سر الكون الأكبر داخل الكون الأصغر

اتريس سعيد
2022 / 9 / 9

يشكل الكائن البشري محور تركيز العلوم الخفية فهذا الكائن هو صورة كونية مصغرة للأخرى الكبرى، ومثلما هناك وجهين للكون ظاهر و باطن، لهذا الكائن البشري التركيبة نفسها، فبالإضافة إلى التركيبة الفسلجية التي يقوم على أساسها جسد هذا الكائن.
يكمن هناك في الخفاء الجانب المخفي منه و الذي يشكل عمود أساس في دراسة تأثيرات منظومات الطاقة سواء القادمة من الشمس أو تلك القادمة من القمر، و من خلال الفصول السابقة التي قمت بنشرها أدركنا أن لهذا الكائن طبيعة متعددة الأبعاد من خلال دراستنا لمستويات الوعي الأربعة في العلم الباطني الخفي المقدس. وهذه الطبيعة إذا ما تمكنا من سبر أغوارها نكون قد وضعنا يدنا على المكان السليم للبدء في رحلة الذهاب إلى مستويات الوعي المتفوقة، والتي ستجعلنا ندرك هذه الطبيعة بعمق، فالإنسان لا يعيش من أجل سذاجة العالم السطحي المادي الموضوعي بل من أجل فهم الجوانب السببية لوجوده و العبور إلى الثانية التي تتحكم في طبيعة تركيبته الفائقة التعقيد.
قديما كان حكماء العلم الروحي الخفي يتمكنون من عبور أكثر من مستوى الوعي عبر ممارستهم لطرق (البرخك) وهي الإتحاد الكامل مع أجساد الإنسان الروحية والأثيرية الأخرى الخفية بداخلهم وخوض غمارها التي هي قسماً عظيماً من العلوم النوعية يتناسب ومستوى تفتح ملكاتهم الفكرية و سعة إستيعابهم الطبيعية تلك العلوم التي كانوا يحصلون عليها من خلال عملية التواصل بأرواحهم في الأبعاد الأخرى الأثيرية الخفية وفي مراحل متقدمة يمكنهم الإتحاد مع خواص الروح الإلهية بداخلهم.
و إلى وقت قريب جدا كان القسم الأعظم منهم يتجنب الخوض في غمار تلك العلوم النوعية التي كانت تصله في مستوى تواصل تجاوزي مع مستويات للوعي العليا والعوالم السماوية النورانية متفوقة على عالمنا، أو عبر أشكال هندسية ومجسمات تصل إليه أثناء عملية التواصل ويجهل قسماً كبيراً منهم مصدرها، فقسماً منهم كان يعتقد أنها قادمة من منظومة كونية مقدسة والقسم الآخر كان يدرك أنها عوالم موازية فوقية لها خصائصها، هذا كل ما كانوا يستطيعون تحديده كنتيجة لذلك الممارسة التأملية مع مستويات الوعي تعلو على إستيعابهم.
لكن حتى نفهم طبيعة ما كان يحدث لتلك الشخصيات الجليلة من القدماء لا بد لنا من العودة إلى نقطة العبور إلى حقيقة الكاملة في أعمال اللاوعي الفضلي الباطني الخفي، و هي نقطة البداية في عبور بوابات المعرفة الهندسية الخفية، هذا التحول إلى أعماق الحقيقة يفتح أمامنا مجالاً واسعاً من المعرفة النوعية القائمة على أسس مختلفة تماماً ومتفوفة جداً عن إسم العلم الأكاديمي المنهجي البالي والقديم الذي ألقي في عالمنا الأرضي، هذه المعرفة متاحة للبشر عندما يتمكنوا من خوض رحلتهم الداخلية وزيادة مقدار طاقة أرواحهم لتحريرها من سجن التراب والعناصر والتحكم بعقلهم وعاطفتهم والعبور إلى بوابة حقيقتهم الكامنة في أعماقهم الداخلية الخفية، غير أن القدماء وضعوا في نظر الإعتبار إبقاء قسما واسعا من هذه العلوم خفية لا يتداولها سوى رجال العلم الحكماء والكهنة الكبار في مدينة الحكمة الأزلية (لالاش) المقدسة.
فتجارب ممارسي هذه التقنيات الباطنية الروحية كانت بمثابة شعائر مقدسة لا يمكن للعامة الإقتراب منها إلا بعد وصولهم مرحلة متقدمة من التحكم بالعقل والعاطفة و الإزدياد الطاقي العظيم في أرواحهم عبر التمتع بالطهارة و النقاء والإستقامة، فالجميع كان مطالب بالحفاظ على سرية و قدمية هذه المعارف ألا إنها تشكل تراكما طويلا للمحكمة الخفية عبر العصور، وكذلك لتجنب العبث بها وتدليسها على يد مستويات للوعي غير مؤهلة للخوض فيها أو مناقشة تفاصيلها، فصون سرية هذه العلوم هو من أوصل العديد من القدماء إلى ناصية العلم المقدس الخفي بأعمق أبواب معرفته، وهو من قاد العديد منهم إلى تبديل طوقهم المقدس بآخر متفرق ينتمي إلى عوالم عليا في مكانتها النقية الطاهرة المستقيمة.
والحصول على المعرفة النوعية يعني الحصول على علوم وقدرات روحية تفوق معرفة وقدرات البشر العادية بمراحل عظيمة والدخول إلى مستويات الوعي المتفوقة يحدث ثورة في البنية الطاقية التي تؤلف الجانب الخفي من الكائن البشري، والوصول للمعرفة النوعية يعني عملية تحرير العقل من وعيه المحدود الطابع، و بكلام واحد أدق يعني وصوله إلى مرحلة الوجود القصوى، يعني عملية توحيد وعينا الأرضي مع الوعي الكوني وبداية العبور الي عوالم متفوقة للغاية تسحب هذا الكائن تدريجيا من عالمه المحدود إلى عالم لا محدود واسع في كل مرحلة يعيشها تتناسب وطبيعة تقدمه في تركيب وتعقيد قوانين الكون الرمزية الأبدية الـ ٧٢ في العين البيضاء الكونية كما ذكرتها سابقاً علي الصفحة الرئيسية بإسم الشخوص.
ومكنتهم هذه القدرات الباطنية الروحية والطاقية العظيمة من السفر عبر بوابات السماء السبع العليا النورانية وبوابات الأراضين السبع الترابية السفلية بل وأكثر من ذالك من خلال عبورهم والتنقل في الأبعاد الكونية وضبط ترددهم الإنتقالي إلى الأزمنة السابقة والعصور الغابرة أو كما يعرف في عصرنا المتدني بالسفر عبر الزمان, وتمكنوا أيضا من تسخير الكون كاملاً بمخاض رحلتهم الداخلية وإكتشاف الكون الأصغر الذي هو مفتاح الكون الأكبر داخل أنفسهم ومراحل الوعي و الإدراك الروحي الداخلي والمعلوماتية الكاملة في جوهرهم وهذا ما يطلق عليه الإنسان الكامل.
ومن خلال دراستي لطبيعة الكيان الطاقي للكائن البشري لا بد من التوقف طويلاً أمام طبيعة التركيبة المثالية الحية التي تؤلف هذا الجانب الخفي من كينونتنا، فهي تبدأ بجانب موازي لكل ما هو جسدي لكنه خفي غير معلوم بالنسبة للكثيرين لأسباب نوعية تعكس حقيقة قانونية كونية تقوم على التفسير السليم إنشاء الكون بوجهيه الظاهر والخفي، لكنها تقف بالفعل عائقا أمام أقدمهم في مجال تطوير مستوى الوعي الملكني الدرهم الى حالات أرفع. و رغم أن أغلب المدارس الروحية عكست بصيغة رمزية تفسيراً دقيقاً للعوالم السبعة وللمعابر السبعة وللكواكب السبعة والنغمات الموسيقية السبعة ومستويات الوعي الأربعة المتدرجة في عوالم سبعة و زهرة الحياة الكونية بصيغتها السبع و التي تجسدت في الخريطة الجينية في المنظومات الكونية مهما كبر حجمها الى أصغر جسيم ذري، وسبعة طبقات للأرض و سبعة طبقات للسماء، و سبعة طبقات للمستويات الروحية، كلها جمعتها مدراس الحكمة القديمة بصيغ رمزية بقيت طوال قرون بعيدة عن التفسير و التحليل السليم لحقيقتها ونبضها المعرفي القائم على أسس روحية عليا.
هذا التعقيد لم يكن وليد صدفة، فليس هناك صدفة و عبثية في قوانين الكون الرمزية المقدسة الثابتة والأبدية، بل شكل معرفة متاحة لمن يتمكن من العبور الى حقيقته، والعبور إلى مستويات الوعي المتفوقة والجانب الخفي من كينونتنا هو الذي يمنح الهيئة الفعلية للمادة في مستوى غير منظور بالنسبة لنا من خلال التردد الرنيني الداخلي الذي تعمل على أساسه منظومتنا النفسية ومثلما منح العلم الروحي الخفي المقدس تفسير الكون بعده السليم الصحيح القائم على موقع الأرض في المنظومة الشمسية التي تتحكم بنا.
يمنح هذا العلم الكائن البشري وضعه السليم في تفسير و تحليل المكانة الدقيقة له وكذلك أشكال الكينونة التي يجسدها، فشرح تفسير الكون من بدء نقطة إنطلاقة في الجوهر الكوني أو الفكرة الإلهية مروراً بتكوين الكون و المجرات و الدهور و طريقة تحكم كل نظام شمسي بمجموعة في بعده الخاص تنضم إليه و إنتهاءاً عند تكوين المنظومة الكونية الصغيرة التي يشكلها الكائن البشري في
قسميه الظاهر والخفي (الجسد والنفس)، هذه التركيبة المعقدة للوجود وضعها العلم القديم عبر سديم الزمن أمام طلاب الحكمة الأزلية من أجل التدرج في تقبل تعاليمها حتى تعيد اليه ما فقده من إرتباط و تواصل بالمصدر المتمثل بالوعي الكوني و الذهاب إلى رحاب العلوم الإلهية النورانية الأبدية التي لا تنضب.
فكل الأشكال الهندسية كما شاهدنا ما هي إلا نتاج تفسير دقيق لمسيرة نشأة الكون التي وضعها العلم الخفي المقدس موضع التدقيق و عكست هذه الأشكال الهندسية علوم نورانية عميقة لا يتمكن من لا يعبر إلى مستويات الوعي المتفوقة من إدراك جوانبها السببية في الوجود و من هذه العلوم النوعية برزت إلى السطح تأثيرات المنظومة الشمسية على الكيان الطاقي الحركي الذي نمثله، فوضع الحكماء نظام زمني شمسي على كوكب الأرض، كما وضعوا خارطة متكاملة لتأثيراتها على بقية الكواكب في المجموعة الشمسية وكذلك على الخرائط الجينية للكائنات على الأرض، فهذا النظام الزمني الشمسي جعلهم يدركون تمام الإدراك أن العبور لمستويات الوعي المتفوقة لا يمكن أن يحدث دون الإستفادة من الطاقة القادمة من الأفلاك وأساسها (الشمس) و توظيفها بشكل سليم يتناسب و جانبي الكينونة عند الكائن البشري الظاهري و الخفي.
و هذا التقويم الزمني للشمس مصحوباً بعلوم ومعارف تشرح طبيعة ثوراتها القوية والخفيفة ومكانتها المتنقلة في أبراج الطاقة العائدة للدوائر الملكية السماوية الإثنا عشر جعلهم يضعوا علمهم في موضع التفسير السليم و الدقيق للطبيعة السببية التي تتبادل التأثير فيما بينها في المنظومة الكونية وهي الكائن البشري والوعي الكوني، و من خلال إكتشافهم لهذا الأمر و ضعوا تقويماً دقيقاً لحدوث السنة الشمسية الكبرى و التي تعتبر أحد مقدسات النصوص القديمة الخفية
فهي تشكل شعائر مقدسة لا يمكن الإقتراب منها و بقيت محاطة بغلاف من السرية يصعب الإقتراب منه دون إمتلاك الشروط التي تؤهل الكائن البشري لفهم طبيعتها و حرصاً من حكماء و كهنة العلم المقدس على إبقاء هذه العلوم النورانية إلى الأبد كانت إختياراتهم للقباب المخروطية و طرق بناءها تعكس أشكالاً هندسية دقيقة تعبر عن علومهم النوعية القائمة على دراسة التأثير الشمسي على المنظومة النفسية و الجسدية للكائن البشري، وكذلك طبيعة تأثيراتها على المواقع في نظامنا الأرضي، فكل موقع له أهميته في المنظومة الشمسية ويستمد قوة تأثيره الشيء بالتحديد، بقي القدماء فترات طويلة من الزمن يكررون البناء على نفس المواقع بعد كل عملية اعتداء يتعرضون لها دون أن يفشوا بطبيعة العلوم الباطنية التي تقف خلف اختيارهم للأماكن بدقة عالية.
و ينطبق الأمر أيضاً على الكائن البشري المحاط بطوق القدسية و هذا الطوق الذي يشبه الجرة كما ذكرت في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، و لو تخيلنا الجرة و وضعنا في أسفلها المادة و في وسطها الروح و في أعلاها الطاقة الإلهية سنجد أن تأثيرات هذه الطاقة القادمة لنا من الشمس عبر المسارات الإثني عشر الباطنية تؤثر تأثيراً مباشراً في ذبذبة الروح، فإذا تمكن الكائن البشري من الإستفادة منها بشكل سليم فإنها ترفع الروح الى مستويات طاقية عليا تترك أثراً كبيراً في تقدمه نحو المستويات العليا للوعي والأبعاد العلوية السماوية المقدسة المتفوقة للغاية.
و في المقابل عدم الإستفادة منها يخلق ذبذبات سلبية في الروح تقودها نحو الإنغماس في العالم المادي السفلي وتجعل من وعي الكائن البشري يتقلص إلى أدنى درجاته و هو مستوى الوعي المتدني فالروح هنا في التأثيرات القادمة من الشمس تلعب دورا محوريا في التقدم أو التراجع في مستويات الوعي على أساس إتساع إنتقالها أو تقلص حركتها في دائرة محدودة تجعل المادة هي الطاغية على حياة الكائن البشري و تشده بقوة إلى مغريات عالمنا الأرضي.
و وعي متفوق يحول حياة الكائن البشري تحويلاً جذرياً، و بين الإنخراط في عالم مادي قائم على المحدودية في كل شيء، وله قصور في أدواته و علمه و سبر أغوار أسرار منظومتنا الكونية، ففي الحالة الأولى يرى الإنسان كل ما هو خير على طبيعته (جوهره) و ليس إستنادا إلى مكانته في العالم الأرضي، بل إلى الجانب الخير إستنادا إلى موقعه في المنظومة الكونية و علومها الإلهية.
وهنا يشكل التأمل في أعماق النفس الداخلية وصولاً إلى نقطة الصفر حيث اللاشيء (العدمية) و الإتحاد بين الكون الأكبر مع الكون الأصغر في حالة تناغم مطلقة حيث اللاوجود سوي (أنت) و في حالة الإستفادة من هذه الطاقة الصلاة الصامتة و الغير منطوق بها بأي شكل من الأشكال فهي تعتمد على تردد رنيني و معدل إهتزاز يحدثه المتأمل في نفسه حتى يتمكن من التواصل بالشكل السليم مع وعيه الأزلي الذي يخبره عن سر وجوده قبل تجسيده و إختياره خوض التجربة الموكل بها على الأرض و إتصال لطيفه جوهره بمصدر الطاقة الإلهية العظمي الروحية النورانية و الحقيقة المطلقة الموصوفة بالأقدمية الأزلية.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر