أحداث الجامعة التّونسيّة بين تنديد النّقابيّين وصمت وزارة الإشراف

إبراهيم العثماني
2022 / 9 / 14

مقـــــــــــــدّمة:

يبدو أنّ الجامعة التّونسيّة قد دخلت مرحلة لم تعرف مثيلا لها منذ تأسيسها. فهي تعيش أحداثا قد تُلهي إطار التّدريس عن أداء الرّسالة المناطة بعهدته وتشغله بمسائل هامشيّة، وتحرم المسؤولين والإداريين من العمل في مناخ مريح و مشجّع على البذل والعطاء، وتربك السّير العادي للمؤسّسات الجامعيّة، وتزجّ بها في معارك لا تُغني ولاتُسمن من جوع خاصّة وقد تميّز سلوك وزارة الإشراف باللاّمبالاة وتجاهل ما يحدث وكأنّها ليست المسؤولة الأولى عن منظوريها. فأين يتجلّى ذلك؟

1 – شريط الأحداث:

يبدو أنّ التيّارات الدّينيّة المتطرّفة والمنغلقة على نفسها قد قرّرت نقل معركتها من الشّارع العامّ إلى الحرم الجامعي لعلّها تفرض بعض تصوّراتها وتحقّق مكاسب قد يعسر التّراجع عنها لاحقا. فبعد أن جرّبت الصّلاة في الشّوارع العامّة وأفسدت اجتماعات حزبيّة (اجتماع حزب العمّال في حي التّضامن)، وهاجمت إحدى قاعات السينما (أفريكا آرت) وقناة نسمة...إلخ غيّرت وجهتها وأمّت الجامعة فكانت كلية الآداب بسوسة المنطلق حيث أرادت طالبة منقّبة أن ترسّم نفسها بأحد أقسامها ولمّا مُنعت لأسباب بيداغوجيّة عادت يوم 6 أكتوبر 2011 مصحوبة "بأطراف أجنبيّة لا علاقة لها لا بالشّأن البيداغوجي ولا العلمي ولا الإداري للمؤسّسة. وتتمثّل هذه الأطراف في إمام جامع بمنطقة حي الرّياض سوسة ومرافقيه ممّن ادّعوا أنّهم ينتمون إلى جمعيّات حقوقيّة (حرية وإنصاف ولجنة الدّفاع عن المحجّبات) بمعيّة أشخاص آخرين مشبوهين حاملين لأسلحة بيضاء وقنابل غاز مشلّ للحركة (أحدهم جزّار بحيّ الرّياض) (انظر البيان الصّادر عن النّقابة الأساسيّة لكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة إثر اجتماع أساتذة الكلية يوم 6 أكتوبر 2011).
هكذا انتهكت هذه الجماعة حرمة الجامعة وهدّدت العميد وخاطبته بعبارات نابية، وتوعّدت الكاتب العام للكلية واستخفّت بإطار التّدريس، وبدت منفلتة من عقالها تدوس قوانين البلاد ولا رادّ لها، ولا تحترم فضاءات الجامعة ولا رادع لها، وتتصرّف وكأنّها فوق القانون. لقد أرعدت وأزبدت ولوّحت بالتّصفية الجسديّة.
وتنتقل هذه المعركة من سوسة إلى تونس حيث عاشت أجزاء جامعيّة أحداثا لا تقلّ غرابة عمّا وقع في سوسة "أبطالها" هذه المرّة طلبة وضحاياها أستاذات. فقد جاء في البيان الصّادر عن الجامعة العامة للتّعليم العالي والبحث العلمي بتاريخ 31 أكتوبر 2011 ما يلي: "ففي جامعة الشّريعة وأصول الدّين وقبيل الانتخابات أقبلت مجموعات من الطّلبة على مضايقة بعض الأستاذات لا لشيء إلاّ لأنّهنّ غير محجّبات، وعلى مقاطعة دروسهن إلى أن يقبلن بارتداء الحجاب. أمّا في المدرسة العليا للتّجارة بمنّوبة فقد قامت مجموعة من الطّلبة يوم الجمعة 28 أكتوبر 2011 بمضايقة إحدى زميلاتنا تحت دعوى أنّ لباسها غير محتشم وذلك بالهتاف والتّصفير والصّراخ إلى أن دخلت قاعة الدّرس، ثمّ أعادت هذه المجموعة الكرّة عند خروج الأستاذة المعنيّة من القاعة بعد أن أنهت الدّرس"، كما "تعرّضت أستاذة أخرى من نفس المؤسّسة لاعتداء أكثر عنفا تمثّل في مهاجمتها وهي بسيّارتها أمام باب المؤسّسة من قبل مجموعة من الطّلبة تنتمي إلى نفس المدرسة قامت بركل سيّارتها من الخلف كما قام أحدهم بإدخال يديه من نافذة الباب الأمامي وتوجيه لكمات لها"، وتعرّضت طالبة للاعتداء بسبب مساندتها للأستاذة الأولى في حين سعى بعض الطّلبة إلى منع الاختلاط في المطعم الجامعي بقابس بدعوى عدم شرعيّته.
وهكذا لم يعد الطّلبة يؤمّون المؤسّسات الجامعيّة لتحصيل المعرفة وتطوير آفاقهم الذّهنية والحصول على شهادة تمكّنهم من اقتحام سوق الشّغل ومجابهة متطلّبات الحياة بل لتأديب الأستاذات والتّدخّل في شؤونهنّ الخاصّة وفرض نمط من اللّباس يُخيّل إلى بعض الواهمين أنّه اللّباس الأصلح. ومن ثمّ تنقلب المعادلة ويصبح الطّالب اليافع الغرّ الآمر النّاهي وتصبح الأستاذة العالمة مأمورة مهانة تُعنّف وتُداس كرامتها ويتحكّم فيها فكر متحجّر وعقليّة متخلّفة ووقاحة لا حدّ لها.
إلاّ أنّ ضحايا هذا العنف الهمجي وجدوا في النّقابة ملاذا.

2 – تنديد النّقابييّن بهذه الأحداث:

في ظلّ هذه الأجواء المتوتّرة تحرّكت الهياكل النّقابيّة الجامعيّة دفاعا عن الأساتذة والجامعة ونوّعت أشكال النّضال وبلّغت رسائل عدّة لأطراف شتّى. فقد سارعت النّقابة الأساسيّة لكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة إلى عقد اجتماع بالأساتذة عاجل يوم 6 أكتوبر 2011 ندّدت فيه بسلوك هذه الأطراف الغريبة عن الحرم الجامعي ورفضت فيه قبول أيّ طالبة منقّبة داخل الفصل خلال حصص التّدريس والامتحان، وطالبت سلطة الإشراف بإصدار منشور وزاري يمنع ارتداء النّقاب في المؤسّسة التّربويّة كما حمّلت الوزارة مسؤوليّة التّدهور الخطير للوضع داخل الكلية والنّاتج عن عدم حسم هذا الأمر منذ السّنة الجامعيّة المنصرمة...
أمّا النّقابة الأساسيّة بالمدرسة العليا للتّجارة بمنّوبة فقد عقدت يوم الاثنين 31 أكتوبر 2011 اجتماعا عامّا بالمؤسّسة بحضور الكاتب العام للجامعة العامّة للتّعليم العالي والبحث العلمي، وممثّلي نقابة السّلك المشترك وممثّلي نقابة الموظّفين، ورئيس الجامعة والعديد من مديري المؤسّسات الجامعيّة عبّر فيه الجميع عن تضامنهم مع الأستاذتين ومع عموم الأساتذة.
وأصدرت الهياكل النّقابيّة بقابس بيانا ندّدت فيه بالعنف وأكّدت فيه أنّ "حرية اللّباس جزء من الحرّيات الفرديّة لا يمكن المساس بها" داعية سلطة الإشراف إلى اتخاذ الإجراءات اللاّزمة لضمان كامل الحريات داخل الحرم الجامعي وحمايته من الدّخلاء والمتطرّفين"( انظر جريدة "الصّباح بتاريخ 3 نوفمبر 2011 ص 3)، وأكّد الفرع الجامعي لأساتذة التّعليم العالي بصفاقس" رفضه المبدئي لأيّ انتهاك للحريات العامّة والخاصّة داخل الحرم الجامعي سواء كان المستهدف أساتذة أو طلبة" ("الصّباح" 3 نوفمبر 2011 ص 3).
ولم يقف الأمر عند عقد الاجتماعات وكتابة البيانات والتّنديد بهذه الممارسات. فقد دعت الجامعة العامّة للتّعليم العالي الأساتذة إلى تنظيم وقفات احتجاجيّة تنديدا بالانتهاكات والاعتداءات الّتي تعرّضت لها الزّميلات. لذا تعطّلت الدّروس في أكثر من مؤسّسة وتجمّع الأساتذة أمام جامعة تونس1 بحضور رئيس الجامعة وعميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأمام جامعة المنار بحضور رئيس الجامعة وعميد كلية الاقتصاد والتّصرّف وعميد كلية الحقوق والعلوم السّياسيّة، وقد أكّدت هذه التّحرّكات أنّ مكوّنات المؤسّسات الجامعيّة معنيّة جميعها بما يحدث فيها ومتضامنة مع المتضرّرين من هذا السّلوك الأرعن، ومستعدّة للدّفاع عن نفسها بكلّ الوسائل المشروعة لأنّ خطرا محدقا يهدّد الجامعة التّونسيّة إن تمكّن منها سيحيد بها عن أسمى وظائفها.
وفي ظلّ هذا الواقع المأزوم يطرح السّؤال عن موقف وزارة الإشراف.

3 –وزارة التّعليم العالي: من الصّمت إلى التّضليل

من سوسة إلى تونس أهين أكثر من طرف وتعرّض للسّبّ والشّتم والتّعنيف ووزارة الإشراف تتجاهل الأمر وتلازم الصّمت ثمّ تطلّ علينا عبر التّلفزة الوطنيّة ( يوم السبت 5 /11 / 2011) ببيان غريب في محتواه عجيب في دلالته لا يسمّي الأشياء بأسمائها ولايدين أحدا بل يجانب الحقيقة ويهادن الأطراف المسؤولة عن كلّ ما حدث ( نشر البيان بجريدة" الشروق بتاريخ 8/11/2011 ص9). ويتجلّى ذلك في ما يلي:
- تختزل وزارة الإشراف التّهديد بالقتل في سوسة والتّعنيف والسبّ والشّتم في سوسة وتونس في التّجاوزات المتمثّلة في التّهجّم على مدرّسات. أليس هذا الموقف الغريب تبسيطا لأحداث خطيرة !إنّ التهجّم لا يتجاوز عادة العنف اللّفظي في حين ما حدث عنف لفظي ومادي بامتياز وممارسة غريبة تحدث لأوّل مرّة.
- لا نجد في البيان أدنى إشارة إلى المسؤولين عن هذه الأعمال المَشينة. وهكذا ظلّ الفاعل مجهولا. فلماذا تتحاشى الوزارة تحميل المسؤوليّة لصنف من الطّلبة متطرّف في سلوكه لا يحترم المدرّسات، ولغرباء لا يتوانون عن انتهاك حرمة المؤسّسة الجامعيّة.؟
- تضمّن البيان كلاما إنشائيّا من قبيل "ضرورة الالتزام بالمبادئ السّامية الّتي تنبني عليها الحياة الجامعيّة...وتذكّر الوزارة بمهمّة المرفق العامّ المناطة بعهدة الجامعة والهادفة إلى إسداء التّكوين وصقل المهارات وإثراء المعارف...ترى من تخاطب الوزارة؟ ومن تذكّر؟هل تخاطب الأساتذة الضّحايا أم الطّلبة الّذين قد يتدخّلون في اختيار الدّرس.؟
- توكد الوزارة حماية المؤسّسات الجامعيّة من الصّراعات المذهبيّة والتجاذبات السّياسيّة. يبدو أنّ وزارة الإشراف تختلق أشياء وتصدّقها ثم تريد إقناع النّاس بها. فمتى تحوّلت الجامعة، في بداية هذه السّنة الجامعيّة، إلى حلبة صراع تتواجه فيها أطراف متناحرة؟ وماهي هذه الأطراف؟ وهل حدثت تجاذبات بين الطّلبة والطّلبة أم بين الأساتذة والأساتذة أم بين الطّلبة والأساتذة؟ وهل جزّار حي الرّياض بسوسة طرف في هذا الصّراع؟ وهل أصبح التّعنيف والرّكل واللّطم شكلا من أشكال الصّراع؟ وإذا كان الدّفاع عن النّفس بالهروب خوفا من عنف الطّلبة شكلا من أشكال الصّراع في عرف وزارة الإشراف فنعم الصّراعات المذهبيّة والتّجاذبات السّياسيّة .
هكذا تتفصّى وزارة الإشراف من تحمّل مسؤوليّاتها في حماية الأساتذة والجامعة من خطر التّطرّف والانغلاق وكأنّ المعركة ليست معركتها وتلازم الحياد الّذي يشجّع الطلبة على التمادي في غيّهم.

4 ) المعركة: معركة من؟ ومعركة ماذا؟

ليست هذه المعركة مقتصرة على الأساتذة الجامعيّين وهياكلهم النّقابيّة ومديري المعاهد العليا وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات فحسب بل هي أشمل من ذلك. فالجامعة التّونسيّة مؤسّسة وطنيّة وما يحدث فيها يعني الجميع والدّفاع عنها مسؤوليّة الجميع وفي مقدّمتهم القوى التقدّمية والدّيمقراطيّة أفرادا وجمعيّات ومنظّمات وأحزابا.
وهذه المعركة تتجاوز النّقاب واللّباس القصير والاختلاط بين الطّلبة وتعكس صراعا بين رؤيتين مختلفتين وتصوّرين متناقضين لجملة من القضايا. فهذا التيار السلفي المتشدّد يهاجم في آخر المطاف حداثة الجامعة التونسيّة وما ترتّب عليها، وعقلانيّة برامجها وما أفرزته، وانفتاحها على كلّ ما هو نيّر في حضارات الشعوب الأخرى وما أضافه إلى الثّقافة التّونسيّة، ويناهض حرية المرأة والمساواة بينها وبين الرّجل وحقّها في الشّغل وارتداء اللّباس الّذي تراه مناسبا لها، ويعادي الحرّيات الفرديّة والعامّة ولا يؤمن بقيم التّسامح والاختلاف بل إنّه يسعى إلى تعويض تسلّط بتسلّط والاستعاضة عن المنشور 108 بمنشور آخر ذي محتوى أشد انغلاقا وتشدّدا. هي معركة تدور رحاها حول كيفيّة نحت ملامح المجتمع التّونسي مستقبلا. وقد استأسدت بعض التيارات الظّلامية لمّا استنشقت نسمة الحرية التي لم تناضل من أجلها خلال سنوات الجمر.

خاتـــــــــــــــــمة:

قد لا نجانب الحقيقة إن أطلقنا صيحة فزع منبّهين لخطر داهم يتهدّد الجامعة بالتّصحّر والانغلاق وسيطرة الرّأي الواحد واستنساخ سلوك خلنا أنّه ولّى. إنّ حماية الجامعة من هذا السّرطان يتحمّلها أبناؤها من أساتذة وطلبة ومسؤولين ووزارة الإشراف مؤتمنة على تسيير شؤونها تسييرا طبيعيّا يوفّر للأستاذ ظروف عمل ملائمة وللطّالب ظروف دراسة سليمة. إنّ وزارة الإشراف مطالبة بحماية المؤسّسات الجامعيّة من الغرباء عنها والدّخلاء عليها الّذين لا همّ لهم إلاّ الرّجوع بالجامعة والمجتمع التّونسي إلى عصور ولّت، وعلى منظّمات المجتمع المدني والأحزاب التقدّمية أن تكون مساندتها فعّالة حتّى تُحكم عزلة هذه التيّارات المنبتّة.
2011

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر