اللورد - كرومر - يعود الى مصر

شريف حتاتة
2022 / 9 / 22

اللورد " كرومر " يعود إلى مصر
----------------------------------------------
منذ أن عدت من أمريكا بعد غياب دام أربع سنوات ، أصبحت أقيم جزءاً من الوقت في شقتنا في شارع مراد بالجيزة ، والجزء الآخر في شقة ابني " عاطف " بحدائق شبرا. ومنطقة حدائق شبرا ليس فيها حدائق. ربما في يوم من الأيام كانت توجد فيها حدائق، أو على الأقل مساحات خضراء تطير فوقها العصافير، والفراشات. لكنها اختفت لتحل محلها ورش تفكيك السيارات، والشاحنات التي يملكها تجار الخردة، أو بيوت وعمارات هي كتل من الطوب والأسمنت داكنة اللون ، تحمل فوق أسطحها عواميد الاريال وأطباق الدش ومخلفات من كل نوع وصنف.
لكن الشقة التي يملكها إبنى تطل على النيل من كل الجهات، على مستشفى معهد ناصر ، تحيطه مساحة واسعة من الخضرة زرعت فيها أشجار النخيل، والبلوط . كما أن النيل في هذا المكان يتسع مـجـراه، ويلتف حول جزيرة الوراق ، مازالت تكسوها حقول الفول، والبرسيم، والقمح لتحولها إلى زمردة خضراء تلمع في شمس الصباح.
الشارع الذي توجد فيه عمارته عريض، ومسدود عند آخره، لذلك هوخال من ضجيج المرور ومن الزحام الذي نعاني منهما في شارع مراد. لكن في أحد الأيام فوجئت بعشرات السيارات، والدراجات البخارية، وبعدد من شاحنات البضائع وقد زحفت إليه، بطوابير من الناس، رجال، ونساء، وأطفال يدخلون إلى الدور الأرضي لإحـدى العـمـارات، ويخـرجـون مـنه حاملين أكياسا كبيرة من البلاستيك بيضاء، وبرتقالية اللون، وبعشرات من شباب يرتدون زيا مـوحـدا عـبـارة عن بنطلون أسود، وسترة برتقالية اللون ، و كانوا يقومون بكنس الرصيف المبلط حديثا ، أو حمل كراتين البضاعة، ليدخلوا بها من باب كبير مفتوح إلى مكان واسع مزدحم بالمشترين ، وقفوا أمام البضاعة المرصوصة على الرفوف.
هكذا اكتشفت أنه أثناء غيابي في الجيزة ، افتتح سوبر ماركت جديد ، وأن الشركة التي أقامته مملوكة لرجل إنجليزي اسمه " اللورد ساينزبيري" ، وهو ملياردير يملك سلسلة هائلة من السوبر ماركتات الضخمة في مختلف أنحاء المملكة المتحدة . قرأت عنه منذ شهور في جريدة " الجارديان " البريطانية ، وأنا عائد في الطائرة من رحلة إلى لندن ، فعرفت أنه خلال سنة 1999 أصيبت هذه الشركة بخسائر كـبـيـرة ، فـقـرر القـائـمـون عليـهـا نقل جزء من استثماراتهم إلى بلاد الجنوب، ومن بينها مصر التي سيفتتحون فيها خمسة فروع جديدة موزعة على عدد من أحياء القاهرة، ومنها حدائق شبرا، فى محافظة القاهرة ، وفى عدد آخر في باقي المحافظات.
هكذا طرأ على سكان هذا الحي تطور جديد في نمط حياتهم ، يرتبط بسعى الشركات العابرة للقارات لغزو كل الأسواق وضمها إليها. وكما هو الحال دائما بالنسبة للمشروعات الرأسمالية الكبيرة ، قامت شركة ساينزبيري بدراسة الخصائص الاقتصادية التسويقية لحي حدائق شبرا ، حتى تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح . فـأدركت أن سكانه ليـسـوا مـثل سكان الزمالك، أو المعادي، أو المهندسين، أو حتى الهرم، ان أغلبهم من محدودي الدخل نسبيا مما يؤثر على عاداتهم في الاستهلاك.
عندما قمت بزيارة السوبر ماركت الجـديد لأتعرف على ما يباع فيـه ، وجدت أن السلع المعروضة ليست من النوع الأجنبي المرتفع الثمن . هذا ماعدا عدد محدود للغاية منها مصنعة محليا، وإن كان وصفها بأنها مصنعة محليا تعوزه الدقة ، حتى تناسب أسعارها سكان حدائق شبرا .
فالملاحظ أن عددا متزايدا من السلع التي تباع في السوق المصرية ، هي منتجات لفروع الشركات الأجنبية التي تستثمر أموالها في مصر، أو لشركات أسماؤها مصرية لكن كل أموالها أجنبية، أو منتجات مصرية مصنعة بتصريح تجاري أو رخصة تجارية من الشركات الأجنبية . وهذا يعنى أن الشركة المنتجة تدفع إتاوة مقابل وضع الأسم الأجنبي على السلعة التي تقوم بإنتاجها، وتضع هذه الإتاوة على السعر الذي يدفعه المستهلك. ويترتب على كل هذا أن المنتجات التي يمكن اعتبارها مصرية فعلا ، يتقلص عددها يوما بعد يوم مقارنة ، بما كان عليه الحال في الستينيات . ويعنى أيضا أن الصناعة الوطنية التي من شأنها تدعيم السوق المصرية، والاقتصاد القومي، والعمالة، والدخل العام والخاص ، في حالة انكماش متزايد.
لذلك في هذا السوبر ماركت وفي غيره من المحلات التي تبيع المنتجات الغذائية والسلع المنزلية الاستهلاكية الأخرى، يمكن أن نقرأ أسم " نستله " على علب اللبن الزبادي، واسم كوكس على علب الملح، وشويبس على زجاجات المياه المعدنية، وكوكا كولا واسبرايت على علب المشروبات الغازية، وفيتراك على علب المربي، كأننا عاجزون عن صنع هذه الأشياء دون خبرة أجنبية. ويمكن أن نقرأ أسم جـونـسـون أو باير على المبيدات الطيارة، وبالموليف على الصابون. ونتيجة شيوع هذه الظاهرة اعتدنا عليها ولم نعد نتساءل حول وصف " صنع في مصر " ، الذي أصبح يخفي حقيقة مايحدث للصناعات المحلية .
بالطبع لم يخل السوبر ماركت من منتجات مصرية بالفعل مثل اللحوم، والجبن الأبيض، والرومي، والـعـدس، والأرز، والـفـول، وبعض الزيوت، والمسلي النباتي، والحيواني كما هو الحال في بقية المحلات . لكن عددها يقل باستمرار رغم أنها سلع استهلاكية بسيطة يسهل إنتاجها محليا. أليس من الغريب أن نستورد علب الفول من كاليفورنيا في أمريكا ؟؟.
لجأ سوبر ماركت " ساینزبیری " منذ اليوم الذي أفتتح فيه إلى تخفيض أسعاره. فمثلا علبة اللبن الزبادي التي كانت تباع بستين قرشا خفضت إلى خمسين قرشا، وعلبة الألبان سعة لتر خفضت من ٢٧٥ إلى ٢٥٠ فرشا، وأكياس العدس أو الأرز أو الفول عبوة كيلو واحد أو أقل ، نقص سعرها بمقدار يتراوح ما بين 15 و۲۰ فرشا ، وزيت الذرة لسيور من ٥٧٥ إلى ٥٠٠ فرش. وكان هذا هو الحال بالنسبة إلى أغلب السلع الأخرى.
لذلك توافد سكان الحي على " ساينزبیری " بالمئات بدلا من التردد على محلات البقالة التي اعتادوا عليها. تملكتهم حمى الشراء. اجتذبتهم الألوان الزاهية، والأضواء، واتساع المكان، والأسعار، وربما أيضا عـقـدة الأجنبي التي تجعل كل ما هو إنجليزي أو أوروبي أو أمريكي مفضل . شاهدت أسرا تخرج من هذا السوبر ماركت ، محملة بكراتين فيها عشرات من علب اللبن، وأقراص كاملة من الجبن، وكيلوات من الزبد. فلما سألت إحدى ربات البيوت عن هذا الاندفاع نحو الشراء ، قالت وهي ترمقني في شك من تحت الحجاب : " اليـوم يـخـفـضـون الأسعار حتى يستولوا على السوق ، لكن غـدا سيرفعونها بالتدريج ". فوجئت بأنها أدركت عملية الإغراق التي تلجأ إليها الشركات الكبيرة عندما تريد أن تفتح لنفسها سوقا جديدة، وتقضى على منافسيها. لذلك لم يكن التوتر والخوف الذي أصاب أصحاب البقالة في الحي غريبا. لمحت أحدهم شاحب الوجه في الصباح ، يرفع لافتة كتب عليها بيع القطاعي بسعر الجملة من اليـوم. ورأيتهم مجتمعين أمام أحد المحلات لمناقشة الأمر معا ، وقد بدت عليهم علامات الضيق الشديد والانزعاج.
العولمة الرأسمالية تتسلل بسرعة إلى أدق تفاصيل الحياة في بلادنا. تؤثر في حاضرنا ومستقبلنا دون أن ندرك مدى تأثيرها. والشركات العابرة للقارات تستطيع بسهولة أن تقضي على الأنشطة الصناعية والتجارية المتوسطة أو الصغيرة الحجم . لن تبقى إلا على بعضها، الذي يستطيع أن يقوم بنشاط خادم لها، يغذى ما تقوم به هي من نشاط إنتاجي أو خدمي . وهذا هو ما دفع أصحاب محلات البقالة إلى استشفاف الخطر الذي يتهددهم. سياسة الانفتاح والخصخصة التي فتحت الباب على مصراعيه ، ستتضح أخطارها أكثر فأكثر مع مرور الأيام ، إذا لم نقم بجهد حقيقى و إجرارات للتصدى لها ، وعبأنا الرأى العام من عواقبها الوخيمة .
في نهاية القرن التاسع عشر حكم " اللورد كـرومـر" مـصـر بأسم الإمبراطورية البريطانية . وفي عهده تدفقت رؤوس الأموال الإنجليزية والفرنسية على مصر، فأدى نشاطها إلى إغلاق عشرات الآلاف من الورش، والحرف، والمتاجر الصغيرة، وإلى تشريد عشرات الآلاف من الأسر. فهل يا ترى انتقلت روح " اللورد كـرومـر " الى شخص " اللورد ساينزبيري " ؟. وهل أصـاب الهندوكيون عندما أمنوا باستنساخ الأرواح ؟؟؟؟؟.
ربما استمرت روح " كرومر " ، وتجسدت في " اللورد ساینزیبری " ورؤوس أمواله البرتقالية اللون ، الساعية إلى أرباح تجارية سريعة ، على حساب التجار الغلابة في مصر.
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
----------------------------------------------------------------------

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق