نسخة تاريخية لغبي مُسيّر

عادل صوما
2022 / 8 / 19

طالما تمنيتُ قراءة مقابلة صحافية مع قاتلين، لأتعرف على ما يدور في عقولهم وكيف تكونت فكرة اغتيال شخص في وجدانهم، خصوصاً المشهورين أو العظماء، ورغم بشاعة جريمة مدينة "كنيسة المسيح" التي راح ضحيتها خمسين مسلماً في نيوزيلندا، تمنيت فعلا قراءة مقابلة صحافية مع منفذها لمعرفة خلفياته النفسانية، لأنها الأولى من نوعها التي ترد على الإرهاب بإرهاب مثله، وعلى الفكر المتطرف برأي أشد تطرفاً، خصوصاً رأي القاتل عن الحضارة الغربية المترهلة أمام ضياع ممتلكاتها.
معظم قتلة المشهورين كانوا أغبياء أو مُسيّرين بدوافع غيرهم، وأشهر هؤلاء قاتل الرئيس الأميركي العظيم أبراهام لينكن (أو لينكولن كما يكتبون بالعربية)، ولعل أغرب مقابلة غير منشورة تمت مع قاتل هي ما أجراها البابا يوحنا بولس الثاني مع مَنْ حاول اغتياله، ولم يقل تفاصيلها، بل تمنى قبل حدوثها في السجن عدم وضع ميكروفونات في الزنزانة.
شخصية رائعة
"نيويورك بوست" التقت، حصرياً في مقابلة افتراضية بالفيديو من سجن مقاطعة تشوتاوكوا، هادي مطر الذي هاجم وطعن الروائي سلمان رشدي. افتتح مطر حديثه بالقول: "عندما سمعت أنه نجا، فوجئت". ربما كانت المفاجأة عدد الطعنات التي لم تقتل رشدي، وقوة الإيمان ويد الله التي أوهموه انه سيطعن بها ولابد أن تؤتي ثمارها.
وبناء على تحذيرات قانونية من محاميه تجنّب ذِكر فتوى الخوميني التي دعت إلى قتل رشدي سنة 1989، لكنه قال "أنا أحترم الخوميني وأعتقد أنه شخص رائع وهذا أكثر شيء استطيع أن أقوله".
والمؤكد لإرهابي متزمت مثله أن روعة الخوميني تنبع من تسببه مع الأحمق صدّام حسين في حرب قتلت أكثر من مليون شخص، ومهدّت لحروب أخرى نتج عنها الشرق الأوسط الذي نراه، والهجرات التي ستسبب سقوط الحضارة الغربية.
بضع صفحات
ومثله مثل أي جاهل سيق بأفكار غيره أشار مطر إلى أنه "قرأ فقط بضع صفحات "من رواية رشدي المثيرة للجدل". وهو جاهل لأنه ردد وصف الرواية بأنها مثيرة للجدل، ولم يضف حرف آخر.
نفى مطر عن نفسه تهمة تبني الإرهاب، بناء على نصيحة محاميه، ونفى اتصاله بالحرس الثوري، وقال إن ما دفعه للذهاب إلى نيويورك هي تغريدة لرشدي أعلن فيها عن زيارة للمدينة في وقت ما في الشتاء. وهذا كذب صريح واضح لأن الجريمة تمت في عز الصيف!
قال هادي مطر عن سلمان رشدي "أنا لا أحب هذا الشخص ولا أعتقد أنه شخص جيد جداً.. أنا لا أحبه كثيرا، إنه شخص هاجم الإسلام".
كيف يحكم انسان على آخر لم يشاهده على الأقل ولم يعش معه؟ أما الهجوم على الإسلام فتلفيق فضفاض جداً وحجة مكررة أصبحت سخيفة، فهناك فارق شاسع بين السخرية من الأديان والهجوم عليها، لأن رشدي لم يهاجم أي دين في رواياته كلها، لكنه سخر من لامعقولياتها التي يطلب رجل الدين من المؤمنين قبولها لأنها جزء من حكمة إلهية لا ندركها، أو يتطوع برتقها هو وغيره ما يخلق ترقيعات تحتاج إلى ترقيعات لرأب تناقضات المرقعين اللانهائية.
سمات شخصية
تأمل صورة هادي مطر فور القبض عليه تشير إلى قاتل عقائدي من الدرجة الأولى؛ ملامح أداء الواجب والتشفي، ولا وجود لأي ندم أو خوف. ومثل أي متزمت في أي عقيدة لا وجود في نواقله العصبية سوى للمشاعر السلبية للآخر مهما كان لديه إيجابيات.
وبناء على العدالة المدنية الأميركية، قال مطر أنه غير مذنب في تهم الشروع في القتل والاعتداء، وهو ما كان يجب على قاتل عقائدي متزمت التفوه به، لأن هدفه دخول الجنة، وهي مكان يُفترض عدم وجود للكذابين فيها.
وكأي مصاب بانفصام الشخصية، يحتقر شخصية منها، فقد ارتدى زي السجن ووضع قناعاً أبيض من القماش على وجهه حتى لا يراه الناس، ولا يرى نفسه على الشاشة، وكان أثناء حديثه ينظر إلى الأسفل أحياناً لأنه يخاف مواجهة أكاذيبه وما لُقن في الكاميرا، ويتحدث بنبرة خافتة أحياناً حتى يتجنب سماع أكاذيبه بوضوح.
خداع متأصل
مطر لم يقرأ روايات سلمان رشدي، لكنه شاهد مقاطع فيديو له على "يوتيوب"، و"شاهد الكثير من محاضراته. وخرج مهنا برأي مُسبق "أنا لا أحب الناس المخادعين مثل هذا". لم يشرح كيف خدع رشدي جمهور مثقف على وعي بالأحداث، وكيف خدعه وهو جاهل كما اعترف.
مظلومية أخرى أضافها مطر إلى مظلومياته التاريخية رغم وجوده في سجن يحترم آدمية المسجونين، عندما اشتكى من ظروف السجن المحلي، وقال بتلفيق واضح لكي يقنع الناس أن السجون الأميركية تقدم فقط لحم الخنزير ومنتجاته للنزلاء "الكثير من الطعام الذي قدموه لي غير مسموح بتناوله في ديني".
لم يرد مطر على أسئلة حول رحلته سنة 2018 إلى لبنان، فقد تم تجنيده على الأرجح في هذه الفترة، ويُفهم من حديثه أنه عاطل عن العمل أغلب الوقت، ومدمن على التكنولوجيا: "استخدم الإنترنت، وألعب ألعاب الفيديو، وأشاهد نتفليكس، وأشياء من هذا القبيل". لم يقل جملة واحدة تفيد أنه قرأ كتاباً في حياته.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت