ماذا بعد الموت وما حقيقة قيام الساعة

اتريس سعيد
2022 / 9 / 22

منذ فجر التاريخ حاول الإنسان فهم لغز الموت وما بعد الموت, كما أن هناك الكثير من الحكماء الذين اوصلوا لنا الحكمة عن طريق كتب ازلية.
أن الساعة ما هي إلا إختراع الإنسان. الزمن ما هو إلا عيش تجربة دوران الأرض حول الشمس. فهناك ليل وهناك نهار وما بينهما. ونحن نحتاج الساعة لنرتب حياتنا العملية, ولكننا لن نجد أي كائن حي يعتمد على الساعة في أي أمر من أمور الحياة كما أنه لا معنى للساعة في عالم الروح.
إن زمن دوران الأرض حول الشمس يختلف عن زمن دوران القمر حول الأرض ويختلف عن دوران المريخ حول الشمس و يختلف عن دوران أي كوكب حول أي كوكب داخل أو خارج مجرتنا.
من هنا نرى أن عامل الزمن المتفق عليه في المجتمع الإنساني هو ليس عامل ازلي, إنما ثمرة إتفاق الحضارة الإنسانية على شيفرة متعارف عليها للتعامل, للعمل ولتبادل العملة.
ولكن الزمن الأزلي الوحيد الموجود هو الزمن الحاضر. الآن. حتى الزمن الماضي والمستقبل معدومين. ما هما إلا وهم, و الطريقة الوحيدة للوصول إليهما هي فقط من خلال الذاكرة و الخيال وكلا الذاكرة والخيال يحدثان فقط في الزمن الحاضر.
هذه هي الحقيقة التي جعلت الأنبياء أنبياء
علينا أولا أن نفرق بين عالم الوعي وعالم الجسد إن كنت تذكر, فعندما أرادت المعلمة أن تعلمنا الحساب في الصف الأول. فقالت لنا 1 زائد 1 يساوي إثنين. فلم نفهم. ولكن عندما قالت تفاحة وبجانبها تفاحة فهما تفاحتان فهمنا, لأننا رأينا تجسد الوعي أمام أعيننا. ولكن كتلاميذ الصف الاول, كان من المستحيل علينا فهم هذه المعادلة من غير الجسد.
الجسد هو المرئي والمسموع والمحسوس. وهذا ممكن أن يتغير, فتفاحة و تفاحة هما تفاحتين, و ولد وولد هما ولدين. لكن الوعي نفسه هو القانون الرياضي من خلف الجسد. وهذا الوعي هو الأزلي ويطبق على جميع الأجساد المختلفة الأشكال والأنواع والأحجام.
العالم الفيزيائي مليئ بالتجسدات المختلفة عن بعضها, لكن في عالم الوعي لا يوجد إلا قانون واحد أو ظاهرة روحانية واحدة.
في تاريخ الإنسانية كانت هناك أمم شردت وأمم حكمت و آضطهدت, وكان هناك إضطهاد وحروبات وتعسف. ففي عالم الوعي ذلك ليس شيئا جديدا, إنما فقط في عالم الجسد. ففي عالم الجسد, الإمبراطوريات الرومانية, والفارسية, الإسلامية, العثمانية, الإسبانية, البرتغلية, المنغولية, البريطانية, الفرنسية, أمريكا وروسيا, تختلف عن بعضها. بلغات مختلفة, وشعوب مختلفة, وهذه هي ظواهر عالم الجسد.
لكن في عالم الوعي, كل هذه الامم ما هي إلا نفس الظاهرة الروحانية والوعي الواحد. أمم متواضعة حصلت على فكر جديد, بفضل هذا الفكر تطورت وأصبحت غنية, فآنشغلت بثراءها وأنكرت فضل فكرها, فعاشت حياة بذخ وفساد و إستبدت بالضعفاء والأقليات إلى أن أكلتها النرجسية و الكبرياء حتى أضاعت مجدها.
كل مرة نرى حربا جديدا نستغرب وكانها مفاجأة, كل مرة نرى ثورات وتمردات ولاجئين. نحاول جاهدين تغيير المبنى السياسي والمبنى الإقتصادي لحل المشكلة, ولكننا ننسى أن مصدر كل تجسد هو فقط في الوعي وليس في عالم الجسد. فعالم الجسد ما هو إلا ستار بيننا وبين الحقيقة, كالظلال في مثل كهف افلاطون.
فعالم الجسد ما هو إلا ستار بيننا وبين الحقيقة. ورؤية عالم الوعي هي إمتلاك القدرة على التنبؤ. فالتنبؤ هو ليس رؤية المستقبل, لأن المستقبل موجود فقط في خيال الإنسان بالزمن الحاضر, لكنه غير موجود بالزمن الأزلي. إنما التنبؤ فهو القدرة على رؤية ما يحدث في عالم الوعي في الزمن الحاضر. ورؤية أنه لا يتغير, بل ما يتغير هو عالم الجسد و الذي سيغير أسماءا, أشكالا وألوانا ولغاتا وشعوبا.
و عن ماذا بعد الموت؟
عندما نتحدث عن الموت, فنحن نتحدث دائما عن موت الجسد, ولم نتحدث أبدا عن موت الوعي, لأن الوعي لا يموت إنما فقط يغير أجسادا وسأشرح.
نحن نتعامل مع الإنسان ذا الجسد الحي على أنه حي, ولكن لو نظرنا إلى ما يحدثنا العلم، سندرك أنه يحدثنا عن جسم الحي وإنه هناك يوميا خلايا تموت وخلايا تخلق, فأجزاء من الإنسان تموت يوميا وتولد يوميا. ونيتجة لهذا التغيير يجدد الإنسان جسمه كليا كل سبع سنوات.
هل تفهم ما أقول؟ ذلك يعني أنه في نصف عمرك, لنقول عندما يكون العمر خمس وثلاثون عاما, يكون الإنسان قد مات وخلق خمس مرات. أي أن الوعي بدل جسم الإنسان خمس مرات, وفي عمر الإنسان الكامل, يكون الجسد الإنساني قد مات وخلق حوالي العشر مرات.
نفس الشيئ بالنسبة لكل شيئ في هذا الكون. نحن نقول, أنا أعرف الطريق لأنني أذهب إلى عملي كل يوم في نفس الطريق. ولكننا لا نعرف أن الطريق هي ليست نفسها وإن كانت تشبهها, فهناك البذور الجديدة التي نبتت, والأشجار التي ذبلت, والأوراق التي سقطت والقطط التي وضعت, و القطط التي ولدت والبعوضة التي قتلت إلخ. فالطريق هي ليست نفس الطريق وإن كان هناك شبها بينها. كذلك الإنسان. الإنسان هو ليس نفس الإنسان. ففي كل لحظة يموت الإنسان ويخلق إنسان جديد.
فالجسد لا يموت لأنه لا يحيى. الجسد يتغير في كل لحظة, يولد ويموت ثم يولد ويموت وهذه هي دورة الجسد. ولكن السؤال الذي يسأل. من ذلك الذي يغير أجسادا. أين يمكث الوعي, ذلك الذي يختار ويقرر ويفرق بين سالب وموجب؟
عندما تسوق سيارتك. السيارة ما هي إلا جسد مجند بكل الكفاءات اللازمة لمساعدتك الوصول إلى هدفك. لذلك طبعا علينا المحافظة عليها. ولكن الذي يقرر إلى أين يسافر ومتى و لماذا ذلك ليس جسد السيارة, وإن كان العجل الذي يدور و يغير إتجاها. إنما الوعي الجالس خلف عجل القيادة. عندما تلعب لعبة بالحاسوب, فما يحدث على الشاشة هو فقط نتيجة قرارات حدثت خارج عالم اللعبة نفسها. فإن ماتت الشخصية في اللعبة, تعلم الوعي من التجربة وبدأ مرة أخرى بشخصية جديدة.
فإن رأينا أن الوعي لا يموت إنما يهدف إلى خوض تجارب و تحديات في عالم الفيزياء لكي نرتقي بأرواحنا لنكون أكفاء لخوض تجارب روحانية ذات أبعاد خارج نطاق فهمنا الحسي والعقلي فسنرى أيضا أن الجسد الذي يموت مرات عدة خلال كونه مركبة مؤقتة للوعي، هو لا يموت فعليا, إنما يغير شكلا في عالم الجسد لإستمرار دورة الحياة. فالميت يدفن في الأرض ليكون طعاما للشجر وللحيوانات والحشرات التي أيضا لها وظيفة حتمية للمحافظة على نظافة الأرض.
فالموت ما هو إلا مصطلح أوجده الإنسان ليشرح ظاهرة تتجسد فقط أمام عيناه. وكذلك الحياة. لكن اللغة وعلم المصطلحات والحواس ما هم إلا غشاء ما بيننا وبين الحقيقة, ألا وهي ليس هناك موت وليست هناك حياة. هذه المصطلحات ما هي إلا شيفرة متفق عليها بين البشر للإشارة إلى حدث ولكنها تعجز عن وصف الواقع بكل تعقيداته. فليس هناك موت وليس هناك بعد الموت إنما هناك دورة لا نهائية من تجربة الوعي اللانهائية لهذه الكون للتطور و الإرتقاء.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر