جورج طرابيشي وإشكاليات الديمقراطية في العالم العربي

جلال إبراهيم
2022 / 9 / 30


في مقاربتهِ للديمقراطية في العالم العربي، يصفها جورج طرابيشي- بالإشكالية، لأنها عبارة عن مسألة يكتنف الإجابة عنها صعوبات وتبدو قابلة لأجوبة متعددة، بل ومتناقضة. والإشكالية على عكس المشكلة التي يمكن الإجابة عنها، بعد البحث والتقصي، بطريقة علمية أو برهانية.


في الساحة الثقافية والسياسية العربية، تُعد إشكالية الديمقراطية واحدة من أهم الإشكاليات المطروحة، حيث يراهن العرب عليها في نقلهم من حالة الضعف والتخلف، إلى واقع القوة والتقدم. وهنا ينتقد طرابيشي تحويل الديمقراطية إلى ايديولوجيا خلاصية جديدة “تتم تحويل الديمقراطية في المخيال العربي، بعد فشل الايديولوجيات القومية واليسارية الثورية، إلى كلمة (سمسم) بديلة لفتح مغارة الحداثة المستغلقة”.


منطق المعجزة الملازم لكل ايديولوجيا خلاصية، سيدفع طرابيشي إلى صياغة إشكالياته المتعددة حول المسألة الديمقراطية في العالم العربي. أولى هذه الإشكاليات تتمثل في “إشكالية المفتاح والتاج” التي يمكن توضيحها بطرح السؤال التالي: هل الديمقراطية هي المفتاح السحري الذي نفتح بهِ جميع الأبواب المقفلة، أم أن الديمقراطية هي التاج الذي يتوِّج التطور العضوي للمجتمع المعني وينهض مقياساً على تطوره؟


يشدد طرابيشي على أن الديمقراطية هي بذرة برسم الزرع، لا ثمرة يانعة برسم القطف. فحتى تنمو الديمقراطية تحتاج إلى عمل وشغل في النفس وفي تربة المجتمع. والجهد يكون مُضاعفاً عندما يتم استزراع بذرة الديمقراطية بالمثاقفة. وهو على النقيض تماماً بما تقترفه الايديولوجيا الخلاصية عندما تجعل من الديمقراطية ثمرة يانعة برسم القطف، لا تقتضي جهداً.


ومن أهم الإشكاليات التي طرحها طرابيشي حول مسألة الديمقراطية في الوطن العربي، إشكالية “مفتاح المفتاح” فقبل أن تكون الديمقراطية مفتاحاً لجميع الأبواب الأخرى، فإنها هي نفسها بحاجة إلى مفتاح. هذا التأكيد على مشروطية الديمقراطية لا يلغي دورها الفاعل كشرط من شروط الإقلاع، ولكنه يلغي توظيفها كمفتاح سحري لتحقيق معجزة النقلة الفجائية من واقع التأخر إلى مثال التقدم.


يعترض طرابيشي على اختزال المأزق الديمقراطي في العالم العربي في حاصل القطيعة بين الدولة والشعب، وانفراد الدولة بتقرير مصائر الشعب. وفي تشخيصهِ للمجتمع المدني العربي، الذي يرى طرابيشي أن نسميه (بالمجتمع الأهلي العربي) أنه يعاني من مرضين خطيرين يُعيقان إقامة ديمقراطية حقيقية، هما: الفئوية الطائفية واللوبوية الدينية. الأولى تؤدي إلى خلل خطير في تطبيق مبدأ التمثيل الديمقراطي، وإلى خلل أشد خطورة في اشتغال جدلية الأكثرية والأقلية. بينما الثانية تعمل على إعادة تديين مظاهر الحياة العامة والخاصة وفق أجندتها القائمة على التعصب والعنف. لذلك تصطدم هذه اللوبيات الدينية بمنظومة القيم الديمقراطية، وعلى رأسها حرية الفكر والاعتقاد.


الإشكالية الأخيرة التي يطرحها طرابيشي تتمثل في إشكالية “صندوق الاقتراع وصندوق جمجمة الرأس”. ففي مجتمع لم يُنجز تحديثه المادي والفكري ولم يستكمل ثورته التعليمية، فالديمقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم بدون أن تكون نظاماً للمجتمع. ومع أنها-الديمقراطية-بالتعريف نظام للدولة، فإنها بالجوهر نظام للمجتمع المدني.

من هذا كلهِ نخلص إلى أن الديمقراطية هي ثقافة ومنظومة قيم متضامنة. وأن أهمية الديمقراطية ليس في صناديق الاقتراع وحدها، بل كذلك، في السلوك والعقل والوجدان. لأن الديمقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمعية، والمجتمع هو في المقام الأول نسيج من العقليات.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر