من علامات الوضع والولادة

التيتي الحبيب
2022 / 9 / 21


منذ نهاية 2010 يمكننا القول بان شعوبنا عاشت زلزالا حقيقيا، أي بعد انتفاضة الشعب التونسي وما تلاها من ثورات سرت كالنار في الهشيم غطت مصر والأردن والمغرب والبحرين... والعراق ثم ليبيا وسوريا لتصل إلى الجزائر والسودان. لقد كانت موجات متتالية من الثورات والانتفاضات، أعلنت بموجبها شعوب منطقتنا دخولها لمرحلة جديدة من حياتها، لم تتوضح لحد الساعة ملامحها ولا آفاقها. لا زالت المنطقة تتململ وكأنها على صفيح ساخن وهي مرشحة لانفجارات أكثر عنفا وأوسع مجالا مما عاشته لحد الساعة.
كان لهذه الانتفاضات، أسباب عميقة وأهمها أن شعوب منطقتنا على غرار شعوب أخرى، تجتاز احد أطوار التغيير الاجتماعي الضرورية. إنها تعيش بدايات طور انتقال علاقات الإنتاج من مستوى هابط لم يعد يستجيب لما تحقق من تطور في قوى الإنتاج.
مما لاشك فيه، فإن هذا التغيير لعلاقات الإنتاج سيتخذ طرقا وسبلا مختلفة في كل بلد عن بقية البلدان بحكم الخصوصيات المحلية والتاريخية. ولأن المجال لا يسعفنا هنا للتوسع، فإننا سنركز اهتمامنا على الحالة المغربية فقط، وسنحاول رصد آليات وطرق هذا التحول. نحن واعون بأن الموضوع متشعب، ويحتاج إلى مشاركة العديد من المفكرين والمتخصصين والأطر المناضلة المهتمة بالقضايا الأساسية في التشكيلة الاجتماعية وكل ما يتعلق بالتغيرات الكبرى في المجتمع المغربي بجميع مكوناته. انه إذا احد أهم الاوراش التي تتطلب الاهتمام والانخراط الفردي والجماعي. وفي إطار حث المثقفين للانخراط في هذا المشروع الهام نسوق ملاحظة وردت في إحدى المقابلات مع المفكر المغربي بول باسكون:
[نحن في بداية الطريق، فالمغرب بلد حديث العهد بالاستقلال، وهيئة المثقفين فيه محدودة العدد وفي الصالونات يلجؤون للملاطفات السطحية. لو أجرينا مقارنة بين هذه الوضعية وبين الصراعات العدوانية للمثقفين الروس لسنوات 1905-1920 ومع الغليان الفكري الذي كان سائدا آنذاك لألفينا هنا أناسا لطيفي المعشر، يستعملون اللغة الثورية في الهجوم وبطريقة مؤدبة، نحن هنا في بيزنطا نتحاشى الخوض في القضايا الهامة. ولا يمكن في هذه الشروط أن يحصل التطور المنشود وربما ستتغير الأحوال حينما يكون لدى المثقفين شعور بأن لكلمتهم مفعولا ... نحن الآن في نهاية مرحلة، ولكننا لم ننتج بعد أبواب مرحلة جديدة. ]
مقتطف من حوار بول باسكون / نقلا عن تدوينة لاكوا بوكبير.
إن الزمن السياسي عندنا يجري في الغالب ببطء وبوثيرة متثاقلة خلف مجريات أحداث الصراع الطبقي. هناك لحظات يحسبها الناس وكأن الزمن توقف، أو أن البلاد أصابها الشلل وقد تجمدت في مكانها...لكن هذه الصورة تغيرت كثيرا مع اندلاع أطوار السيرورات الثورية بالمنطقة، وبعد انطلاق أحداث وفعاليات حركة 20 فبراير. هذه الحركة التي نقلت الشعب المغربي وخاصة شبابه، من حالة الجمود واليأس، إلى حالة الغليان وعودة الأمل في التغيير. لذلك، هب الشباب إلى الاحتجاج وامتلك الشارع العام، وتخلص من الخوف من قبضة الدولة البوليسية. لقد كبرت الجرأة وتعاظم الإقدام على النضال والاستعداد للتضحية. لقد انتقل الخوف إلى الضفة الأخرى أي إلى صف الكتلة الطبقية السائدة وأجهزة دولتها.
ما حدث إبان حركة 20 فبراير سنة 2011 وما تلاها من حراكات شعبية في الريف وجرادة وزاكورة وغيرها من مناطق المغرب المهمش، يعتبر امرأ مستجدا، يحمل سمات نوعية للتطور المجتمعي، ويعلن عن فتح مسار جديد في علاقة الشعب المغربي بالدولة وبقاعدتها الطبقية أي الكتلة الطبقية السائدة من جهة، ومن جهة ثانية في علاقة بين مكونات الشعب نفسها.
باختصار شديد، يمكننا الوقوف من جهة على أهم مظاهر تشقق أو تصدع علاقات الإنتاج القديمة، ومن جهة أخرى نتعرف على بداية البحث عن البديل المتوافق مع ما تحقق من تطور على صعيد قوى الإنتاج:
1- إن إقرار الملك الصريح بفشل النموذج التنموي، وإعلانه على ضرورة تشكيل طبقة وسطى بالبادية كان من المفروض فيه هو اطلاق خطة سياسية عملية قابلة للانجاز وبالسرعة المطلوبة لتجنب النتائج الوخيمة التي أجبرت التصريح بالفشل والخطر الداهم. لكن الواقع والمسجل لحد الساعة هو أن الدولة لا زالت تتخبط في وضع سياسة واختيارات جديدة تجيب على وضعها الكارثي، خاصة وان هناك شعور قوي بأن النظام فقد القاعدة الاجتماعية الموالية له نتيجة واقع وطبيعة الاحتكار والاستحواذ على الثروة التي تمارسها البرجوازية الطفيلية والمافيا المخزنية. فتمركز الثروة وملكية وسائل الإنتاج في يد حفنة من الاحتكاريين وصل إلى درجة بدأت تفزع الماسكين بالسلطة أنفسهم؛ لقد تأكد لديهم بأن الفقر أجهز على الطبقات الوسطى نفسها، وأن الأغلبية المطلقة من الشعب أصبحت في حالة تتأرجح بين الفقر والفقر المدقع. لقد كشفت جائحة كورونا أن ما يفوق 25 مليون مواطن ومواطنة هم ضحايا آفة الفقر. إن هذا التقاطب بين مالكي وسائل الإنتاج وبين منتجي الثروة، أصبح يدفع نحو طرح سؤال صريح ومباشر حول من يحق له تملك وسائل الإنتاج؟ والبحث عن البديل لعلاقات الإنتاج السائدة في هذا الموضوع.
2- خمدت شعلة حركة 20 فبراير وطرحت الأطراف المكونة لها أو حتى من كانت خارجها، سؤال لماذا تراجعت الحركة ومن يتحمل المسؤولية؟ لقد تعددت الأجوبة بتعدد مرجعيات وخلفيات أصحابها:
+ توقفت حركة 20 فبراير، لأنها استنفدت طاقتها ولم تتمكن من خلق شروط تجدير أهدافها والانتقال إلى مرحلة أخرى. إنها لم تكن تتوفر على قيادة من نوع جديد.
+ توقفت حركة 20 فبراير، بفعل تناقضات مكوناتها وتضارب المشاريع والأهداف.
+ توقفت حركة 20 فبراير، لأن النظام استطاع أن يناور بنجاح، ولم يجد أمامه من يستطيع إفشال وإبطال مفعول تلك المناورات.
+ توقفت حركة 20 فبراير، لان السيرورات الثورية دخلت عنق الزجاجة خاصة في ليبيا وسوريا، وظهرت بوادر اختطاف الثورة من طرف تنظيمات الإسلام السياسي في مصر وتونس.
من خلال هذه الأجوبة اتضح أن العطب الأكبر والأخطر، يتمثل في كون الطبقات الأساسية في التغيير الثوري ببلادنا، لم تتوفر على المعبرين السياسيين على مصالحها بعد؛ وحتى من كان يملك هذه الخاصية بالنسبة للبورجوازية الصغيرة والمتوسطة، وبعد اندماجه في منظومة المخزن لما طبق خطة النضال الديمقراطي والإصلاح من الداخل، فإن أصحاب هذا التوجه فقدوا تمثيليتهم الطبقية لحلفائهم عند التأسيس وانفصلوا عنهم بالكامل.
إذا كان علينا أن نضع عنوانا للمرحلة الحالية التي تستوجب التدخل المباشر والعملي للطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة كليا أو جزئيا، سنختار "كيف الجواب على الحاجة إلى ظهور التعبيرات السياسية الطبقية ؟"
قد يعتقد البعض أن الحاجة إلى هذا الجواب هي مسالة اعتباطية أو مزاجية لهذه المجموعة أو تلك ان لم تكن انشغالا مثقفيا هامشيا. إن الأمر أعمق من ذلك، وهو يتعلق بتلك الضرورة الموضوعية لتشكيل علاقات إنتاج جديدة تجيب على التطور الحاصل في قوى الإنتاج. وفي هذا الإطار وفيما يتعلق بالطبقة العاملة فان بناء تعبيرها السياسي أي حزبها المستقل أصبح مهمة مركزية وآنية، وغيابه يشكل لب العطب الذي تسبب في خمود جذوة حركة 20 فبراير. أما في ما يتعلق بقضية التعبيرات السياسية الطبقية عن مصالح الطبقات الوسطى، فهو بدوره قيد التشكل – وقد لا ينتبه اليه الكثبرون- لكن بتعقيدات كبيرة جدا، ومنها تلك التي تريد أن تنتقل من فكر المجتمع الماقبل الرأسمالي إلى المجتمع الحديث. لا زالت هناك قوى تبحث على الصيغة الملائمة لكي تخرج من جبة علاقات إنتاج ما قبل رأسمالية، تحكمها منظومة فكرية وسياسية وتنظيمية تعود إلى القبيلة والمجتمع العشائري؛ كما أن هناك تعبيرات سياسية لم تستطع لحد الساعة أن تفصل نفسها عن مصالح النظام المخزني وترى أن مصالح الفئات الاجتماعية التي تشكل قاعدتها باتت متناقضة مع مصالح الكتلة الطبقية السائدة ولذلك عليها أن تراجع سياساتها وخاصة تلك المتعلقة بالاعتقاد الواهم بامكانية تحقيق التوزيع العادل للثروة وببناء الدولة الاجتماعية التي ترعى مصالح الشعب بشكل متوافق مع مصالح الكتلة الطبقية السائدة.
المغرب يوجد في فترة مخاض عسير، سيكون بمثابة انطلاق مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، تخوضه الطبقات الاجتماعية عبر أدواتها السياسية المستقلة الى هذا الحد او ذاك. ستحاول الطبقات الاجتماعية أن تزج بأحزابها في المعركة السياسية الحاسمة، والتي بموجبها سيتم نقل علاقات الإنتاج إلى مستوى نوعي يتلاءم مع ما وصلت له قوى الإنتاج. إننا على أبواب الثورة الاجتماعية التي تخلفت عن الانطلاق لان شروطها الذاتية لم تتبلور بالنضج المطلوب. إننا أمام أبواب مرحلة جديدة، ستفتح كما كان يأمل المفكر بول باسكون.
التيتي الحبيب
20/09/2022

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر