تجربتي في كتابة الرواية - جراهام جرين. 2/1

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 9 / 6

تجربتي في كتابة الرواية - جراهام جرين. 2/1


لن يكون الكتاب تجربتي في كتابة الرواية [1] الوحيد لجراهام جرين [2]؛ المتفرد بموضوعه و الثر بمادته؛ من شأنه أن يغنيك عما شاكله من كتبه الغزيرة؛ لكنه ضم بين دفتيه نتفا متآنسة هنا، و إشارات متفرقة هناك في عناد؛ تركها جرين تحتفي بنفسها بفخر؛ مؤتلفة في وحدة الهدف؛ رام منها الكاتب الوقوف على محطات فارقة من تجربتيه الحياتية؛ التي امتدت عمرا (1904-1991)، والإبداعية؛ التي أثثها رحلة طبعتها الرواية بميسم الزخم اللافت، منذ أول عمل كتبه " الرجل الذي بداخلي-1929- ، حتى رواية " د فيشر من جنيف- 1980 - و هي رحلة تهم كل عاشق للرواية قراءة أو كتابة.
و عنها تمخضت تلك النتف النابعة من حياة زخرت عطاء؛ و قد تخللتها لحظات انفردت بتسجيل ما عنت للمبدع لحظة انصهاره في أتون فته. و ما برح يتحداها؛ عاقدا الأمل على نيل قبس من هالة الإبداع التي تراود قلمه في حله و ترحاله؛ يجوب بها دروب الخلق بضناه الملحف و كآبته الجامحة قبل أن تستوي ماثلة في رواية أو ما شابه؛ و قد عبرت به تخوم الذات انطلاقا؛و عرجت على الأزمان الرخوة و الأمكنة الرطبة. فقد وطن قراره على الإذعان لها مهما كلفه؛ و هي لا تنفك تستدرجه؛ لعلها توقفه على انبثاق خاطرة شاردة أو التماعة من فكرة متمردة؛ من شأنها أن تقوده رأسا على ما شغله وقتا، و بات اللحظة رهبن ما خطت يداه.
قراءتنا الأولى للكتاب لفتنا في غماره بحماس؛ كنا نغذ فيها الخطى و نحن نعبر الصفحات دون حصر ما لاح لنا. ما انفكت أن تباطأت مع هاجس رافق القراءة الثانية؛ فقد عن لنا أن نجمع شتات ذكريات جراهام جرين في كتابته الرواية، و طاب لنا أن نربطها بخيط ناظم نراقب مجرى طبوغرافيتها المائع من حوض تجمعها الجارف؛ مرورا بقناة جريانها السيالة؛ و انتهاء بمخروط انصبابها الماتع. عبرت به محطات مسارها السالك لتذكرنا بالعود الأبدي؛ منذ كانت فكرة إرهاصا، و اختمرت جنينا؛ إلى أن باتت رواية قائمة الذات عيانا.
في البدء كانت الكلمة:
• و بقيت القصة في خلفية ذهني، تخضع لعمليات الانتقاد الذي يقوم به اللاشعور.(ص132)
• كقاعدة، أنا لست من الكتاب الذين يدونون الملاحظات من أجل كتابة رواياتهم. ما عدا كتب الرحلات(ص141)
• و على عكس ما يفترض البعض. من أن الأماكن التي زرتها كانت مصادر لرواياتي. فنادرا ما حدث ذلك. فلم ابحث عن مصادر، و لكنها الظروف التي رمتني هناك. و ربما غريزة الكاتب هي التي دفعتني لشراء تذاكر السفر لاماكن مختلفة.(ص 6)
• أوحى إلي بموضوع الرواية- إنه ميدان المعركة - حلم رأيته، ثمرة أسابيع القلق التي عشتها. يحكم علي بالموت بسبب جريمة. و قد وجدت في يومياتي قطعة من الشعر الخشن توضح كيف طرأت فكرة الرواية على ذهني. (ص24)
• كان يدهشني في تلك الأيام المبكرة، أني أستطيع كتابة رواية في تسعة أشعر، لكن أن أكتب رواية في ستة أسابيع..؟ إن رواية العميل السري" كتبتها في ستة أسابيع سنة 1938 بعد عودتي من المكسيك. زودتني الحرب الأهلية الاسبانية بفرشة الرواية، لكن اتفاقية ميونيخ هي التي جعلتني أسارع في إتمامها.(ص65)
• صممت أن أكتب رواية تسلية أخرى بأسرع وقت و ذلك في أوقات الصباح؛ بينما أكتب بعد الظهر في رواية القوة و المجد براحتي. و لكي أوفر جوا مناسبا للعمل، بعيدا عن جرس التليفون و صياح الأطفال، استأجرت مكانا في ميدان ميكلنبرج.. كل يوم أجلس للكتابة و ليس لدي فكرة عما ستؤول إليه الأحداث.(ص66)
• كتب " دن" في كتابه " تجربة مع الزمن" عن الأحلام التي تأخذ رموزها من المستقبل كما الماضي. أمن الممكن أن الروائي يفعل الشيء نفسه. حيث أن معظم عمله يأتي من مصدر شبيه بالأحلام؟ إنها فكرة مزعجة، هل كان زولا و هو يكتب عن عمال المناجم الذين حوصروا في منجمهم وماتوا اختناقا بالغاز السام، يستلهم شيئا من ذاكرة المستقبل عن موته الخاص الذي حدث نتيجة لاستنشاقه الغاز السام الصادر من موقده الذي يعمل بالفحم؟ من العدل ألا يعيد الكاتب قراءة رواياته ثانية، فهناك إشارات كثيرة عن مستقبل غير سعيد.(ص69)
• قرأت في ملاحظاتي العشوائية.. و وجدت أسطرا قليلة مكتوبة بقلم الرصاص باهت تبدأ فكرة القصة: لو كنت كاتبا حقا، فلا بد أن تغريني هذه الشخصية لوضعها في رواية. أتخيل أن هذا ما يشعر به الكاتب من الحضور الطاغي لفرد يرغبون في فهمه. لكني لا أملك الوقت أو المهارة لعمل كهذا الآن. و كل ما أستطيع عمله هو جمع الانطباعات التي يتركها هذا الرجل على كل من عرفه، و أخشى أن أجد صعوبة في خلق الشخصية من مجموعة من الانطباعات كهذه. أثناء مراجعتي للكتب قرأت أن الروائيين قد يمدحون أو يذمون لنجاحهم أو فشلهم في رسم الشخصية. لكن شخصيات كهذه تبدو علاقاتها مع الحياة كالصور التي نراها في هذا البلد أو ذاك مرسومة على الجدران الطينية لبيوت السكان. القطار يعبر عنه بنصف من المستطيلات، و كل مستطيل يقف على دائرتين. و هكذا يبسط المؤلف الشخصية، و التناقض الذي يحمله الإنسان بين جوانبه يزال أو يهذب.و النتيجة فن منظم و مهذب لتصوير حالة عقلية معينة، و هذا الكتاب الذي أنوي كتابته سيكون على خلاف ذلك، فقد تركت الشخصيات بكل تناقضاتها، فهدفه الوحيد هو تقديم شخصية غامضة بكل الصدق الذي نعرفه عن الشخصيات الغامضة" (ص78)
• في مفكرتي القديمة أحداث و شخصيات متفرقة كان من الممكن أن تضمها روايتي.(ص78)
• أفترض أن معظم الروائيين، يحملون في أذهانهم أو مفكرتهم، فكرة أولية لقصص لم يتح لهم أن يكتبوها، و أحيانا بعد سنوات كثيرة، يرجعون إليها و يأسفون، فقد كانت فكرتها عظيمة آنذاك لكنها ماتت الآن.(ص83)
• منذ نشر أول رواية لي، كنت أكتب القصة القصيرة بين الفينة و الأخرى. و منذ البداية أزعجني هذا الشكل الفني و أضجرني قليلا، فقد كنت اعرف كل شيء عن القصة قبل أن أبدأ الكتابة، و أنهي كتابتها أيضا دون أن أفاجأ بشيء جديد. بينما أثناء كتابتي الرواية، رغم فترات الملل التي أمر بها أحيانا،لكن في أية لحظة قد يحدث غير المتوقع. مثلا شخصية ثانوية تظهر فجأة و تسيطر و تملي كلماتها و أفعالها. أو أدخل حادثة تبدو لا علاقة لها بالموضوع في مكان ما في بداية الرواية و بدون سبب أعرفه.ثم بعد كتابة 60ألف كلمة و بإحساس مثير اكتشف لماذا كانت تلك الحادثة هناك. فقد كان السرد طوال الوقت يعمل عمله خارج الوعي. لكن في القصة القصيرة أعرف كل شيء قبل بدء الكتابة أو هكذا أظن. ..(ص 157-158)
• إن مادة الرواية كانت تتراكم دون إدراك المؤلف، لكن بتعب و ألم و خوف و لم يكن الأمر سهلا دائما.أعتقد أن " القوة المجد” هي الرواية الوحيدة التي كتبتها بناء على قضية غير مؤكدة. (ص63)
في توطين المسرى:
• من تجربتي أعرف أنه بعد عدة أشهر من العمل في رواية يشعر المؤلف عادة أن روايته تسير بالدفع الذاتي، مثل إقلاع الطائرة تسير بسرعة متزايدة على المدرج ثم ترتفع ببطء و تشعر بأن العجلات لم تعد تلمس الأرض. (ص 168)
• الشخصيات الرئيسية في رواية ما. لا بد بالضرورة أن يكون لها صلة بالمؤلف، فهي تخرج منه كما يخرج الطفل من الرحم، ثم يقطع الحبل السري و تترك الشخصيات لتنمو مستقلة، و كلما عرف المؤلف نفسه أكثر، استطاع أن يبعد نفسه عن شخصياته المبتكرة و أن يتيح لها مساحة أكبر لتنمو خلالها .(ص 12)
• كنت أفكر بكتابة الرواية بمصطلحات مسرحية. بمعنى أني قبل أن أكتب أجدول المشاهد على الورق( الفصل الأول: يحدث كذا و كذا) و غالبا ما تحتوي هذه المشاهد على شخصيتين منفردتين، في حظيرة للسكة الحديد في رواية "قطار اسطنبول" في بيت منعزل في رواية " بندقية للبيع" كما لو أني أحاول الهرب من سيولة الرواية الواسعة، و أقيم أعظم المشاهد المهمة في منطقة ضيقة حيث يمكنني توجيه كل حركة لشخصياتي. مشهد كهذا يوقف تقدم الرواية بذروة درامية، كاللقطات القريبة في فيلم حيث تبدو كأنها توقف حركة الفيلم. توقفت بعد ذلك عن استخدام ذلك التقسيم على الورق و راقبت طريقتي تلك في رواياتي بعد ذلك، و يمكنني القول أني وصلت الذروة في رواية " القنصل الفخري" حيث معظم أحداث الرواية تدور في كوخ خبأ المختطفون فيه ضحيتهم. (ص22)
• هناك دائما ميزة فنية واضحة في الرواية المكتوبة بضمير المتكلم، فوجهة النظر قد تحددت و تأكدت و لا مجال للانحراف هنا أو هناك. فأنت تكتب ما تلاحظه الشخصية فقط ( هكذا خدعنا بروست بلا خجل).(ص93)
• لن أحاول التخفي وراء القول السائر بأنه لا يمكن العثور على المؤلف في شخصياته..أعتقد أن النقاط التي يلتقي فيها المؤلف مع شخصياته تؤدي إلى القوة و الدفء في التعبير. كما أعتقد أنه ليس بالضرورة أن تتوازى شخصية المؤلف مع الشخصية.أو تكون النتائج التي نستخلصها من الشخصية تنطبق على المؤلف..(ص 144)
• من المؤكد أن الأحلام كان لها أهمية كبيرة في كتاباتي، ربما لأني عولجت نفسيا و أنا صبي.فأصل رواياتي "ميدان المعركة" كان حلما، و كذلك القنصل الفخري" بدأت كحلم، و أحيانا يصل التطابق بين المؤلف و شخصيته الروائية إلى مدى بعيد، حتى أن المؤلف من الممكن أن يحلم حلم الشخصية الروائية لا حلمه. حدث هذا لي أثناء رواية " حالة ميؤوس منها فرموز و ذكريات و تداعيات ذلك الحلم كانت بوضوح تخص شخصيتي الروائية كويري، و في الصباح التالي وضعت ما حدث في الحلم دون تغيير في الرواية حيث سد ثغرة في السرد كانت لعدة أيام غير قادر على عبورها.و أتخيل أن كل المؤلفين قد وجدوا المساعدة نفسها من اللاوعي- فاللاوعي يشترك في كل عملنا، انه الجوكر الذي نحتفظ به في القبو لمساعدتنا حين تواجهنا عقبة صعبة التجاوز، اقرأ ما كتبته خلال اليوم قبل النوم و اترك الجوكر يقوم بالعمل، و حين استيقظ تكون العقبة قد أزيلت تقريبا و بدا الحل واضحا، مؤكد أنه ورد في حلم لا أذكره. (ص 160)
• أعرف جيدا من التجربة أنه يمكنني خلق شخصية ثانوية و عابرة مستوحاة من شخص حقيقي، فالشخص الحقيقي يقف عقبة في طريق الخيال، من الممكن أن آخذ منه لازمة معينة في الكلام، سمة بدنية، لكني لا أستطيع أن اكتب إلا صفات قليلة قبل أن أدرك أني لا اعرف ما يكفي عن الشخصية لاستخدامها حتى لو كان صديقا قديما، لكن من الشخصيات الخيالية فانا متأكد أكثر. (ص 169)
• من النادر أن أستخدم في رواياتي شخصيات تتطابق مع أشخاص أحياء أعرفهم. و إذا فعلت يكون ذلك في الشخصيات الثانوية و ليس الرئيسية.(ص25)
• في معظم كتبي، و مهما كنت أعرف المشهد الذي أكتبه جيدا. تظل هنا شخصية ترفض بعناد أن تصبح شخصية حية،و توجد فقط من أجل الرواية(ص27)
• الحقيقة المؤسفة هي أن الرواية ليس فيها متسع إلا لعدد محدود من الشخصيات الرئيسية. لو حملتها بشخصية ناجحة أخرى، تصبح كالقارب الذي يحمل أكثر من طاقته فيغرق.(ص27)

(يتبع)
-------------------
[1] مذكرات جراهام جرين - تجربتي في كتابة الرواية.ترجمة أحمد عمر شاهين.أخبار اليوم.1991.
الكتاب الأصلي : سبل الهروب/ Ways Of Escape
GRAHAM GREEN.Penguin Books 1980

[2]جراهام جرين (1904-1991) أحد أشهر الروائيين المعاصرين، كتب حوالي ثلاثين رواية و مجموعة قصصية و كتب الرحلات و السيناريو. عبر في رواياته عن مأزق الإنسان المنهار في القرن العشرين. عن الازدواجية في العقل البشري، عن الجاذبية المغرية للشر و الخير معا، و عن تعاسة و قسوة الحياة الاجتماعية لإنسان المدينة. (عن غلاف الكتاب المترجم)

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر