- الأشجار تحلق عميقا- لسعد ياسين يوسف

فطنة بن ضالي
2022 / 9 / 23

لقد شغل مفهوم الالتزام، في الشعر عند الشعراء العرب المعاصرين، النقاد كثيرا تبعا لما يشهده هذا المفهوم ومهمة الشعر من تحول جذري يظهر ذلك في دور الشاعر وعلاقته بمجتمعه وفي الشعر بوصفه إبداعا محوره رؤية الشاعر الذاتية لواقعه وتفاعله معه ومع لغته الإيحائية. 1
من هنا يطرح التساؤل حول مسؤولية الشعر والشاعر تجاه حياته وعالمه الخاص والعام، ونوع الصلة التي تربطه بمتلقيه. وقد بين عز الدين إسماعيل هذه العلاقة: "إن الشعراء - في الأغلب الأعم- لا يرون أنفسهم مصلحين مسؤولين عن إصلاح الكون، ولكنهم إذ يشعرون بالألم لفساده واختلاله وزيفه، وينجحون في نقل هذا الشعور إلى الآخرين، يكون قد بّذروا بذور التمرد عليه، وحين يشحن الشعر النفوس بالألم والأمل؛ الألم لما هو قائم، والأمل في يوم جديد، ومستقبل مشرق،" وبهذا يكون الشاعر أو الشعر قد وفى بوعده وحمل مسؤوليته. 2
غير أن أدونيس يرفض أن يكون العالم الواقعي الذي نعيش فيه غاية للشعراء، وإطارا لهم؛ لأن هذا العالم ليس إلا وسيلة لخلق عالم أنضر وأغنى و"بوابة تصلنا بالعالم الكبير الآخر. العالم الذي يفتحه الشعر ويقود إليه".3 وبهذا المعنى فالشعر رؤيا؛ أي (كشف عن عالم، يظل أبدا في حاجة إلى الكشف). وهنا تكون مهمة الشاعر أو الشعر "أن يعيد النظر أصلا في هذا العالم...أن يبدله، أن يخلق ويجدد.) وذلك عبر صور وطاقات ، ونحن هنا سنحاول أن نقبض على الرؤية والرؤيا في ديوان "الأشجار تحلق عاليا"
إن أول ما يسترعي انتباه القارئ لديوان "الأشجار تحلق عميقا" للشاعر العراقي الدكتور سعد ياسين يوسف هو هذا العنوان ، ويليه النص المفتتح المقتبس من كتاب " شجرة الكون" لمحيي الدين بن عربي جاء فيه " فإني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتكوينه، فرأيت شجرة"، فهو عتبة أخرى مؤطرة للديوان بعد العنوان ، ففيه - على حد تعبير د. صبري محمد خليل :
" تشبيه يُرجع أصل الكون إلى شجرة كبرى أصلها حبه "كن الإلهية "، والتي نشأ عنها التعدد والاختلاف في الأغصان وفي الثمار ...فكذلك البشر متباينون في مراتبهم ودرجاتهم مختلفون4. وأصل نورها من حبة كن قد لقحت كاف الكونية بلقاح حبه (نحن خلقناكم)، فانعقد من ذلك البزر ثمره ( إنا كل شيء خلقناه بقدر) "5.
ذلك أن الاختلاف والتعدد ناشئ من أصل واحد، فالتباين الكوني والبشري يقابل تباين أغصان وثمار الشجرة. والله تعالى يضرب المثل للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في الآية الكريمة " ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ".6
فالشجرة مبجلة وموقرة في جل الشرائع السماوية والمعتقدات حيث ترمز إلى التبرعم والاتحاد بين الإنسان و الطبيعة، وما دام الرمز كما يُعرفه النقاد :" يعني كل ما يمكن أن يحل محل شيء آخر للدلالة عليه ، سواء تم ذلك عن طريق المطابقة التامة أو عن طريق الإيحاء، وذلك لوجود علاقة عرضية أو علاقة متعارف عليها بين الشيئين "7 فإن الشاعر استعمل "الأشجار" بكل حمولاتها التشبيهية والإيحائية والرمزية للدلالة على الإنسان، و كانت "الأشجار الإنسان" بؤرة تعبير انتظام ديوان "الأشجار تحلق عميقا" حيث يتكون الديوان من ثلاثة وثلاثين قصيدة ثمانية منها تحمل في عنوانها لفظ "شجرة" مفردا أو جمعا وتسعة منها تحمل عناوين لها صلة بالشجرة مثل : "جذور، أوراق ، خضرة ، يابس، نخلة ، فسيلة 1-2 ، غصن "، بينما تحمل قصيدة واحدة في عنوانها كلمة تحليق .
هكذا فشاعرنا يرمز للإنسان العراقي بالشجرة أو الأشجار المتأصلة بجذورها في الأرض وأغصانها المتفرعة كناية عن اختلاف العمر و الأجيال، فاختار لها فعل التحليق في العمق دلالة على البحث عن الفضاء الرحب والحرية و الانعتاق، وهو يسند فعل التحليق لغير فاعله في الواقع مجازا راسما صورة مركبة من المجازات في إطلاق الأشجار و أنسنتها ثم تشبيهها بالطير في التحليق جاعلا لها الفعل الدال على الحركة في صيغة الحاضر والمستقبل.
"ومعلوم أنه في الشعر كما في النثر أيضا لا تبقى اللفظة منعزلةً عما يجاورها من الألفاظ في الجملة كما أن مجاورتها لغيرها من الألفاظ لا تبقيها هي والكلمات التي تجاورها ألفاظا مجردة ومنعزلة عما أريد لها أن تحمله من معنى أو من جملة من المعاني "8 ومن ثم فلكل شاعر أسلوبه ولغته ينتقي ألفاظها وجملها ومعانيها وأدواتها، وهي رهينة في هذا الانتقاء بمعارفه ولغته الطبيعية وبتجربته الإبداعية ورحلته العاطفية، بين الحزن والفرح ،أو غيرهما، مما يعطي لشعره حرارة صدق التجربة التي تجعل المتلقي يحس نفس الإحساس، لأن حرارة صدق التجربة الشعرية لا تنبع فقط من معالجتها لقضية يؤمن بها الشاعر ولكن تأتي أيضا من اختيار أدوات التعبير الملائمة ، وصياغتها صياغة متميزة ، تحقق للشاعر الرؤية الفنية والرؤيا الشعرية التي يقول عنها غالي شكري " فرؤيا الشاعر ليست هي المحتوى السياسي أو المضمون الاجتماعي أو الدلالة الفكرية، إنها تنحت خصائصها من جماع التجربة الإنسانية التي يعيشها الشاعر في عالمنا المعاصر بتكوينه الثقافي والسيكولوجي والاجتماعي ، وخبراته الجمالية في الخلق والتذوق، ومعدل تجاوبه ورفضه للمجتمع ، وطبيعة العلاقة مع أسرار الكون "9.
وشاعرنا الدكتور سعد ياسين يوسف شاعر حداثي بما تنم عنه تجربته الإبداعية؛ إذ جاءت قصائده متميزة بأسلوبها ومقوماتها الشعرية ، ونقف على سبيل المثال على قصيدته " أوراق من شجرة التحرير" .
إن لفظة أوراق هنا مستعملة استعمالا بلاغيا، يمكنها أن تكون بمعنى أوراق الكتابة ، لأن القصيدة طويلة تتكون من سبعة مقاطع تحكي عن الانتفاضة الشعبية، انتفاضة تشرين 2020. إذ يوثق الشاعر الحدث فهو يستشهد بالتاريخ ، لكن الأوراق منسوبة إلى شجرة معرفة بإضافتها للتحرير. وهي تدل على الإنسان العراقي وتفكيره وفعله من أجل غاية "التحرير" كما يشير إلي ذلك "الميدان ".بنفس الاسم. يقول:
بينما اخترقتْ قنبلةُ الدُّخانِ
رأسَ صديقي الواقفِ منتظراً
رغيفَ الخبزِ تحتَ ظِلالِ نُصبِ
جوادِ سليم...!!!
(...)
يعبرُ الشُّهداءُ جسرَ الجمهوريةِ
المُغلقَ بجدرانِ الخوفِ والرَّصاصِ
ليحلّقوا عالياً أبعدَ من نوارسهِ البيضاءِ
تتبعُهم دموعُ الأمّهاتِ..
وريشُ أحلامِهم المتناثرِ...
إلى سماواتِ الحُلمِ... ص 17.
(...)
بعدَ أنْ حَرَّرَ الطَّبيبُ الخافرُ
تاريخَ استشهادهِ.....
تلعثمتْ حروفُهُ في وصفِ الجرحِ...
أقامَ لهُ الأصدقاءُ عيداً كما أوصاهم
وزفّوا شموعَ ميلادهِ ...ص19.
فالتحرر والسلام والإيمان بالأرض والوطن وتقدمه ، حيث تلتقي التجربة الذاتية الشعورية والشعرية الفنية مع التجربة الجماعية ، المعبر عنها بحرية الوطن والاستشهاد في سبيل ذلك ، إذ استلهم الشاعر تجربة الصديق الذي سيعبر الجسر كهمزة وصل بين عالمين مختلفين دالين على التناقض في حياة الشعب العراقي، من خلال ثنائية الذي يعيش في المنطقة الخضراء ، وله عادات مخالفة سيارات ودبابات ....والشهيد / الصديق وواقعه المعيش الذي يشير إلى كل العراقيين الأحرار الذين يثورون على هذا الواقع بساحة التحرير ، عالمان متغيران لكل عالمه وجنته، المنطقة الخضراء في مقابل المنطقة الحمراء ، ورمزية تمثال الحرية الذي نصبه جواد سليم الفنان العراقي ، هذا الأخير يعد مدرسة في الفن والنحت العربي ، فهو يرمز للحرية التي استشهد من أجلها الصديق الباحث عن الديموقراطية . فلم يكن الشهيد إلا ورقة من أوراق شجرة التحرير جذورها ثابتة في الأرض كما يدل على ذلك التاريخ وفروعها وأغصانها ممتدة في الزمان مع كل الأجيال، هي شجرة الأحرار في أرض تأبى الغصب وتغضب لغضب أبنائها وأهلها . ويؤكد شاعرنا هذا في قصيدة أخرى بعنوان: عطر أور قائلا:

من طينهِ الفراتِ
قُدَّ قلبُهُ، قارورةً من أور...
هذا الّذي هفا للضَّفّةِ الأخرى
(...)
ألا تكفي ابتساماتُ الدَّمِ
في صدورِهم
حين تعروا للرَّصاصِ
الباحثِ عن وطنٍ فيهِم
في رحلتِهم الأزليّة ِ
للبحث ِعن وطن....؟؟!!!! ص 7
فالشاعر مسكون بهموم الوطن الحر القوي مستعملا الرمز المشحون دلالة دينية وعاطفية وتاريخية لاجئا إلى تاريخ الرافدين ومدينة أور السومرية وزقورتها التي تشهد على عظمة هذا الشعب كما تحيل إلى التقاء الأديان والتسامح ونبذ التطاحن و الدماء فهي مولد إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء.
و ديوان الأشجار تحلق عميقا، حافل بالقيم الإنسانية والمعبرة عن اتجاه الشاعر، وعن رؤيته المكونة لرؤياه الإبداعية إذ " رؤيا الشاعر ليست هي أدوات الصياغة التي تشكل تجربته وفق ما يحسه من أفكار وانفعالات غير أن هذه الرؤيا تتضمن الاتجاه التعبيري للتجربة ضمن ما تحمله من اتجاهات بل ربما كان التعبير في ذاته تجربة واتجاها "10.
فاتجاه الشاعر في هذا الديوان تجربة شعرية في شكل نثري استحضرت كل مقومات النثر إلى جانب مقومات الشعر. الحكي تارة، واستلهام التاريخ تارة أخرى ، والاسترجاع والتذكر أحيانا ، إلى عمق المعنى والصور الأدبية المركبة في أسلوب جميل أخاذ وإيقاع متميز. وهي تجربة راكمت في مجال الإبداع ما يجعل الخيال والمتخيل لدى شاعرنا مجالا خصبا مولدا للصور الجمالية المعبرة عن الذاتي والجماعي، كما تدل على كفاية عالية في تطويع اللغة وامتلاك ناصيتها. تقرأ في سياقها الحداثي المعاصر الموسوم بالتحول الدال على جماليات القصيدة العربية .
هوامش :
1- انظر الشاعر العربي المعاصر ومفهومه النظري للحداثة، صالح جواد الطعمة ، فصول، 2 (4‘ يوليو/ أغسطس/سبتمبر)، 1984 ص20.
2- عز الدين إسماعيل،مفهوم الشعر في كتابات الشعراء المعاصرين، فصول، 1،(4 يوليو 1981 ص57).
3- الشاعر المعاصر ومفهومه للحداثة ، ص22.
4- قراءة في كتاب " شجرة الكون " https://drsabrikhalil.wordpress.com/
5- المرجع نفسه .
6- - سورة ابراهيم ، الآية 24.
7- - صبري حافظ التناص و إشاريات العمل الأدبي مجلة ألف البلاغة المقارنة ، القاهرة 1989.ص 33.
8- خليل حاوي دراسة في معجمه الشعري ، خالد سليمان ، فصول ص 47.
9- غالي شكري شعرنا الحديث إلى أين ، ص 72- 73.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق