الماهاتما غاندي في مواجهة الجشع الرأسمالي

رابح لونيسي
2022 / 9 / 22

يعرف عن الماهاتما غاندي (1869-1948) أنه داعية إلى اللاعنف أي مقاومة الإستعمار البريطاني في الهند بأسلوب سلمي دون إراقة أي قطرة دم، وهو ما نجح فيه، كما لغاندي أيضا مبدأ العصيان المدني الذي نادى به في ثلاثينيات القرن20عندما منع الإستعمار البريطاني عن الهنود إستغلال الملح في 1930، فدعا إلى مظاهرة سلمية قادها منطلقا من خلوته، فقد نجح غاندي في تحرير الهند من الإستعمار البريطاني بأسلوب اللاعنف ومقاطعة كل ما هو بريطاني وعدم دفع الضرائب وغيرها من الوسائل والأساليب السلمية البحتة التي جعلت بريطانيا ترضخ للهنود، لكن رغم ذلك كله، فقد أخفت الرأسمالية الغربية وأدواتها الإيديولوجية، وعلى رأسها الإعلام فكرة هامة كان يدعو إليها غاندي خوفا من أن تستلهمها شعوب العالم الثالث كوسيلة فعالة لفك الإرتباط بالرأسمالية العالمية. ففي حقيقة الأمر قد فهم غاندي جيدا بحكم إطلاعه الواسع العلاقة الوطيدة الموجودة بين الإستعمار والتوسع الرأسمالي العالمي التي شرحها البريطاني هوبسن في كتابه "الإستعمار" في 1902، وفصلها لنين في كتابه "الإستعمار أعلى مراحل الرأسمالية" في 1917، فبناء على ذلك أراد غاندي إنهاء الإستعمار البريطاني لوطنه الهند بإنهاء التوسع الرأسمالي فيها، فكيف سيحقق ذلك؟.
نحن نعلم أن الإستعمار البريطاني للهند قد جاء نتيجة لتوسع الشركة الأنجليزية في الهند وجنوب شرق آسيا المعروفة ب"شركة الهند الشرقية" منذ بدايات القرن17، ولحماية مصالحها التوسعية التجارية الرأسمالية أنشأت جيشا خاصا بها، لتلحق الهند بالتاج الملكي البريطاني فيما بعد، فتحولت هذه الشركة التجارية إلى أداة قمع لكل مقاومة هندية أشهرها ثورة1858 التي كانت سببا في حل هذه الشركة التي أستمرت من عام 1600إلى عام1858، حيث انتقلت الهند مباشرة إلى حكم نائب الملك البريطاني فيها.
أعتمدت بريطانيا في شبه الجزيرة الهندية على سياسات فرق تسد بين المسلمين والهندوس، مما أدى في الأخير إلى إنشاء دولة باكستان على يد محمد علي جناح الذي انفصل عن حزب المؤتمر الهندي وتأسيسه لحزب "الرابطة الإسلامية" المنشق عن حزب المؤتمر الهندي مستغلا الدين الإسلامي في ذلك برغم من أنه معروف عن محمد على جناح أنه غير ملتزم دينيا، بل حتى بأبسط محرماته، لكنه أراد إنشاء دولة يحكمها بإسم الدين، وهو ما يمكن إعتباره نموذجا من النماذج العديدة في التاريخ التي تستغل الأديان لأهداف سياسوية وسلطوية، وقد كان وراء ذلك بريطانيا ذاتها التي تريد من تأسيس باكستان مواجهة الثورة الشيوعية الماوية في الصين بإسم الدين الإسلامي، أي تحويل باكستان إلى جدار إسلامي في مواجهة الشيوعية في إطار الحرب الباردة، وهو ما أشار إليه بكل ذكاء المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي عارض قيام الجمهورية الإسلامية لباكستان، وأكثر من هذا تحولت الباكستان إلى أداة ومنطلق وقاعدة لكل المناورات المخابراتية التي تستغل الإسلام لمواجهة المد الشيوعي ومحاصرته.
يعرف عن غاندي دعوته إلى فلسفة اللاعنف والعصيان المدني وتبنيهما في كفاحه ضد الإستعمار البريطاني، لكن دعا أيضا بأسلوب حياته وزهده إلى مسالة هامة، وهي الإكتفاء بالعيش البسيط جدا، فبدل البحث عن إقتناء السلع الرأسمالية يدعو إلى الإستغناء عنها والإكتفاء بالعيش البسيط جدا وبالضرورات فقط، فقد دعا غاندي إلى العيش البسيط والمغزل الذي معناه دعوة إلى إقتصاد منزلي لاتتحكم فيه بريطانيا، ولايمكن لها مراقبته، فلو أخذ العالم الثالث بهذه الفكرة الغاندية معناه إمكانية بناء إقتصاد متحرر من التوسع الرأسمالي وفك الإرتباط به، فبناء على طرح غاندي سيتم الإكتفاء لفترة بالضرورات فقط واللجوء إلى إنشاء الصناعات المحلية بكل الأموال المتوفرة من الإنفاق الباهظ على سلع ليست ضرورية، وهو ما يحل لنا مشكلة الإدخار التي عانى منها دول العالم الثالث.
استهدف غاندي من دعوته إلى بساطة العيش وعدم إستهلاك السلع البريطانية التي تنتجها رأسماليتها محاصرة هذه الأخيرة، مما سيؤدي حتما إلى إنهاء الإستعمار الناتج عن هذا التوسع الرأسمالي. فمن خلال دعوة غاندي يمكن إقامة صناعات محلية معتمدين على الذات، وهو ما يدعو له البعض من خلال إستيراد فقط ما نحتاجه للضرورات وعدم الرضوخ للإشهار الذي سيطر على كل وسائل الإعلام اليوم بهدف تسويق سلع الرأسماليين، فلكي تعيش هذه الرأسمالية خلقت لنا حاجات ليست ضرورية لحياتنا، فلو عدنا لما دعا إليه غاندي، وهو الإستغناء عن ما هو غير ضروري، فبإمكاننا أن نطور إقتصادياتنا المحلية.
نعتقد أن فكرة غاندي التي أخفاها الإعلام الرأسمالي هي التي ستتكرر مع الكثير من المفكرين، فمثلا نجد روجي غارودي يذم إقتصاد الكم الرأسمالي بدل التركيز على الهدف من الإنتاج، فهو دائما يطرح مسألة ما الهدف من أي إنتاج كان، ويذم الجري وراء الكم بخلق حاجات ليست ضرورية للإنسان، لكن ركز الإعلام والإشهار على خلق نمط إستهلاكي يخدم الإقتصاد الرأسمالي، وذلك بتحويله الكثير من السلع والمنتجات إلى حاجات ضرورية للإنسان، وهي في الحقيقة غير ذلك على الإطلاق. يبدو أن غاندي يدرك جيدا أن الرأسمالي ليس له أي هدف إلا جمع الأموال وتحقيق الأرباح بأي وسيلة كانت، ولو بتسويق سلع لايحتاجها الإنسان، وليست ضرورية له، لكن يصورها له كأنها ضرورية لا يمكن الإستغناء عنها بإستخدام الإشهار المبني على توظيف ذكي للعلوم النفسية والإجتماعية والإعلامية، ونجد نفس الفكرة عند الجزائري مالك بن نبي الذي أشار إلى ما ينفقه الإنسان الجزائري من أموال ضخمة في أعراسه وأعياده مثلا أثناء العهد الإستعماري، وهي ليست ضرورية على الإطلاق، ورأى أنه بإمكان توظيفها في إعانة الفقراء والبؤساء الذين تعج بهم الجزائر آنذاك. هذا ما نلاحظه اليوم من تبذير للمال العام في أمور لامعنى لها، وبإمكان إدخار تلك الأموال للإستثمار في قطاعت منتجة وتطوير إقتصادياتنا وخدمة الإنسان، فلنشر أن بن نبي تأثر كثيرا بغاندي حيث يعود إليه في جل كتاباته، بل دعا صراحة إلى الإستلهام منه في كتابه "فكرة الآفرو- آسيوية". نجد أيضا نفس أفكار غاندي في التراث الديني مثل الأحاديث النبوية في الإسلام التي تقول ب"أننا لانأكل إلا إذا جعنا، وإذا أكلنا لانشبع"، فهي دعوة شبيهة بدعوة غاندي إلى الإستغناء والإكتفاء بالضرورات المعيشية فقط بدل الجري وراء الإقتناء، كما نجد حديث آخر يقول "لا خير في أمة تأكل مما لاتنتج، وتلبس مما لاتنسج"، فهي نفس دعوة غاندي إلى الهنود للإعتماد على المغزل والإقتصاد المنزلي، أي إنتاج حاجاتهم الضرورية كي لا يقعوا تحت سيطرة الرأسمالية البريطانية.
طبعا هذا الطرح يناقضه الكثير من الإقتصاديين الذين يقولون بان كثرة الإستهلاك يحرك الإقتصاد، ويستندون على أوروبا التي يفسر البعض نهضتها الإقتصادية بالإنفجار الديمغرافي الذي فتح أسواقا واسعة تطلبت زيادة الإنتاج، لكن هل عاد هذا الإقتصاد بالخير على الإنسان وحياته أم أزداد الفقر والبؤس والإستغلال، فما فائدة إقتصاد يجمع الأمول، ويحصرها في يد اٌقلية تعيش في الترف والبذخ مقابل أغلبية تعيش في بؤس مدقع، ولا يخدم حياة الإنسانية عامة وتحسين معيشتها، هذا ما يدفعنا إلى طرح سؤال يحتاج إلى بحث أعمق، وهو: أليست الأيديولوجية الرأسمالية هي وراء الترويج لهذه الفكرة كي تخدم مصالحها؟، طبعا نحن لانناقش ذلك في هذه المقالة، فهي تحتاج إلى نقاش إقتصادي واسع حول هل الزهد في المعيشة يقوي الإقتصاد أم يضعفه لأنه يضر بالأسواق؟، لكن ما نحن متأكدين منه، وهو ما يشير إليه غارودي بشكل مستفيض في الكثير من كتبه هو أن الرأسمالية خلقت لنا حاجات نستهلكها، ونبحث عنها، لكنها غير ضرورية تماما للإنسان، بل تضر بصحته في كثير من الأحيان، ولا تعود بالفائدة إلا للرأسمالي المعروف بجشعه، فهو لا يبحث إلا عن الأرباح بأي وسيلة كانت، ولو بخلق سلع ليست ضرورية لمعيشتنا، ونعتقد أن دعوة غاندي تكمن هنا.
يعتقد البعض أن غاندي أستلهم ذلك من الصوفية التي تدعو إلى الزهد في الحياة التي عرفتها شعوب الشرق، خاصة الهند، لكن هذا الزهد هو سلبي وهروب من الواقع، لكن غاندي كان إيجابيا، ففي الحقيقة غاندي مثل غيره من قادة حركات التحرر الوطني كانوا جد متأثرين بالثقافة الغربية، وهو ما ندم عنه الغرب الإستعماري الذي لم يدرك ان نشر ثقافته ستكون السم القاتل لهذا الإستعمار ذاته، فقد أكتشف ذلك متأخرا، فعمد إلى تشجيع كل ما هو بال في ثقافتنا نحن كي لا ننهض، وهنا يأتي تفسير لما يشجع ويدعم هذا الغرب الحركات الدينية عندنا كالوهابية والسلفية وغيرهم، فلم يكن ذلك في الحقيقة بهدف مواجهة الشيوعية فقط في إطار الحرب الباردة، بل أيضا لإبقائنا متخلفين نعيش على تقاليد بالية وماض متخلف كي لا نتقدم، ولانعرف السبيل الذي اتبعته أوروبا إلى التقدم.
أستلهم غاندي الكثير من هذه الأفكار عن الأمريكي هنري ثورو (1817-1862) والروسي ليون تولستوي (1828-1911) الذي كان يلتهم كتبه إلتهاما، وأنشأ غاندي مزرعة سماها "مزرعة تولستوي" عندما كان في جنوب أفريقيا أين اهتم بتعليم الفلاحين الهنود الذين هاجروا إليها إضافة إلى زراعتها كي يعيشون منها، فهنري ثورو ألف كتابا واحدا فقط عنوانه "والدان أو الحياة في الغابة" حول عودته إلى الطبيعة هروبا من المادية وإكتفائه بالحياة البسيطة، وأعتبر ذلك نوعا من العصيان المدني على الرأسمالية وجشعها وماديتها، ومنه أستلهم غاندي مصطلح العصيان المدني، فقد أستنتج ثورو بأن الإنسان لا يحتاج إلى كل هذا البذخ كي يعيش، أما تولستوي، فهو ينحدر من عائلة غنية جدا تملك آراض زراعية واسعة وفلاحين يشتغلون عندها، فسئم تولستوي من ذلك البذخ والترف، فرأى انه إستغلالا بشعا للإنسان، فقد كان إشتراكيا دون ذكرها، فأراد التنازل عن أملاكه لصالح هؤلاء الفلاحين الذين يعيشون صعوبة الحياة والإستغلال، فمنعته عائلته من ذلك، فقد عاش تولستوي حياة بسيطة جدا في آواخر حياته متهكما من بذخ العيش، ورأى أنه أنه غير ضروري كل ذلك الإنفاق على سلع لسنا بحاجة إليها، وقد أستلهم تولستوي ذلك من حياة المسيح الذي قال عنه أنه إنسان عادي، لكنه عظيم بإعطائنا درسا وأسلوبا لحياة بسيطة، مما كان سببا في تكفير الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لتولستوي بسبب هذا الموقف من المسيح، ونجد نفس الأمر وقع للفرنسي إرنست رينان الذي قال نفس الكلام تقريبا، فتعرض حتى هو للتكفير من الكنيسة الكاثوليكية، وهو ما يثبت لنا مدى إستغلال الرأسماليين للدين المسيحي خدمة لمصالحهم لأن ما قال به تولستوي ورينان وآخرين عن المسيح كمثال لبساطة العيش والزهد والتضحية والإكتفاء بالضرورات المعيشية فقط والإستغناء عن كل ما هو غير ضروري يشكل خطرا على الجشع الرأسمالي الذي يعيش بخلق حاجات غير ضرورية للإنسان، ويسوق لها بإشهاراته اليوم ليربح الملايير في الوقت الذي لا يجد فيه الملايير من البشر أبسط الضرورات التي كان بالإمكان إنتاجها بدل خلق حاجات غير ضرورية للإنسان، بل مضرة حتى بصحته، فالرأسمالي الذي يقوم بذلك لا يختلف عن المتاجر بالمخدرات الذي يجب عليه أن يصنع مستهلكين كثر بتخديرهم وتحويلهم إلى مدمنين يستحيل الإستغناء عنها، فيصبحون بذلك في قبضته.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق