، لكني وجدت من الأدلة العقلية ما يجعلني لا أملك إلا أن أؤمن به، بل وأنزهه من جل ما نسبت إليه كل الأديان بلا أي استثناء، طبعا بما فيها الإسلام. ومحمد هو الآخر لم أره أيضا، ومثلك لا أعول على الحديث والسيرة لعدم موثوقيتها، بل علمت بوجود شخص اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قبل أربعة عشر قرنا، بالتواتر، وتعرفت على دينه من خلال القرآن، الذي بما أنه ثبت لي استحالة صدوره عن الله، وبما أن المسلمين يؤمنون بأنه وصلنا كما تلاه محمد على الذين آمنوا به وقتذاك، فأفترض أنه من تأليفه، ولذا حكمت عليه من خلال ما أفترض أنه ألفه، كما يستطيع أي إنسان أن يحكم لي أو عليّ عبر ما أكتب، إذا لم تكن لديه وسيلة أخرى للتعرف علي.
ثم يعقب بأن القضية ببساطة حسب فهمه للدين هي كما يلي:
يقول: (ماذا لو) كان الله موجودا بالفعل؟ فأقول وأنا أؤمن على نحو اليقين بوجوده، وإيماني به وتنزيهه له، هو الذي جعلني أصل إلى القطع في نفي صدور الدين عنه، لكني على يقين أيضا إن الله لا يؤاخذ الذين لا يؤمنون به، بسبب عدم قدرتهم على الاقتناع بأدلة وجوده.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر