درس من التاريخ

فرات المحسن
2022 / 9 / 6

عند نهاية الحرب بين الأخوة الأعداء الأمين والمأمون أولاد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وما رافق ذلك من اضطرابات واختلال في الاوضاع الاجتماعية والسياسية داخل الدولة العباسية وفي العراق بالذات. ظهرت العديد من الحركات المناوئة للدولة العباسية. وسجل في تلك الفترة للشيعة الاثنى عشرية ظهور فاعل ومؤثر، وكان من الممكن لقادتهم لو استغلوا الأوضاع السيئة والتفاف الجماهير حولهم، لاستطاعوا إزاحة سلطة العباسيين، إن استمرت حركتهم الثورية دون أن تخرق وتتفتت ثم تنتكس، لتنتهي جراء موت أصحابها والخلافات وأطماع المغانم والمناصب.
برز من بين القادة الشيعة في مدينة الكوفة عام مائة وتسع وتسعين هجرية، 814 ميلادي، شاب طموح من نسل الأمام الحسن بن علي ، يدعى أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن علي ويعرف بابن طباطبا. تقدم الصفوف آنذاك ليتصدى لقيادة الطائفة الشيعية، واستعد استعدادا منقطع النظير للخروج على الدولة العباسية. وكان محمد بن الطباطبا شديد الورع والتقوى، ويحمل وعيا اجتماعيا بمشاغل ومشاكل الناس.واكتسب شعبية واسعة في الكوفة وما يحيط بها من ريف وقرى وبواد، واتفق الناس على إتباعه واجتمعوا عليه، ووفدت إليه الأعراب من كل حدب وصوب، وسار خلفه جمهور غفير من الشيعة وغيرهم، وهرعوا إليه مستنجدين بعد أن طال انتظارهم لمخلص يدفع عنهم غائلة الفقر والجوع والظلم الذي حاقهم جراء حكم العباسيين. وقد أثارت شخصيته خيال الناس والرواة في ذلك الوقت فنسجوا حوله أخبارا غيبية تنسجم وذائقة محبيه ومريديه . فقال فيه أبو فرج الأصفهاني وهو من رواة الشيعة ، أن زيد أبن الأمام الرابع للشيعة علي زين العابدين، قد تنبأ بظهوره حين قال " يبايع الناس رجلا في موضع من مدينة الكوفة في جمادي الأولى سنة مائة وتسع وتسعين ،يخطب بين الناس ويحضهم على الثورة، وسوف يباهي الله به ملائكته، وفي رواية أخرى ينسب هذا القول لمحمد بن علي الباقر الأمام الخامس للشيعة الأثنى عشرية.
كان محمد بن إبراهيم بن طباطبا يتمتع بشخصية جذابة تحمل الكثير من نبالة الفرسان وقدسية وورع آل البيت، لذا أصبح رمزا دينيا مقدسا بين مريديه الذين وجدوا فيه ميزات القيادة لإصلاح أوضاعهم التي تدهورت وانحطت على عهد الخلافة العباسية، ومن جراء صراع الأخوة الأعداء، الأمين والمأمون أبناء الخليفة القوي الباطش هارون الرشيد . وبسبب صراع الأخوة باتت الدولة العباسية تتنازعها الخصومات والصراعات العسكرية الدينية السياسية، وأهملت خلالها حقوق الناس وتوقفت الكثير من المصالح، وانقسم الناس في مواقفهم بين واجهتين للصراع، يتنازعهما امتداد في عمق الخلافة تمثل في البعد القومي المخفي والطافح بعد موت الرشيد، فالأمين أبن أمه الفارسية والمأمون أبن أمه العربية، وكانت فكرة الصراع القومي الفارسي ــ العربي قد ظهرت على عهد الدولة الأموية التي برزت فيها وعلى مدى عهودها توليفات عديدة للموالي من غير العرب وهم من غذى ذلك الصراع داخل البنية السياسية للدولتين الأموية والعباسية.
تصاعدت انتفاضة محمد بن طباطبا عبر طابعها الدعائي الديني التحريضي، وكانت الجماهير تتطلع للإصلاح والتغيير، على وفق الرغبة بالإطاحة بسلطة العباسيين أي إسقاط النظام وإحلال بديل كفؤ يعي مشاكلهم ويقدم الحلول الناضجة لها، وقبل كل هذا يمنحهم الاستقرار والأمان، ورزقا يدفع عنهم غائلة الجوع.
وكان أبن طباطبا يفتقر الخبرة العسكرية التي يحتاجها لقيادة الجماهير الغفيرة التي تتبعه، ويطمح في تسليحها والسير بها ليواجه خصومه من العسكر العباسي. ولسد هذا النقص بحث عن قائد لتلك الجماهير المستعدة للجهاد، يكون عسكريا قادرا ومحنكا ، فوجد ضالته في رجل متشيع أسمه السري بن منصور الشيباني والملقب ب (أبو السريا )، وكان هذا العسكري الكفوء مغامرا وطموحا ومتمردا، وقد خاض حروبا كثيرة متنقلا بين مقاطعات الدولة العباسية، يبيع جهوده لمن يدفع، ويصارع من أجل كسب المال بقوة سلاحه وعصبته من فرسان ومشاة مرتزقة، كان يجود عليهم بالمال الذي يكسبه من معاركه وغزواته. فوجد محمد بن طباطبا ضالته فيه، فاتفق معه على قيادة جيشه لمقارعة جيوش العباسيين. وكان لمحمد بن طباطبا ما أراد، فقد جند ونظم أبو السرايا جيشا جرارا من الشيعة وفقراء الناس، وخاض بهم معارك كبيرة وناجحة حاز فيها انتصارات متلاحقة على أعدائه من الجيش العباسي.
ولكن مع انتصارات هذا القائد العسكري وحصوله على غنائم كبيرة من مخلفات جيش الخليفة المأمون، حدثت بينه وبين محمد بن طباطبا خلافات حادة وتباعد جراء طموح أبي السرايا المتصاعد، وكذلك التفسير المتضارب والمختلف بين الديني والعسكري، حول كيفية توزيع الغنائم. فقد أراد رجل الدين محمد بن طباطبا الاستيلاء على الغنائم لتوزيعها لاحقا على فقراء القوم، في حين أراد القائد العسكري أبو السرايا حيازة تلك الغنائم ،على أن يتقاسمها أولا أهل السلطة أي هو وأبن طباطبا في المقدمة وقادة العسكر ومن ثم إعطاء ما يتبقى منها للمحتاجين .
ومع استشراء هذا الصراع وطاعة الناس دينيا لمحمد بن طباطبا الذي منع أبو السرايا من التصرف بما أحرزه جيشهم من مال وسلاح ودواب، دب الخلاف واستشرى بينهما، وكان كلاهما يستخدم شعار الدين والدعوة لآل البيت، كواجهة لترويج ما يذهب إليه لتبرير حصوله على الأموال، وفي الأخير خسر الاثنان معركتهم حين توفى محمد بن إبراهيم بن طباطبا مسموما عن عمر لم يبلغ الثلاثين بعد، ودفن على يد أبي السرايا في منطقة الغري بالنجف،وجيء بغلام لم يبلغ الحلم من سلالة آل البيت أسمه محمد بن محمد بن زيد، ليكون بديلا في القيادة الدينية عن محمد بن طباطبا، وكان أبو السرايا هو من يدير شؤون الجماعة، والكثير من المؤرخين والمطلعين يوجهون سهام اتهامهم بقتل محمد بن إبراهيم بن طباطبا مسموما إلى أبي السرايا إثر الخلاف الذي حدث بينهما حول الغنائم وأيضا طمع أبي السرايا بالسلطة والجاه، بعد أن دانت لسلطته العديد من مناطق العراق وحاز على غنائم كثيرة ووضع أعوانه قادة وولاة على مناطق مثل البصرة ومكة والأهواز واليمن والمدائن وواسط، ولكن لم تدم له تلك الانتصارات والقلاع التي استحوذ عليها، لتحاصره في النهاية جيوش الدولة العباسية فهرب من الكوفة بثمانمائة فارس ومعه الغلام محمد بن محمد بن زيد. وبعد تواتر هزائمه ذهب إلى منطقة جلولاء حيث حوصر هناك وظفر به وجيشه الحسن بن سهل قائد الحملة العباسية، فقتله وبعث برأسه إلى الخليفة المأمون سنة 200 هجرية وانتهت الحركة بعد استقرار الأوضاع في الدولة العباسية لصالح الخليفة المأمون .
مقاتل الطالبيين
الوافي بالوفيات
كتاب الكامل
فصول من تاريخ الإسلام السياسي

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار